دفاتر فارس يواكيم: الأخوان رحباني... رحلة الأغاني الجميلة

دفاتر فارس يواكيم: الأخوان رحباني... رحلة الأغاني الجميلة لا ينتهي بها المطاف

15 يوليو 2019
الصورة
منصور وعاصي في أنطلياس (أرشيف مروان رحباني للعربي الجديد)
+ الخط -
بين المسرح والإذاعة والموسيقى، قضى فارس يواكيم (1945، مصر)، عقوداً من حياته مواكباً ومؤرّخاً ومشاركاً في أبرز محطات المشهد الفني العربي في القرن الماضي، وشاهداً على التحوّلات في عالم الفنّ.
تنشر "العربي الجديد" كل يوم إثنين، مذكرات يواكيم مع أبرز الفنانين والمنتجين والمخرجين العرب، مستعيدة محطات شخصية ولقاءاته مع هؤلاء في القاهرة وبيروت وباريس وغيرها من العواصم.


ظاهرة الأخوين رحباني يصعب أن تتكرر في دنيا الأشعار والأنغام. ندر ويندر وغالباً سيندر وجود أغان ينسب إبداعها في الكلمات واللحن إلى شخصين معاً. ومن الناحية الفنية، علينا أن ننتظر طويلاً قبل أن نتعرف إلى مبدع نظير لهما في المسرح الغنائي. أصبح المسرح الغنائي العربي بعد وفاة سيد درويش (1923) يتيماً. ومن بعد، لحّن محمد القصبجي وزكريا أحمد بعض الأوبريتات، لكنهما توقفا عن أداء هذه المهمة المتعبة، وخصوصاً أن تلحين الأغاني الفردية لمطربة أو مطرب أقلّ جهداً وأكثر رواجاً. إلى أن أخذ الأخوان عاصي ومنصور رحباني على عاتقهما إحياء هذا اللون الغنائي الصعب والجميل، وقد حملته إلى مسامع الناس حنجرة فيروز الذهبية، وحوّلتها أصوات نصري شمس الدين وجوزف عازار العذبة، ومعهما في الصف الثاني مَن تبوأ مراكز الصف الأول لاحقاً: إيلي شويري وملحم بركات وعصام رجي.

تلحين الأغنية الفردية أسهل وهو النمط السائد. لكن تلحين مسرحية غنائية يعني التنويع الكبير في الغناء بين الأغنية الفردية، والحوارات الغنائية الثنائية (الدويتو) وأغاني المجموعة (كورال)، والحوارات الغنائية بين مطربة/ مطرب والمجموعة (صولو وكورس)، أشبه بكونشرتو الآلة المفردة مع الأوركسترا. إنه التأليف الأوركسترالي الدرامي.

في كل مسرحيات الأخوين رحباني سمعنا هذا المزيج الغني، وأتذكر على سبيل المثال لوحة المحكمة في "الشخص" ولوحة غربة في "جبال الصوان" (هدتكن الإشاعات)، أو "بياع الخواتم" بأكملها وفيها سيل متدفق يبارز فيه اللحن الأول اللحن الذي سيليه وتتنافس الألحان على لقب "الأجمل". وكان إبداع المسرح الغنائي يكفي الأخوين رحباني لتدوين اسميهما في سجل الموسيقى الكبيرة الخالدة.



وإبداع الأخوين رحباني في الشعر كما في اللحن. وأستطيع القول إنه من أرقى الكلام في الغناء العربي عموماً. ارتفع من مستوى النظم إلى مستوى الشعر. وهو مبني على الصورة لا على مجرد الكلام الموزون المقفى. وهو شعر يجعلك ترى فيما أنت تسمع، مثل: "بكتب اسمك يا حبيبي ع الحور العتيق/ بتكتب إسمي يا حبيبي ع رمل الطريق/ بكرا بتشتي الدني ع القصص المجرّحة/ بيبقى اسمك يا حبيبي وإسمي بينمحى".


