دفاتر فارس يواكيم: ميشال طراد... شاعر الورد والنسمات والغراب الأعور

09 سبتمبر 2019
الصورة
لقبه الشاعر فؤاد سليمان بعمود بعلبك السابع(أرشيف أنطون زرزور)
بين المسرح والإذاعة والموسيقى، قضى فارس يواكيم (1945، مصر)، عقوداً من حياته، مواكباً ومؤرّخاً ومشاركاً في أبرز محطات المشهد الفني العربي في القرن الماضي، وشاهداً على التحوّلات في عالم الفنّ.
تنشر "العربي الجديد" كل يوم اثنين مذكرات يواكيم مع أبرز الفنانين والمنتجين والمخرجين العرب، مستعيدة محطات شخصية ولقاءاته مع هؤلاء في القاهرة وبيروت وباريس وغيرها من العواصم.


عندما سمع الناس وديع الصافي يغني "رح حلّفك بالغصن يا عصفور" أو فيروز تنشد "تخمين راحت حلوة الحلوين/ وما ظل في غير الحبق/ تخمين هالقلب انطبق/ وما عاد يرجع لي بعد.. تخمين"، أو "يا صبح روّج طوّلت ليلك/ خلّيت قلبي نار/ بلكي بتجي أختك تغني لك/ بلكي بتجي جلنار"،أعجبتهم هذه الكلمات الشعرية. ولأن معظم أغاني فيروز من كلمات الأخوين رحباني، لم ينتبه معظم المستمعين إلى أن هذه الأغاني من شعر ميشال طراد. هو لم ينظمها خصيصاً للغناء، لكنها قصائد منشورة في دواوينه، أعجبت الأخوين رحباني فلحّناها وغنتها فيروز أو وديع الصافي.

ذلك الشاعر الذي عاش عمره بعيداً عن الأضواء، ألهم العديد من الشعراء الذين كتبوا الشعر العامي بعده، ومنهم الأخَوان رحباني، وطلال حيدر، وعصام العبد الله، وموريس عواد وسواهم، واستحق لقب "أبو الشعر العامي اللبناني".

أطل ميشال طراد على المشهد الشعري اللبناني سنة 1951، وسرعان ما جذب الأنظار إليه. شاعر ذو موهبة غنية يتدفق منها الشعر بالفطرة، ويصل إلى القراء مشغولاً بقلم صائغ يبدع في اختيار المفردات وفي خلق التناسق بينها. في القصيدة التي غناها وديع الصافي يبدأ الشعر الصافي من المطلع "رح حلّفك بالغصن يا عصفور". في هذا المطلع جمال الصورة وجمال المعنى. العصفور والغصن يصنعان صورة تشكيلية. والطلب من العصفور أن يقسم بالغصن، يعني بأغلى ما لديه، إذ الغصن بيته وملاذه ووطنه. ومن بعد يتواصل تراكم الصور: "بالورق، بالفَيّْ، بالنبعات/ بالـ زيّح جناحك بريشة نور/ بالـْ مرجحك مع زرقة النسمات". الفيء، أوراق الأشجار، ينابيع المياه هي مطارح العصفور الأثيرة، وزرقة النسمات أرجوحته، وجناحه موشّى بريشة نور.

في المرحلة التي بدأ ميشال طراد يكتب القصائد كان هناك مفهوم سائد عن اللفظة الشعرية. تجد تطبيقه الأمثل عند سعيد عقل حيث مفهوم الجمال في الكلمة يعني: الورد، الريح، السيف، القمر، وما شابه.. وإلى التيار ذاته انتمى ميشال طراد، المولود في العام نفسه (1912) في المدينة نفسها (زحلة) وجعل شعره يدور أساساً في موضوع الغزل، وبعض القصائد التي تتغنى بلبنان وبالريف. سوى أن قاموسه الشعري عرف، إضافة إلى أغلبية الكلمات العطرية، بعض تعابير تنتمي إلى تيار الواقعية مثل "خيمة عنكبوت"، أو "وكلاب عم يتهاوشوا ع مزبله". على أنه في شعره المتأخر الذي كتبه في منتصف سبعينيات القرن العشرين وما تلاها، وتحديدا منذ اندلاع الحرب في لبنان عام 1975، انفعل بهموم الناس، وهمومه الشخصية ليست غريبة عنها، فدهمت شعره قصائد ذات دلالات اجتماعية.

