عمر الشريف: نجمٌ سطع في مصر وتألق بالسينما العالمية

دفاتر فارس يواكيم: عمر الشريف...نجمٌ سطع في مصر وتألق بالسينما العالمية

30 ديسمبر 2019
الصورة
عمر الشريف وفارس يواكيم في القاهرةعام 1963(أرشيف فارس يواكيم)
+ الخط -
بين المسرح والإذاعة والموسيقى، قضى فارس يواكيم (1945، مصر)، عقوداً من حياته، مواكباً ومؤرّخاً ومشاركاً في أبرز محطات المشهد الفني العربي في القرن الماضي، وشاهداً على التحوّلات في عالم الفنّ. تنشر "العربي الجديد" الحلقة الأخيرة من مذكرات يواكيم مع أبرز الفنانين والمنتجين والمخرجين العرب، مستعيدة محطات شخصية ولقاءاته مع هؤلاء في القاهرة وبيروت وباريس، وغيرها من العواصم.


ذات يوم في سبعينيات القرن الماضي التقيت في فندق ميريديان في دمشق بالممثل العالمي الشهرة عمر الشريف. كان في زيارة إلى العاصمة السورية للمشاركة في بطولة لعبة البريدج، وهي من هواياته المفضلة وكان من أشهر لاعبيها. لم تكن بيننا صداقة لكن معرفة تعود إلى أيام إقامتي في القاهرة. وقبل أن يلتحق باللاعبين كانت لي جلسة قصيرة معه، أردت منه جواباً عن سؤال بعينه. قلت له: أنت مصري المولد والجنسية، لكن من المعروف أن عائلتك، عائلة شلهوب، هي من أصول شامية. البعض ينسبها إلى مدينة زحلة في لبنان، والبعض إلى مدينة دمشق، هنا حيث نحن الآن. فأي البعض على صواب؟
قال: "أسرتنا من هنا، وهاجرت إلى الإسكندرية حيث ولدت". كان مولده في العاشر من إبريل/ نيسان سنة 1932. اسمه في شهادة الميلاد ميشيل بن ديمتري بن جورج بن حبيب شلهوب. وعائلة شلهوب من العائلات العريقة في دمشق، ومن أفرادها بعضٌ ممّن اشتهروا في المجتمع السوري. جده جورج كان طبيباً مرموقاً. وديمتري شلهوب، جدّ الجدّ، اشترى خان الجمرك سنة 1864 وهو صاحب القصر الذي ما زال قائماً في حارة بولاد في دمشق. ومن العائلة ذاتها يُذكَر السياسي جورج شلهوب الذي كان وزير الأشغال العامة في حكومة ناظم القدسي سنة 1950، وابنه غسان شلهوب كان وزير السياحة في حكومة محمد علي الحلبي سنة 1976. وليس في عائلة شلهوب الزحليّة أثر لميشيل بن ديمتري بن جورج بن حبيب. أما والدة عمر الشريف فهي السيدة كلير سعادة، من مدينة اللاذقية، ومن أقاربها المعروفين غابي سعادة، عالم الآثار والمؤرخ الموسيقي.

وفي الجلسة ذاتها، صحح عمر الشريف شائعة أخرى متداولة تفيد بأنه كان زميل المخرج يوسف شاهين في ثانوية فكتوريا كوليدج في الإسكندرية. قال: "كلانا درس في فكتوريا كوليدج، لكن ليس في الفترة ذاتها. يوسف شاهين أكبر مني بستة أعوام. المخرج السينمائي توفيق صالح هو الذي كان زميل يوسف شاهين في الصف، وهو من مواليد الإسكندرية أيضاً في العام ذاته. والدي ديمتري شلهوب كان صديقا للمحامي أديب شاهين، والد يوسف. أما زميلي ورفيق الدراسة فهو الذي أصبح ممثلا مشهورا، أقصد أحمد رمزي. وهو يكبرني بعامين. وحين تزوج أصبحنا شلّة أصدقاء: رمزي وزوجته وأنا وفاتن وكابتن النادي الأهلي صالح سليم وزوجته. وأحمد رمزي كان زميلي في لعب البلياردو، ثم انضم إلينا النجم رشدي أباظة، وهو أيضاً محترف بلياردو كبير".
كان ديمتري شلهوب من كبار تجار الخشب في الإسكندرية. أما ابنه فبعد الثانوية العامة درس الرياضيات والفيزياء في جامعة القاهرة، إذ كانت العائلة قد انتقلت إلى العاصمة. لكنه بعد التخرج عمل مع أبيه في تجارة الخشب، وكان التمثيل هوايته.