مرة ترجمت مقطعاً من "يا دارة دوري فينا" إلى اللغة الألمانية: "تعا تا نتخبّى من درب الأعمار/ إذا هني كبروا، نحن بقينا زغار/ انْ سألونا وين كنتوا، وليش ما كبرتوا إنتوا/ منقلن نسينا…" وقرأت الترجمة أمام الكاتب الألماني الشهير غونتر غراس فأبدى إعجاباً كبيراً، وسألني إذا كان لذلك الشاعر دواوين مترجمة؟ قلت هما موسيقيان شاعران أخوان.


والقصيدة الرحبانية يمكن أن تكون ذات بعدين، ثانيهما رمزي مغلّف بالأول الواقعي. وأشير إلى أغنية "شادي" نموذجاً. هذه الأغنية قدمت سنة 1968 في مسرحية "يعيش يعيش". ويمكن أن نستقبلها كأغنية عاطفية وسياسية في الوقت ذاته. "ويوم من الإيام ولعت ها الدني… صار القتال يقرب ع التلال… وعلقت ع طراف الوادي.. شادي ركض يتفرج.. إنده له ما يسمعني، ويبعد بالوادي.. من يومها ما عدت شفته وضاع شادي.. والتلج إجا وراح التلج، عشرين مرة إجا وراح التلج". سنة 1948 اشتعلت الحرب وضاعت فلسطين، وجاء الثلج 20 مرّة، وتعذّر اللقاء.

تعرفت إلى الأخوين رحباني سنة 1967. قدمني لهما الشاعر سعيد عقل، وصرت أتردد على مكتبهما في حرج بدارو وأتحيّن أن تسمح الفرصة بذلك. وذات زيارة في صيف 1968 كان منصور منشغلاً، وناداني عاصي إلى مكتبه. قال: "رح سمعك شي جديد". وقرأ لي مقاطع من الفصل الأول من مغناة "الشخص". وعندما توقف عن القراءة، التفت إليّ وسألني: "شو رأيك"؟ أذهلني السؤال فلم أملك الجواب. قلت: "مين أنا؟ وشو قيمة رأيي؟ أنا في بداية المشوار المهني. لم أجب يا أستاذ عاصي لأنه لم يخطر في بالي أنك ممكن أن تطرح على مثلي هذا السؤال". ابتسم وقال: "أولاً كل رأي يهمني! الجمهور مشكل من طبقات ثقافية واجتماعية مختلفة. ثانياً: رأيك قد يكون مهماً وفي هذه الحال سوف آخذه، هل تعتقد أن فيروز ستتوقف عند هذا المقطع وتقول للناس "هذه فكرة فارس"؟ كما قد يكون رأيك تافهاً، وحينئذ يأخذ طريقه إلى سلة المهملات. وقد يكون مفتاحاً يؤدي إلى فكرة ثالثة أقوم بتطويرها". طبعاً، لم يصدر عني جواب. سؤال عاصي تجاوز توقعاتي. كان العبقري واثقاً من نفسه، وكان حريصاً على أدقّ التفاصيل في عمله، ويحترم الجمهور.