كنت جليسه في شرفة فندق قادري في زحلة ذات أمسية في صيف عام 1975. كان حزيناً متألماً مما أصاب لبنان من تبعات الحرب التي اندلعت آنذاك. كنت أحدثه، وفجأة وجدته شارد الذهن، فأدركت أنني سأكون شاهداً على مولد قصيدة. تناول من جيبه ورقة مطوية ما زالت بها مساحة بيضاء، ما لبث أن كتب فيها ثم أسمعني ما خطّت يده. قال: تحت التلج، بين الضباب/ براس حَوْرا يابسي/ قاعد غراب/ أعور، عم يألّف كتاب/ عن ناس مش صاير لها تاكل تراب/ وناس عم تزتّ خبزا للكلاب".

ولاحقاً نشر القصيدة في ديوان عنوانه "الغراب الأعور". وهو من دواوينه المتأخرة (1986) ومعه ديوان آخر "عربيّي مخلّعة". وبعده "عيد الشحّادين"، وختم بديوان "المركب التايه" الصادر سنة 1997، قبل وفاته بعام. وفي غمار هذه المجموعة ذات اللون الاجتماعي صدر ديوان "وردة بإيد الريح" الأقرب إلى البدايات الرومانسية، ولم ينسَ ميشال طراد أنه شاعر غزل بامتياز.

لكن في الزمن الصعب لم يعد وهم التفاؤل الجميل ممكناً. الشاعر نفسه الذي كتب من قبل "أنت وأنا عم يسألونا: كيف منضلّ شو بيحلا لنا نغنّي/ ما بيلتقى مرات عنّا رغيف/ ومنعيش بأطيب من الجَنِّه" أصبح مقتنعا بأن عالما بلا خبز ليس جنّة أبدا، فكتب: "يا رب/ ها الشاعر، الطفل العبقري/ ما تخلّهش يعتاز/ زتّ الدهب ع جريه (على رجليه) والإلماز/ ما فيهش يعمل سنكري/ يبيع توابيت، يصلّح بوابير كاز".

وكان ميشال طراد في حياته اليومية محباً لجمال الصورة. ذات مرة دعاني لتناول العشاء في بيته في زحلة. في الطريق إلى داره مررنا بمتجر الخضر والفواكه. أمضى وقتاً وهو يختار ما يحتاج إليه. وعلى المائدة وجدت طبق الخضروات جديراً بأن ألتقط له صورة فوتوغرافية! قال: "ما بطيق حبات البندورة شي مطاول شي مدوّر شي مبعوج. بدهم يكونوا كلهم متل بعضن ومدوّرين. ولا بطيق الخيار تشكيلة أطوال. قلب الخسّة بدو يكون نابض متل قلب الإنسان. والنعنع والحبق والزعتر بدهم يكونوا مغمّسين بالندي!".