هذه الأسرة الدمشقية كانت تنتمي إلى طائفة مسيحية مشرقية، طائفة الروم الكاثوليك، وفد أفرادها من بلاد الشام، من سورية ولبنان وفلسطين، وتكوّنت منهم جالية تمصّرت. برز منها مشاهير في مجالَي الثقافة والإعلام. منهم الشاعر خليل مطران، والعلامة اللغوي إبراهيم اليازجي، والطبيب المفكر شبلي الشميل، وآل تقلا مؤسسو جريدة "الأهرام"، ونجيب متري مؤسس دار النشر "دار المعارف"، والمخرجان يوسف شاهين وهنري بركات، والمخرج المسرحي فتوح نشاطي والممثل بشارة واكيم، والشاعر عادل الغضبان، المحرر المسؤول في دار المعارف، والمناضل السياسي رفيق جبور وابنه المنتج السينمائي روفائيل جبور، والأديب العالمي نقولا الحداد. وكانت لهذه الطائفة مدرسة البطريركية في القاهرة والإسكندرية، ومستشفى "دار الشفاء". ومن أفرادها سليم وسمعان صيدناوي، صاحبا محلات صيدناوي التجارية الكبرى، أو "المول" قبل شيوع هذا اللقب.



كانت لعبة البريدج هوايته المفضلة (أرشيف هالتون)


كان المخرج يوسف شاهين يستعد سنة 1954 لإخراج فيلم "صراع في الوادي" من بطولة فاتن حمامة وإنتاج جبرائيل تلحمي، وكان يبحث عن وجه جديد. وتذكّر ممثل المسرح الجامعي وخريج فكتوريا كوليدج والتقى به وعرض عليه الدور فطار الفتى فرحاً. وأخبر يوسف شاهين فاتن حمامة بأنه وجد الوجه الجديد، الشاب الوسيم ميشيل شلهوب، فتساءلت فاتن "وده اسم ممثل؟"، فأصبح الشاب يدعى عمر الشريف. وقبيل المباشرة بتصوير الفيلم، تولّى الممثل القدير عبد الوارث عسر مهمة تدريب عمر الشريف على الإلقاء وأداء الدور. وعبد الوارث عسر عمل طويلاً أستاذاً لمادة الإلقاء في معهد الفنون المسرحية، ولاحقاً في المعهد العالي للسينما.

نجح فيلم "صراع في الوادي" نجاحاً كبيراً، وولد نجم جديد في فضاء السينما المصرية. وأثناء التصوير ولدت قصة الحب بين عمر وفاتن، التي كانت آنذاك لا تزال زوجة المخرج عز الدين ذو الفقار. ثم كان إنتاج الفيلم الثاني الذي جمعهما معاً ومع المطرب الصاعد بقوة عبد الحليم حافظ والممثل الجديد أحمد رمزي، فيلم "أيامنا الحلوة"، وهو من إخراج حلمي حليم، مؤلف قصة "صراع في الوادي". وكان الوسط الفني في مصر يطلق على حلمي حليم لقب "المستشار الثقافي لدى سفارة فاتن حمامة"، لأنه كان مستشارها فعلاً، فعندما يعرض عليها المنتج دوراً تطلب منه أن يعطي السيناريو لحلمي حليم لكي يبدي رأيه. ومن صلاحياته أن يضع رتوشاً على دورها.