وما قلت عن عاصي ينطبق على منصور، طبعاً هما "الأخوان رحباني". زرته ذات يوم في بيته في أنطلياس، وكان قد فرغ من كتابة نص المسرحية الغنائية "المتنبي"، وفي مرحلة الاستعداد لبدء تسجيل الأغاني. حدث أن قرأها على مسمعي، ثم سألني رأيي، وكنت قد أصبحت كاتباً محترفاً ومعروفاً. قلت له: "بصراحة، أذهلتني! هذا عرض واف لشخصية المتنبي يتضمن أجمل قصائده تجاورها قصائدك الجميلة يا أستاذ منصور". قال: "حين تسمعها ملحنة ستعجبك أكثر!"، وتحقق ذلك فعلاً عندما شاهدتها، فأعجبت بها نصاً ولحناً وإخراجاً. كانت "المتنبي" من المسرحيات التي أبدعها منصور بعد وفاة عاصي. هو كتب النص وشاركه أبناؤه وشقيقه الياس في التلحين والتوزيع. أما كل الإبداعات حين كان عاصي على قيد الحياة فحملت توقيع الأخوين رحباني. (ما عدا أغاني البدايات المبكرة فكان كل منهما يوقع عمله باسمه). وقد أثار "تجهيل المبدع" فضول الناس، لكن السرّ بقي دفيناً ولم يشف الغليل. حافظ عليه الأخوان طول حياتهما. تعرفه فيروز لكنها لا تبوح به. طبعاً لا يمكن أن يقوم شخصان بالتأليف والتلحين معاً في الوقت ذاته. أغلب الظن أن أحدهما كتب والآخر لحّن، أو العكس، أو أن أحدهما كتب ولحّن والثاني أبدى رأيه، أو أن أحدهما بدأ جملة شعرية أو موسيقية والثاني أكملها.

لكن شذرات من السرّ أصبحت علنية بفعل تسريب غير مقصود. في حوار لصحيفة سورية سنة 1965 بمناسبة حفلات المعرض، أجابت فيروز عن سؤال عن جديدها فقالت بعفوية: "منصور عمل لي أغنية كتير حلوة عن الشام" (طالت نوى وبكى من شوقه الوتر..). وقيل إن عاصي كان يحمل ابنته وهي طفلة فرأت البحر من الشباك وهتفت: "بابا، شايف البحر شو كبير" فالتقط العبارة وصاغ القصيدة واللحن. وليس سراً أن منصور هو الذي كتب "سألوني الناس عنك.." على لحن كان زياد الرحباني أعده ليغنيه مروان محفوظ. كان عاصي وقتها قيد العلاج. وقبيل تقديم "قصيدة حب" (بعلبك 1973) عرفنا من برنامج "سجل مفتوح" التلفزيوني (إعداد وتقديم عادل مالك)، من دردشة عفوية شاركت فيها فيروز وعاصي ومنصور أن عاصي هو ملحن "يا قلبي لا تتعب قلبك".


وحين قدمت "الشخص" في نسخة مصرية سنة 1982، كتب منصور الرحباني ولحن ثلاث أغنيات أنشدتها البطلة عفاف راضي: "يا وابور الساعة 12"، و"غرب الجزيرة"، و"الصاري عالي". وكان ذلك العرض ناجحاً للغاية حشد فيه الإنتاج المصري مجموعة من القامات الكبيرة: الشاعر أمل دنقل تولّى تمصير الحوار وكلمات الأغاني، وفرقة رضا للفنون الشعبية قدمت اللوحات الراقصة، والإخراج لجلال الشرقاوي. ساهم هؤلاء جميعاً مع البطلة وسائر المغنين والممثلين في نجاح العرض. كما ساهم في ذلك النجاح الأصلي للمسرحية وهو ما أتاح الفرصة لتمصير النص، فيما ظلت الألحان هي ذاتها وتأقلمت معها الكلمات المصرية كما اللبنانية من قبل.

من قبل في منتصف الخمسينيات غنّت فيروز في مصر، وسجلت مجموعة من الأغاني لحساب إذاعة "صوت العرب"، ثم لأسباب مجهولة ما عادت أغاني فيروز والأخوين رحباني تتردد في أثير الإذاعات المصرية، وبعبارة أدقّ: ندر بثها. وظلت الحال على هذا المنوال لغاية سنة 1966. زار المفكر المصري محمود أمين العالم بيروت للمشاركة في الذكرى العشرين لرحيل الأديب عمر فاخوري. وبعدها نشر في القاهرة مقالاً ناريّاً بمجلة "المصوّر"، معرباً عن دهشته وإدانته لتغييب أغاني فيروز عن إذاعات مصر. وحدث أنّ الرئيس جمال عبد الناصر قرأ المقال، وبعدها تمّ الإفراج عن الأغاني الرحبانية، وتمت دعوة الأخوين وفيروز إلى القاهرة. وأصبحت تلك الأغاني مفضّلة لدى الشعب المصري، وتكوّن "جمهور فيروزي" في وادي النيل.

