دفاتر فارس يواكيم: محمد سلمان....عناوين الأفلام والخوف من الطيران

دفاتر فارس يواكيم: محمد سلمان... إعجابه بعبد الوهاب امتد إلى عناوين الأفلام

11 نوفمبر 2019
الصورة
شوشو وعصام رجي ومحمد سلمان وإبراهيم المرعشلي(أرشيف فارس يواكيم)
+ الخط -
بين المسرح والإذاعة والموسيقى، قضى فارس يواكيم (1945، مصر)، عقوداً من حياته، مواكباً ومؤرّخاً ومشاركاً في أبرز محطات المشهد الفني العربي في القرن الماضي، وشاهداً على التحوّلات في عالم الفنّ.
تنشر "العربي الجديد" كل يوم اثنين مذكرات يواكيم مع أبرز الفنانين والمنتجين والمخرجين العرب، مستعيدة محطات شخصية ولقاءاته مع هؤلاء في القاهرة وبيروت وباريس وغيرها من العواصم.


إذا أردت أن اختصر شخصية الفنان محمد سلمان لاستعرت عنوان فيلم لألفريد هتشكوك "الرجل الذي يعرف الكثير" مضيفاً إليه: "وما يعرفه أهمّ مما أنجزه. فالمواهب التي امتلكها كانت أخصب من التي انعكست في أعماله". كان ذلك هو الموجز وإليكم الأنباء بالتفاصيل:

ولد سلمان محمد سعد في بلدة كفردونين في قضاء بنت جبيل في جنوب لبنان سنة 1922. نشأ في بيروت وتعلّم في الكلية العاملية وبعد تخرجه تولىّ التدريس فيها لسنوات قليلة. كان يتمتع بصوت جميل وبأداء محترف وبمعرفة تامة بمقامات الغناء وهو لا يزال في مرحلة الهواية. ثم سجّل بعض الأغنيات بصوته في الإذاعة اللبنانية وفي إذاعة الشرق الأدنى. وهو بالمناسبة أول من غنّى "ع الهوارة" الجنوبية في إذاعة لبنان.

سافر المغني الصاعد محمد سلمان إلى القاهرة، هوليوود الشرق، سنة 1944. ومن منطلق المغني صاحب الصوت الجميل المتمتع بخفة الظل تعاقدت معه الممثلة الشهيرة عزيزة أمير ليلعب دور البطولة أمامها في فيلم "الفلوس" الذي أخرجه إبراهيم عمارة. في السينما المصرية كان الظهور الأول لمحمد سلمان المغني الممثل، وفيها أيضا كانت مشاركته كممثل لآخر مرة سنة 1977 في فيلم "ألف بوسه وبوسه" الذي أخرجه محمد عبد العزيز. وبين الفيلمين سبعة وعشرون فيلماً يؤدي فيها محمد سلمان دور البطولة أو يظهر كضيف شرف. فيلمه الأول كممثل عُرض في القاهرة لأول مرة يوم 15 يناير/كانون الثاني سنة 1945. وحين قرأت هذه المعلومة قلت له: "يا للمصادفة. فيلمك عُرض قبل مولدي بيوم واحد فقط" فعلّق على الفور: "لو كنّا نعلم، كنا أجّلنا العرض الأول 24 ساعة".

بلغ مجموع الأفلام المصرية التي ساهم فيها محمد سلمان بالتمثيل والغناء، والتلحين أيضا، 18 فيلما، أغلبها بالاشتراك مع نجمات الغناء الشهيرات: ليلى مراد، وصباح، ونجاح سلام، وشادية، ونجاة علي (نجاة الكبيرة). وكان "مهرجان الحب" آخر هذه الأفلام المصرية، أخرجه حلمي رفلة سنة 1958 وهو من بطولة صباح، ومحمد سلمان.