مؤدياً دور تشي غيفارا عام 1969 (موندادوري بورتفوليو)


سنة 1955 تمّ الطلاق بين عز الدين ذو الفقار وفاتن حمامة فتزوجها عمر الشريف بعدما أشهر إسلامه، وظلّ مسلماً حتى وفاته. وفي سنة 1957 وُلد طارق، ابنهما الوحيد. وقد بلغ مجموع الأفلام التي قامت فاتن حمامة ببطولتها مع عمر الشريف سبعة أفلام. منها: "صراع في الميناء" من إخراج يوسف شاهين، و"لا أنام" إخراج صلاح أبو سيف عن قصة لإحسان عبد القدوس، و"نهر الحب" من إخراج عز الدين ذو الفقار، وهو اقتباس من الرواية الروسية الشهيرة "آنا كارنينا" لليون تولستوي. وبين منتصف الخمسينيات ومطلع الستينيات كان عمر الشريف قد أصبح من نجوم السينما المصرية الكبار. ومن أفلامه التي حققت نجاحاً كبيراً فنيّاً ومادياً: "إشاعة حب" مع سعاد حسني ويوسف وهبي من إخراج فطين عبد الوهاب، وفيه أدّى عمر الشريف دوراً كوميدياً.. وفيلم "بداية ونهاية" مع فريد شوقي وسناء جميل وأمينة رزق، عن قصة نجيب محفوظ وإخراج صلاح أبو سيف... وفيلم "في بيتنا رجل" مع زبيدة ثروت ورشدي أباظة، وهو من إخراج بركات عن رواية لإحسان عبد القدوس.



بعد السينما المصرية، فُتحت أمام عمر الشريف أبواب السينما العالمية. وقبل فيلم "لورنس العرب" الشهير، قام عمر الشريف سنة 1958 ببطولة فيلم أجنبي، الفيلم الفرنسي "جحا"، وهو من إخراج جاك بارتييه، عن سيناريو كتبه جورج شحادة. وقد صور الفيلم في تونس، وقامت بدور البطولة النسائية الممثلة الصاعدة آنذاك الإيطالية التونسية المولد كلاوديا كاردينالي.
وكانت مشاركة عمر الشريف في هذا الفيلم بمثابة تدريب على التمثيل في أفلام عالمية. وقد ساهمت عدة عناصر بتسهيل الطريق أمامه في السينما العالمية: وسامته، وهي من المواصفات المطلوبة لنجوم هوليوود في أدوار "الفتى الأول"... وإجادته للغات الأجنبية، وكان يتكلم ست لغات: العربية، والفرنسية، والإنكليزية، والإيطالية، والإسبانية، واليونانية.. وتطوّر أداؤه التمثيلي بعد المشاركة في عدد وافر من الأفلام المصرية بإدارة مخرجين كبار. وكانت في خدّه شامة لاحظها كلّ من شاهد أفلامه المصرية، لكنه عندما بدأ التمثيل في الأفلام العالمية خضع لجراحة وأزالها من خده.



مع فاتن حمامة أثناء شهر العسل في باريس (كيستون)

البداية العالمية الشهيرة كانت في فيلم "لورنس العرب"، الذي أخرجه ديفيد لين، وكان من بطولة بيتر أوتول، وأنطوني كوين وأليك غينيس. وكان المخرج يبحث عن ممثل مصري ليسند إليه دور الشريف علي. وفي القاهرة رشحوا له ثلاثة: أحمد مظهر ورشدي أباظة وعمر الشريف. والثلاثة يصلحون للدور شكلاً وأداء وفروسية، لأن الدور يقتضي في مشاهد منه ركوب الخيل. وقع اختيار المخرج على عمر الشريف. (بالمناسبة: ثمة ممثل مصري آخر قام بدور صغير في هذا الفيلم هو جميل راتب، وكان مقيماً في باريس آنذاك، ممثلاً مسرحياً وسينمائياً معروفاً لكنه كان يومها لا يزال مجهولاً في بلده).
أدّى نجاح فيلم "لورنس العرب"، وعمر الشريف معه، إلى اعتماده نجماً في السينما الهوليوودية. كان ذلك سنة 1962. وتكرّس بطلاً أول في فيلم "دكتور جيفاكو"، أمام جولي كريستي وجيرالدين شابلن، وهو من إخراج ديفيد لين أيضاً. وفي هذا الفيلم قام طارق عمر الشريف بتمثيل دور جيفاكو وهو طفل، وكان في الثامنة من عمره. وفي فيلمي لورنس وجيفاكو ألّف الموسيقى التصويرية الفرنسي ميشيل جار، وهي موسيقى ذاعت في العالم بأسره.

