دفاتر فارس يواكيم: محمد كريم....مخرج أول فيلم عربي ناطق ومكتشف فاتن حمامة

22 يوليو 2019
الصورة
توفي قبل أن ينهي كتابة تاريخ السينما المصرية (فيسبوك)
بين المسرح والإذاعة والموسيقى، قضى فارس يواكيم (1945، مصر)، عقوداً من حياته مواكباً ومؤرّخاً ومشاركاً في أبرز محطات المشهد الفني العربي في القرن الماضي، وشاهداً على التحوّلات في عالم الفنّ. تنشر "العربي الجديد" كل يوم إثنين، مذكرات يواكيم مع أبرز الفنانين والمنتجين والمخرجين العرب، مستعيدة محطات شخصية ولقاءاته مع هؤلاء في القاهرة وبيروت وباريس وغيرها من العواصم.


الممثل النجم حسين فهمي، والممثل أحمد مرعي، والمخرجون: أشرف فهمي ونادر جلال، ومحمد عبد العزيز، وعلي عبد الخالق، واللبنانية نبيهة لطفي، والمصورون: محسن نصر، ورمسيس مرزوق، وعصام فريد، ومهندسا الديكور: صلاح مرعي، ومختار عبد الجواد، وكتاب السيناريو: محسن زايد، ومحمود أبو زيد، وكاتب هذه السطور. كل هؤلاء الذين تكررت أسماؤهم في عناوين وأفيشات الأفلام درسوا في المعهد العالي للسينما في القاهرة، أيام كان محمد كريم في منصب العميد.

عام 1959 كلّف ثروت عكاشة وزير الثقافة في الجمهورية العربية المتحدة، المخرج محمد كريم عمادة المعهد الذي أنشئ في العام ذاته. كان في رصيد محمد كريم أنه شيخ المخرجين، ومن روّاد السينما المصرية. عاصر السينما الصامتة وأخرج فيلم "زينب" عن رواية محمد حسين هيكل، بطولة بهيجة حافظ، وسراج منير، وزكي رستم (1930)، وأعاد اقتباس الرواية ذاتها في فيلم ناطق (1952) من بطولة راقية إبراهيم، ويحيى شاهين، وفريد شوقي. وهو الذي أخرج أول فيلم عربي ناطق "أولاد الذوات" (1932) من بطولة يوسف وهبي. وكان هو أيضاً أول وآخر من أخرج أفلام محمد عبد الوهاب من "الوردة البيضاء" إلى "لست ملاكاً". وهو أول نقيب للسينمائيين (1943)، وهو أول من قدم الطفلة فاتن حمامة في فيلم "يوم سعيد" مع عبد الوهاب. وهو أول من أخرج فيلماً مصرياً ملوناً بالسينما سكوب "دليلة" من بطولة عبد الحليم حافظ وشادية (1956). وعندما تولّى مهمة أول عميد لمعهد السينما كان قد أخرج آخر أفلامه "قلب من ذهب".

وعندما التحقتُ بمعهد السينما سنة 1962، كنت وزملائي نعرف هذه المعلومات عن محمد كريم. لكننا منذ بداية الدراسة بدأنا نتعرف إلى الوجه الآخر. من اليوم الأول أدركنا أنه رجل مهووس بالنظافة. كان ينتظرنا عند مدخل المبنى قبل أن نصعد الدرجات الخمس. في الأسفل قبل الدرجة الأولى كانت هناك منظفة الأحذية المعدنية، ينبغي على كل طالب أن يحفّ نعله جيدًا بها ليكشط الوحل وما شابه. وفي الأعلى قبل دخول الباب ممسحة من القماش السميك لتنظيف النعال مرة ثانية. ولافتات مكتوب عليها "امسح رجليك من فضلك". وذات مرة لاحظ محمد كريم أن طلبة صعدوا الدرجات من دون أن يمرّوا فوق المماسح، فما كان منه إلا أن وضع حبلين ليصبح المرور فوق المماسح إجبارياً. في الداخل كان المعهد في مثل نظافة مستشفى من القطاع الخاص.

ولم يكن محمد كريم مدرّساً لمادة بعينها. لكنه في حالة غياب أحد الأساتذة كان يملأ الفراغ، فيعرض علينا أفلامه أو يسرد لنا ذكرياته. عرفنا أن يوسف وهبي كان صديق الطفولة. وكان كلاهما يهوى السينما. وكان كريم يجمع صور النجوم ويغطي بها جدران حجرته في البيت. ومن مدخراته اشترى شراكة مع يوسف وهبي آلة عرض مستعملة، وكانا يستأجران الأفلام من دور السينما بعد رفعها في ختام أيام عرضها، ويقدمانها في غرفة في بيت يوسف وهبي، ويشاهدها الأهل والأقارب والجيران، ويدفع المشاهد 2 مليم ثمن الفرجة.