في سنة 1962 تحوّل محمد سلمان إلى الإخراج بعدما كان قد استقر في بيروت. أول أفلامه كان "حكاية غرام" من بطولة محرم فؤاد، ومها صبري وكلاهما مغنٍّ. وآخر أفلامه "أنا والعذاب وهواك" أخرجه سنة 1988 كان من بطولة المغني وليد توفيق. بلغ مجموع الأفلام التي أخرجها 31 فيلماً، السواد الأعظم فيها من بطولة أهل الغناء، ما عدا استثناءات قليلة للغاية.

وحلت صباح في المرتبة الأولى برصيد أحد عشر فيلما، تلتها سميرة توفيق وعدد أفلامها سبعة. أما نجاح سلام فكانت بطلة 6 من أفلام محمد سلمان، وتولّى فهد بلان بطولة خمسة أفلام. وأما وليد توفيق فكان بطل أربعة أفلام. وكما بدأ حياته الفنية في السينما المصرية ممثلا ونجما، كانت الأفلام الخمسة الأخيرة التي أخرجها محمد سلمان قد أنتجت في القاهرة أيضاً.

كان محمد سلمان صاحب "سبع صنايع" فهو ممثل، ومخرج، ومطرب، وكاتب أغان، وملحن وكاتب سيناريو وصاحب الأناشيد الوطنية. أصاب نجاحاً في كثير منها وأخفق في بعضها. نجاح محمد سلمان الممثل اتكأ بالدرجة الأولى على المطرب الجميل الصوت والأداء. وحين بلغ الأربعين هجر التمثيل وتحوّل إلى الإخراج. وكان في مجالسه الخاصة إذا روى حكاية يقوم بتمثيلها ببراعة في الأداء، وهذا ما سمح له بحسن توجيه ممثلي الكوميديا الذين تعامل معهم.

وكما تحوّل الممثل إلى مخرج، انتقل محمد سلمان من الغناء إلى التلحين، وإنْ كان قد ظلّ محتفظا بجمال الصوت والأداء حتى آخر أيامه برغم تقدم العمر وفرط التدخين. ولا تزال أغانيه الأولى كمطرب عالقة في الأذهان ومنها: "يا قمورة يا امّ القدّ"، و"يا ست قديش الساعة"، ودويتو "دخل عيونك حاكينا" وقد غنّاه بالاشتراك مع نجاح سلام. وبعض هذه الأغاني من تلحين فيلمون وهبي.

وكان محمد سلمان لا يتردد في إعلان إعجابه بلحن أبدعه سواه. لا يحسد الآخرين على نجاحهم. كان من عشاق ألحان رياض السنباطي، ومحمد القصبجي، ومعجباً بتجديد الأخوين رحباني، وبمواهب رفيقيه عفيف رضوانً وفيلمون وهبي، وبصوت وديع الصافي، وبأداء نجاح سلام وتألق صباح. لكن المقام الأول والعرش لمحمد عبد الوهاب. وكان الموسيقار الكبير من أوائل الذين شجعوا محمد سلمان في بداياته الفنية، وظلّ مرجعيته الأولى في التلحين والغناء. وإذا ألقينا نظرة على عناوين الأفلام التي أخرجها سلمان سنجد أربعة منها محاكاة لأغان لحنها عبد الوهاب: "الصبا والجمال"، و"إنت عمري"، و"أنا والعذاب وهواك"، و"نبتدي منين الحكاية".