ميشال طراد أنجب ولدين: جورج وموسى وابنة: جلنار. سألته: اسمها على اسم ديوانك الأول؟ أم عنوان الديوان من اسمها؟ قال: "لا هذا ولا ذاك. جلنار اسم الحب الأول". كان الطفل ميشال بعد وفاة أبيه قد انتقل مع والدته من زحلة إلى بسكنتا، بلدتها، وبلدة عمها الشاعر المهجري رشيد أيوب، وبلدة ميخائيل نعيمة. ولما بلغ عمر المراهقة هام عشقاً من طرف واحد بابنة خاله وكان اسمها جلنار. كانت تكبره في العمر بأربعة عشر عاما. وفي حبها كتب قصائده الغزلية الأولى، ثم ما لبث اسمها أن أصبح غطاء لقصص حب أخرى متعددة، غَزَلها ونسجها في القصائد التي طرّزت ديوانه الأول. وظل شاعر الحب في ديوانه الثاني "دولاب" (1957)، والرابع "كاس ع شفاف الدِني" (1972). أما ديوانه الثالث في ترتيب الصدور "ليش؟" (1964) فطغت فيه القصائد الريفية التي تغنى فيها بجمال الطبيعة وبأصالة التقاليد.

الديوان الأول "جلنار" صدر عام 1951 بمقدمة كتبها سعيد عقل بالعامية اللبنانية لكن بالحرف العربي. وذكر الأديب والناقد الشهير مارون عبود أن ميشال طراد كان تلميذه في مدرسة "الجامعة الوطنية" وأنه عرض عليه أولى قصائده "ليلة العرزال" وأنه شجعه على كتابة غيرها. وكان مارون عبود من بين الذين احتفوا بصدور "جلنار" وكتب يقول: "هو "جلنار" حقًّا، نور يرسله كلامًا يخلب الألباب ويبهر العيون، شعر فيه زبرج وبهرج ريش الطواويس، وكرَّات الكناري، وزقزقة الحساسين، صور ألوان طاغورية، وإن لم تعرف الصوفية، وحكايات عمريَّة لا تبذُّل فيها، قصائد يخرجها الشاعر في ثياب القصة، فتأتي مفصَّلة على القَدِّ، تحب قراءتها وسماعها؛ لأنها تكلمنا بلهجتنا". ولم يكتب ميشال طراد قصائده إلا بالعامية اللبنانية.

ومن قصائد ميشال طراد الذائعة الصيت "بكوخنا يا بني" التي لحنها الأخوان رحباني وغنتها فيروز. وقد حكى لي الشاعر قصة ولادة هذه القصيدة. قال: "كان ولدي البكر جورج في الشهر الحادي عشر من عمره، حين أخذته أمه معها إلى بيروت لزيارة أقاربها. كان ذلك في فصل الشتاء. وحدث أن هطلت الثلوج بغزارة فأقفل الطريق وتعذّر السفر من بيروت إلى زحلة، واضطرت زوجتي إلى المبيت مع طفلي في بيروت. كانت أول ليلة يخلو فيها البيت من ولدي. هاجت مشاعري واستبد بي الشوق، ورحت أطوف في غرفته، أداعب دميته وألثم ملابسه. ووجدتني أكتب القصيدة".

وهي القصيدة الجميلة بالحدث الدرامي فيها وبتدفق الصور الشعرية العفوية: "علوّاه لو فييّ يا عيني لـ طير/ إتفقدك يا رجوتي، بعدك زغير/ وعمرك وعمر العطر ما كفّو السني/ وشو الدني يا بني وشو طعم الدني/ انْ ما هبّجت وجّي بإيديك الحرير".. ويستطرد: "ومن يوم هالغيبه، الله يسامحك/ عم فرفط بها الفلّ، عم قطّف ريحان/ عم بستعير من السما أحلى لوان/ وخرطش ع ها لحيطان لنّو ملامحك/ وهالقلب عم حفّه ع جرين السرير/ عم مرمغه بلعبك، بمطارحك، بفراشك/ بريحة ريشات جوانحك/ بغبرة حوافر حصانك، ها لزغير".

كان ميشال طراد ربّ أسرة بالمعنى الكلاسيكي للكلمة. وسيرة حياته كلاسيكية أيضاً. تلقى العلوم الابتدائية في الكلية الشرقية في زحلة، ثم العلوم الثانوية في مدرسة الحكمة في بيروت. عمل لفترة في المكتبة الوطنية في بيروت، ثم انتقل إلى زحلة وتم تعيينه في قلعة بعلبك وأصبح مديراً لها حتى تقاعده. وهكذا أمضى سنوات العمر بين زحلة، وبسكنتا، وبعلبك تخللتها أعوام قليلة في بيروت، فلم ينعم بأضواء العاصمة ولم يسعَ إليها.