وفي مطلع العشرينيات سافر كريم إلى ألمانيا ليتعلّم فن السينما. التحق باستديوهات "أوفا" الشهيرة متدرباً في البداية ثم محترفاً. وتسنّى له أن يعمل سنة 1927 مساعداً في فيلم "متروبوليس"، وهو من كلاسيكيات السينما العالمية في مرحلة السينما الصامتة، ومن إخراج القدير فريتز لانغ.

وروى لنا عن الأزمة الاقتصادية الخانقة التي عصفت بألمانيا حتى ما قبل الأزمة العالمية سنة 1929. وقال إنه كان يذهب بكيس مملوء بالماركات ليشتري رغيف خبز واحداً، وأن صاحب المقهى لم يكن يقبض من الروّاد ثمن مشروباتهم إلا لحظة انصرافهم، بسبب التضخم الفظيع لأن سعر المارك كان يتقلب بين ساعة وأخرى. وكنا نحن الطلبة نظن أنه يبالغ وأن روايته فيها تضخم. لكنني عندما أقمت في ألمانيا منذ 1989، أكد لي كبار السنّ من الألمان صحة رواية محمد كريم. لكنه كان قد توفي سنة 1972 فلم يتسنّ لي أن أعتذر منه. وكان أثناء إقامته في برلين قد تزوج من فتاة ألمانية أشهرت إسلامها وأصبحت تدعى نعمة الله. عادت معه إلى القاهرة في أواخر العشرينيات، لكنها توفيت قبله. فعاش من بعدها مع ابنتهما الوحيدة ديانا.

في حالات غياب الأساتذة كنا نشاهد أفلام محمد كريم السبعة التي أخرجها، من بطولة محمد عبد الوهاب. لكنني لا أنسى ما حدث عندما شاهدنا فيلم "لست ملاكاً" الذي أنتج عام 1946. قبل العرض كان محمد كريم كعادته يخبرنا عن ظروف إنتاج الفيلم وإخراجه. بدأ الحديث بالمشهد الأول من الفيلم، قال: "أشوف بشارة واكيم في الزاوية بيلمّع جزمته، وعبد الوهاب في لقطة متوسطة (يعني يظهر النصف العلوي فقط من جسمه).. عبد الوهاب بالشياكة.. الجاكتة.. الكرافتة.. (ولفظ هذه الكلمات الثلاث بفخامة).. وبعدين أغيّر زاوية الكاميرا ونشوف عبد الوهاب باللباس (الملابس الداخلية)".

وسكت محمد كريم منتظراً منا ردّ فعل. كرر الجملة بنبرة أقوى وأوضح، مع التشديد على مخارج الحروف: "ونشوف/ عبد الوهاب/ باللباس". لم يشهق أحدنا ولم يتعرض أحدنا لإغماءة. فصرخ فينا محتدياً: "أنا أول من طلّع عبد الوهاب باللباس في السينما المصرية.. إنتو عارفين يعني إيه عبد الوهاب باللباس؟؟ عبد الوهاب.. عبد الوهاب مطرب الملوك والأمراء. عبد الوهاب نجم السينما الأول في العالم العربي. الوردة البيضا كسب ميتين ألف جنيه. ده رقم قياسي ما حصلش. مبلغ كان أيامها يكفي تشتري به مجمّع عمارات.. عبد الوهاب!! عبد الوهاب: رصاصة في القلب، يوم سعيد، يحيا الحب.. عبد الوهاب باللباس؟؟ عمره ما حد شافه كده قبل كده. انتو عارفين حصل إيه في صالات السينما إيامها؟".. بعدها تنبّهنا إلى أن ظهور عبد الوهاب بملابسه الداخلية كان حدثاً. وهو كذلك فعلاً. إذ لم يسبق لأحد أن رأى عبد الوهاب نصف عار وشاهد فخذيه.
غير أنه في المقابل، اعترف ببعض الضعف في تلك الأفلام الغنائية التي كان هو رائدها. قال إن عبد الوهاب كان يقدم في الفيلم نحو 8 أغنيات. والجمهور يقبل بشكل غفير على دور العرض، بسبب المشاركة الغنائية لأشهر مطرب في زمانه. وكان العرف يقضي أن يكون طول الأغنية ست دقائق، لأن الأسطوانات كانت تنتج بهذه المدة. ومن ثم فإن طول الأغاني يغطي أكثر من نصف الفيلم، فتضيق المساحة المتروكة للقصة.
وأخبرنا محمد كريم أنهم كانوا يحرصون على أن تكون قطع الأثاث في الديكور قليلة، خشية أن يصطدم بها عبد الوهاب، لأنه ظهر أمام الكاميرا من دون نظارات. وهو من دونها يشحّ بصره كثيراً.

وعندما عرض علينا العميد فيلم "زينب" الناطق، لاحظنا أن هوس النظافة أصاب لقطات الفيلم الذي تجري أحداثه في الريف. كانت الشوارع أنظف من أرقى أحياء العاصمة، وكان الفلاحون جميعاً بثياب محت منها المكواة أي أثر لثنية ما، ولم يكن ينقص سوى أن تكون البقرة مغسولة بالصابون. وحين لاحظ طالب زميل أن ذلك يتنافى مع الواقعية، صرخ محمد كريم مبرراً ذلك بأن الفيلم سيعرض خارج مصر أيضاً، و"لا يجوز أن نقدم صورة سلبية عن بلدنا".