تزوج نجاح سلام مرتين كانت الأولى سنة 1955 ووقع الطلاق بينهما مرتين. وأخبرني أنه طوّر ثقافته الموسيقية مستفيداً من أبيها محي الدين سلام، أبرز عازفي العود في زمانه. وبرغم الطلاق ظلّت العلاقات بينهما جيدة بفضل حب الابنتين سمر وريم لهما معاً. وقد ارتبطت نجاح سلام معه في عدد من الأغاني، خصوصاً الوطنية منها. أيام الوحدة بين مصر وسورية كتب محمد سلمان "بدي عريس أسمر عربي" لحنها عفيف رضوان وغنتها نجاح سلام. والثلاثي ذاته أنتج أغنية "يا طير يا طاير، خذ البشاير/ من مصر وإجري/ على الجزائر" تحية للجزائر المناضلة ضد الاستعمار الفرنسي آنذاك. كما غنّت نجاح سلام والمطرب محمد جمال نشيد "سورية يا حبيبتي" وهو من نظم وتلحين محمد سلمان الذي شارك في الغناء أيضاً. وقد انتشر وذاع في البلدان العربية حتى خُيّل إلى البعض أنه النشيد الوطني السوري الجديد. ويبقى اسم محمد سلمان في ذاكرة المستمعين العرب مرتبطاً بنشيد "لبيك يا علم العروبة" الذي كتبه ولحنه وغنّاه في فترة العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956.

وهو كان ينظم باللغة الفصحى وبالعاميتين اللبنانية والمصرية. وكان يتقن الفصحى وعارفاً جيداً بالأدب العربي، ويحفظ العديد من القصائد العربية التراثية والمعاصرة. يتذوق الجميل منها وبالصراحة ذاتها لا يتورع عن إطلاق النقد. كان محمد عبد الوهاب يحدثه في الفندق في باريس عن الشعر والغناء وكنت حاضراً. أبدى الموسيقار الكبير رأيه في أشعار الذين لحن قصائد من إبداعهم. وجاء ذكر الشاعر كامل الشناوي فقال عبد الوهاب إنه يكتب القصيدة مهيأة للتلحين. أيّد محمد سلمان الرأي، لكنه أضاف قوله: "قصيدة لا تكذبي جميلة. لكنه ذبحني باستخدام فعل القول 8 مرات في بيتين: ماذا أقول لأدمع… ماذا أقول لأضلع.. أأقول هانت؟ أأقول خانت؟ أأقولها؟ لو قلتها أشفي غليلي.. لا، لن أقول أنا.. فقولي".

وذات ليلة التقيت محمد سلمان في مقهى بحري في بيروت. كان يترنم ببيتين شهيرين من الشعر: "أعلمه الرماية كل يوم.." يغنيهما على غرار المقامات العراقية. وفجأة صاغ معنى البيتين بالعامية اللبنانية ولحنهما بعفوية. نظم: "بيسألنا عن درب الحب دلّيناه/ وعلّمناه أسرار القلب وفهّمناه/ لما تعلّم صار معلّم/ أول سهم.. بقلبي رماه"!. بعدها انضم إلينا المطرب والملحن عصام رجي وسمع الأغنية الوليدة فأعجبته واشتراها منه بمبلغ 500 ليرة دفعها نقداً. وصدرت الأسطوانة وعلى غلافها: كلمات ميشال طعمة لحن وأداء عصام رجي. والحقيقة أن محمد سلمان هو كاتب وملحن المقطع الأول، وأن ميشال طعمة أكمل النظم وأكمل عصام رجي اللحن ووزعه موسيقيا وغناه.

فإذا بلغنا باب الإخراج السينمائي وصلنا إلى الحلقة الأضعف في سلسلة محمد سلمان الفنية. معظم أفلامه عانى من الارتباك والبساطة التي تلامس السذاجة والخلطة العجيبة الغريبة من الغناء والفكاهة والاستعراض وسط حكاية هزيلة. تعاونت معه في فيلم "الضياع" في كتابة السيناريو والحوار. وحين شاهدت العرض الأول رأيت على الشاشة رشدي أباظة، وسميرة أحمد، وعماد حمدي ونادية الجندي ولم أرَ القصة التي أعرفها! بقي منها جزء عانى من "الضياع" وسط أجزاء مستحدثة.