كان ودوداً، بسيطاً في علاقاته العامة، متواضعاً. لكنه عندما يتحدث عن الشعر يزهو بنفسه ويفخر بما أبدعه ويعتزّ باللقب الذي خلعه عليه الشاعر الراحل فؤاد سليمان الذي كان معجباً بشعر ميشال طراد فكتب يقول إنه "العمود السابع". وفي هذا اللقب الوسام إحالة على قلعة بعلبك الشهيرة بالأعمدة الستة، وكان ميشال طراد يومها مديراً لها. وفي الذكرى العشرين لوفاة خليل مطران (البعلبكي المولد) ألقى سعيد عقل قصيدته الجميلة وفيها شبّه شاعر القطرين بالعمود السابع أيضا قائلاً: "مهابة الأرز، بنت الفارسي، أنا.. نبكيكَ.. فلْتتغاوَ الستّةُ العُمُدُ/ ومن تُرى قال: ليست سبعةً؟.. أنذا عيني إليك، ألا فليكمل العدد". فما كان من ميشال طراد إلا أن قال ممازحاً "بدّي طالبه لسعيد عقل بحقوقي. العمود السابع هو أنا. هذه ماركة صارت مسجّلة باسمي".
وبعد وفاة ميشال طراد وقعت على قصيدة غير منشورة نظمها سعيد عقل في رثاء السياسي ورجل الأعمال إميل البستاني وقد شبهه أيضا بالعمود السابع في بعلبك. قال في البيت الأخير من المرثية: "يا ستّةً عمدوا السما/ قد جاء سابعكم، فزيدوا". وأحسب أن ميشال طراد لم يطّلع عليها آنذاك وإلا فلربما كان طالب بحقوق الماركة مرتين.

وذات يوم كنت أتمشّى معه في شارع زحلة الرئيسي بجوار نهر البردوني. وكان الكاتب الزحلي (المقيم حاليا في نيويورك) طوني شعشع ثالثنا. تمهل ميشال طراد قليلاً واستمتع بخرير المياه. ودار الحديث حول خلود الشعر بعد رحيل الشاعر، فقال بفخر تحسب أن القائل طرفه بن العبد شاعر الفخر في الأدب الجاهلي: "بالأخير بيبقى شويّة سعيد، وشويّة نزار، وبيبقى ميشال طراد كله"! (سعيد عقل ونزار قباني).

وفي ختام مقالتي أنشر قصيدة لميشال طراد مجهولة، وليست منشورة في أيّ من دواوينه. كتبها سنة 1946 في رثاء الأديب اللبناني عمر فاخوري: "يا ناس، مين الـْ شاف عينين السحر/ عا غير عادتهن/ من كتر حرقتهن/ قديش رشّوا دموع عا خيّن (أخيهم) عمر/ وتغصّ دمعتهن/ وكيف ريفن ممشّح بأحمر، والبياض/ بلون قطراني/ يا الأغوى ريحاني (…) يا قلمو المغموس بأطيب الطيب/ الـْ ما مرّ عا عطار/ الثاير الجبار/ اْصْفَرّ الورق عا عمر، الأغلى حبيب/ وتيتّم الغزّار/ يا اسمك المكتوب عا كل الْقلوب/ بحروف نارية/ إسمك الحرية/ هو والأرز بيلوح دغشات الغروب/ بألف غنيّة (…) يا طريق الحق، يا الأبعد طريق/ قولك بتجمعنا؟/ إصحا تضيّعنا/ معنا بْريق (إبريق) الخمر، ها الأزوق بريق/ وطاسة عمر معنا".

دلالات