صار عمر الشريف اسماً معتمداً في السينما العالمية، بطلاً من أبطال شباك التذاكر. ومن أفلامه التي تبقى في الذاكرة: "الرولز رويس الصفراء"، "الفتاة المرحة"، "ليلة الجنرالات"، "مايرلينغ"، "غيفارا"، وفيه أدّى دور المناضل الشهير تشي. كما أدّى دور القديس بطرس في فيلم عن سيرة القديس أنتج سنة 2005. رُشّح عمر الشريف للحصول على جائزة الأوسكار عن دوره في فيلم "لورنس العرب" لكنه لم ينلها، بيد أنه نال جائزة "غولدن غلوب" ثلاث مرات: مرّة بصفة أفضل نجم صاعد، ومرة ثانية كأفضل ممثل في دور ثانوي عن فيلم "لورنس العرب"، وثالثة بصفة أفضل بطل عن دوره في فيلم "دكتور جيفاكو". وفي سنة 2003، نال جائزة "الأسد الذهبي" في مهرجان البندقية (إيطاليا)، تكريماً له عن مجمل أعماله. وفي سنة 2004، نال جائزة "السيزار"، وهي معادل الأوسكار في السينما الفرنسية. نال جائزة أفضل ممثل عن دوره في فيلم "مسيو إبراهيم وزهور القرآن"، للمخرج فرنسوا دوبيرون، عن رواية بالعنوان ذاته للفرنسي إيريك إيمانويل شميت. وفي هذا الفيلم اشترك معه بيار بولونجيه وإيزابيل أدجاني.



سنة 1974 وقع الطلاق بين عمر الشريف وفاتن حمامة، لكن العلاقة ظلت وديّة بينهما حتى آخر العمر. وقد ذكر أن فاتن هي الحب الحقيقي الوحيد في حياته.

غير البريدج والبليارد كان عمر الشريف من هواة الخيول ومتابعة السباقات. وكان يحب الاستمتاع بالحياة ومباهجها، ويرتاد المطاعم اللبنانية في باريس، ومنها مطعم يديره أخي ميشيل يواكيم. وذات يوم كان عمر الشريف يتحدث مع أخي وسمعته يقول له "أنا ما حفرتش"، فسألته "لم تحفر ماذا؟"، قال: "لم أحفر منجماً به ذهب وثروة. أنا ربحت مالي بعرق جبيني". وكان من هواة كرة القدم ومن مشجعي "النادي الأهلي" المصري، والصورة التي تجمعني به التقطت في النادي الأهلي 1963 وكان يزور القاهرة بعد المشاركة في فيلم "لورنس".
في عقد الثمانينيات عاد إلى العمل في الأفلام المصرية، ومن أبرزها "الأراجوز"، إخراج هاني لاشين، و"المواطن مصري"، إخراج صلاح أبو سيف، والأشهر هو فيلم "حسن ومرقص"، أمام عادل إمام (2008). وأمضي عمر الشريف أواخر حياته في القاهرة، وحزن كثيراً بعد وفاة أحمد رمزي ثم فاتن حمامة. وأصيب بداء الألزهايمر وتوفي في 10 يوليو/ تموز 2015.

المساهمون