ومرة ثانية قال لي "هات سطر" وكان يقصد بالسطر فكرة فيلم. قلت له بعفوية: "أم تكتشف أن الرجل الذي تحبه هو في الوقت نفسه حبيب ابنتها". أعجبته الفكرة ورقص فرحا. ومرت الأيام ونسيت ذلك السطر، إلى أن دعاني لمشاهدة العرض الأول لفيلم "غيتار الحب" من بطولة صباح وجورجينا رزق (ملكة جمال الكون آنذاك) وعمر خورشيد. وفوجئت عندما قرأت في عناوين الفيلم: قصة وسيناريو وحوار فارس يواكيم ومحمد سلمان. وتتابعت المشاهد وأنا أجهلها تماماً منذ بدايتها حيث الصراع بين أختين صباح وجورجينا على حب عمر خورشيد. تخاصمنا إلى أن جمعنا المنتج نادر الأتاسي بحضور المنتج تحسين قوادري. قال لي سلمان إنه وضع اسمي من باب الأمانة باعتباري صاحب السطر. أما عن تحويل الصراع على الحبيب إلى أختين فبرّره بالقول: "ماذا أفعل؟ صباح رفضت أن تكون أم جورجينا في الفيلم. والمنتجون، وهم أمامك، باعوا الفيلم في العالم العربي على أسماء صباح وجورجينا وعمر". وقتها أدركت سر التخبط الذي يظهر في أفلام محمد سلمان. بحسب معرفتي به وجدت أن ذلك الفنان يفهم الإخراج السينمائي بأفضل مما ينفذه. وهو يخضع في النهاية لشروط المنتجين والأبطال فيغيّر الأدوار لترضيهم. ويرضيهم لكي يتعاقد معه المنتجون. لكنه برغم ذلك أخرج 31 فيلماً. والمفارقة أن معظمها نجح تجارياً وحقق إيرادات مرتفعة مما يفسر استمرار دعم المنتجين له ما جعله يخرج هذا الكمّ من الأفلام. أما أسباب النجاح فترجع إلى وجود الأبطال النجوم وتلك الخلطة من الموسيقى والفكاهة وأجواء الاستعراض والمرح وهي محببة لدى الجمهور العريض.

وفي المسرح أخرج محمد سلمان مسرحية واحدة، وكانت من إعدادي: "وصلت للتسعة وتسعين" من بطولة نجم الكوميديا شوشو وفرقته مع ضيف الشرف عصام رجي. نجحت هذه المسرحية فنيا وتجاريا، لتوفّر ظروف الانتاج الجيد من دون شروط ضاغطة، وبوجود بطل شعبي وفرقة قديرة استفادوا جميعا من روح سلمان الساخرة. يومها كتب الناقد نزيه خاطر في صحيفة "النهار" يقول: "إن مساهمة محمد سلمان في هذا العمل إيجابية من الزاوية المسرحية. حتى يجوز اعتباره الناجح الرئيسي في التظاهرة الشوشوية الحالية".

ومن ملامحه الإنسانية: كان أباً حنوناً يعشق ابنتيه. ربح مبالغ طائلة وأنفقها بلا حساب. وكان مدخنا شرهاً له طريقته في وضع السيجارة بين الخنصر والبنصر وفي نفض الرماد عن بعد. يكتب مواعيده المهمّة على راحة يده في الصباح الباكر حتى لا ينساها. كريما وينفح بسخاء، حتى أنني شاهدت طاسة البصل المقشّر تغمره قطع الثلج وأوراق النعناع تقدم له في أفخم مطاعم باريس بفضل الإكرامية المسيلة للعاب. ومن فرط حبه لعبد الوهاب أصبح مثله يخاف من ركوب الطائرة ويظل مرتعشاً طول الرحلة وإذا اهتزت بفعل المطبات الجوية بكى كالأطفال وردد الآيات البينات طالبا اللطف من الرحمن. يُضحك مجالسيه بطرائفه وإذا ضحك قهقه عالياً. لكنه مات سنة 1997 باكياً من وجع المرض.

المساهمون