من بعد، غنت فيروز سنة 1976 في القاهرة. وافتتحت الحفل بقصيدة للأخوين رحباني "مصر عادت شمسك الذهب". وكان عاصي ومنصور أرسيا تقليداً بموجبه تغني فيروز للشعوب والبلدان العربية، لكنها لا تغني لملك أو رئيس. ولعلها الوحيدة التي حافظت على هذا التقليد. غنت لسورية نحو عشرين أغنية لا يرد فيها اسم الحاكم. بعضها من شعر سعيد عقل "سائليني حين عطرت السلام/ كيف غار الورد واعتلّ الخزام/ وأنا لو رحت أسترضي الشذا/ لانثنى لبنان عطراً يا شآم".. وبعضها من شعر الأخطل الصغير مثل "قالوا تحب الشام؟ قلت جوانحي/ مقصوصة فيها وقلتُ فؤادي"، وبعضها من شعر الأخوين رحباني "حملت بيروت في صوتي وفي نغمي/ وحملتني دمشق السيف في القلمِ".. ومن شعر نزار قباني "لقد كتبنا وأرسلنا المراسيلا/ وقد بكينا وبلّلنا المناديلا/ قُلْ للذين بأرض الشام قد نزلوا/ قتيلكم بالهوى ما زال مقتولا". وحين غنت فيروز للعراق كتب الأخوان رحباني "بغداد والشعراء والصورُ/ ذهبُ الزمان وضوعه العطرُ/ يا ألف ليلة يا مكمّلة الأعراس/ يغسل وجهك القمرُ". وكتبا للكويت تحية في عيدها الوطني "العيد يروي ويروي سناها/ يلثم منها المُحيّا/ غنِّ الكويت وغنِّ عُلاها/ ويومها الوطنيّا".

بل إن فيروز غنت من شعر الأخطل الصغير "يا ربى لا تتركي ورداً ولا تُبقي أقاحا/ مشت الشام إلى لبنان شوقاً والتياحا/ فافرشي الطرق قلوبا وثغورا وصداحا"، وكان الشاعر كتب القصيدة بمناسبة زيارة رئيس الجمهورية السورية شكري القوتلي لبيروت سنة 1947. وفي القصيدة شبّه الشاعر الرئيس القوتلي بصلاح الدين الأيوبي، والرئيس اللبناني بشارة الخوري بالمير بشير الشهابي "جمع الدهر على الأرز بشيراً وصلاحا/ حلّقا في أفق المجد جناحا وجناحا" فتجنّب الأخوان رحباني الإحالة على الرئيسين (رغم أنها مغلّفة) ولم يلحّنا البيتين.

وكانت فيروز غنت للأردن من شعر سعيد عقل، ولحن الأخوين رحباني "عمّانُ في القلب أنت الجمرُ والجاهُ/ بالبال عودي ومُرّي مثلما الآهُ". وبلغني من مصدر موثوق أن محمد كمال، وكان مستشار الملك حسين الإعلامي ورئيس التلفزيون الأردني، عرض على الأخوين رحباني مكافأة مغرية على أن يأتي في القصيدة ذكرٌ ولو عابرٌ للملك حسين، فرفضا بحزم. كما رفضا اقتراحاً ثانياً بموجبه يأتي ذكر الحسين بصياغة حمّالة أوجه، يمكن أن يفهم السامع منها أن المقصود هو الإمام الحسين حفيد الرسول (ص)، أو أن الإحالة هي على الملك حسين باعتباره أيضاً سليل بني هاشم.

فعلاً ندر، ويندر، وسيندر.

دلالات

المساهمون