ومن محمد كريم عرفنا أصل كلمة "فيركش" التي يقولها المخرجون في نهاية يوم العمل. كنا نظن أنها من الفركشة، أي أن يتفرق الجميع. لكنه أوضح لنا أن الكلمة ألمانية وهي "فيرتيش" fertig بمعنى "انتهى". وأخبرنا أن المخرج الألماني الذي عمل في بدايات السينما المصرية استخدمها، ثم تمصرت "فيرتيش" وأصبحت "فيركش". وقال إنه شخصياً كان يستخدمها، والمخرج نيازي مصطفى أيضاً الذي درس في ألمانيا هو الآخر.

وكما اشتهر محمد كريم بحب النظافة كان نظامياً بامتياز. تبدأ الدروس في التاسعة صباحاً. وفي الثامنة والدقيقة 59 يرفع كشف الحضور. ومن لم يوقّع يعتبر غائباً. وكان يصرخ محتجاً في وجه من يصل متأخراً من الأساتذة، ومنهم يوسف شاهين، إذ عاتبه كريم على مسمع منّا "زي ما أنا لا أسمح للطلبة يتأخروا لن أسمح للأساتذة كمان".

وفي هذا السياق لي حادثة شخصية معه. كان سكرتير المعهد حسين عسر (أخو الممثل الشهير عبد الوارث عسر) أبلغني أنا وزميلي محمود أبو زيد (كاتب السيناريو الشهير في ما بعد) أننا بلغنا مرحلة الخطر. وفي رصيد كلّ منّا 14 يوم غياب. وإذا غبنا اليوم الخامس عشر فسوف يأخذ العميد قراراً بفصلنا. فطلبنا من الزملاء جميعاً مساعدتنا والتوقيع عنّا إذا لاحظ أحدٌ أننا تأخرنا. وحدث أنني تأخرت يوماً إضافياً، ولم يتمكن أحد من الزملاء من التوقيع نيابة عني. امتقع لوني وأنا أفكر في قرار الطرد الذي ينتظرني. وأشفق الزميل فايز يعقوب على حالتي وانتهز فرصة غياب العميد عن غرفته في فترة الاستراحة، فدخل الغرفة ووجد كشف الحضور على المكتب فقام بالتوقيع عني وعن نفسه كأننا حضرنا في الوقت المناسب قبل بدء الدروس.

اكتشف محمد كريم الأمر لأنه كان يسجل أسماء الغائبين في دفتر خاص. ودخل علينا قاعة المحاضرات وهو يرغي ويزبد. وطلب خروجنا فايز وأنا. تبعناه في الممر المؤدي إلى غرفته. بدأ يصرخ معنّفاً فايز الذي حاول التبرير، وهذا تصرف يمقته محمد كريم. وحين مثلت أمامه بادرت بالاعتذار معترفاً بذنبي، فهدأ قليلاً. واستجمعت ما بقي لديّ من قوى وتذكّرت ما كان قد رواه لي زميل من طلبة السنة الثالثة بين أهله وبين محمد كريم علاقات صداقة عائلية. ولم يبقَ أمامي سوى أن أستغل نقطة ضعف نفسية عند العميد. كنت عرفت عنه أنه منذ توفيت زوجته حزن عليها حزناً بالغاً، وزاد تعلّقه بابنته ديانا ما حال دون زواجها. كذبت على العميد وادعيت أن والدتي متوفية (وكانت على قيد الحياة)، وأنني أعيش مع أبي وحدنا. وأنني أستيقظ مبكراً لأعد لوالدي طعام الفطور، وأنني أهتم بملابسه وبكل تفاصيله. فنظر إليّ محمد كريم نظرة حنان وسألني: "إنت بتحب أبوك"؟ قلت "أموت فيه. خصوصاً بعد وفاة ماما"! فعانقني وقال "سامحتك يا إبني. لكن ح أخرب بيتك! ح اخرب بيتك لو غبت يوم بعد كده".. واتضح لنا في ما بعد أن رصيد غيابي قبل تلك الحادثة كان 13 يوماً فازداد يوماً، لكنه ظل دون الخط الأحمر. وكان حسين عسر أخبرنا أنه 14 يوماً ليشعرنا بالخطر المحدق بنا".

في صيف عام 1963 استقال محمد كريم من عمادة المعهد العالي للسينما، بعدما شهد تخرّج أول دفعة. وخلفه المخرج العتيد أحمد بدرخان. وبعد مغادرتي القاهرة إلى بيروت، قرأت أن وزارة الثقافة قدمت لمحمد كريم سنة 1968 منحة تفرغ لكتابة تاريخ السينما المصرية، لكنه توفي قبل أن ينتهي من الكتابة، فتم تكليف المخرج أحمد كامل مرسي إكمال المهمة.

دلالات

تعليق: