جورج شحادة: الأديب اللبناني الذي اشتهر في باريس

دفاتر فارس يواكيم: جورج شحادة....الأديب اللبناني الذي اشتهر في باريس قبل بيروت

25 نوفمبر 2019
الصورة
نشرت دار النهار البيروتية سنة 1998 آخر ما كتب(ويكيبيديا)
+ الخط -
بين المسرح والإذاعة والموسيقى، قضى فارس يواكيم (1945، مصر)، عقوداً من حياته، مواكباً ومؤرّخاً ومشاركاً في أبرز محطات المشهد الفني العربي في القرن الماضي، وشاهداً على التحوّلات في عالم الفنّ.
تنشر "العربي الجديد" كل يوم اثنين مذكرات يواكيم مع أبرز الفنانين والمنتجين والمخرجين العرب، مستعيدة محطات شخصية ولقاءاته مع هؤلاء في القاهرة وبيروت وباريس وغيرها من العواصم.



جرت العادة في مسرح شوشو في بيروت أن يُوزَّع كتيب به نبذة عن المسرحية الجديدة، وبه تُنقل من كتيب إلى آخر في صدارتها عنوان "قالوا" وهي تتضمن مقتطفات مما ذكره مشاهير عن هذا المسرح، ومنها قول ميخائيل نعيمة "أشكر لكم أنكم أتحتم لي ليلة عظيمة"؛ وعبارة أمين نخلة "شاهدت مسارحهم في باريس فلم أجدها أفضل من مسرحنا هذا"؛ ورأي جورج شحادة "الآن بإمكاننا القول إن المسرح ولد في لبنان". لفت نظري رأي جورج شحادة لأنه مؤلف مسرحي ذو شهرة عالمية. أما الباقون فكانوا، برغم أهميتهم، شعراء ورجال سياسة.

سألت شوشو عنه فأخبرني أنه يواظب على حضور المسرحيات منذ افتتاح المسرح سنة 1965 بمسرحية "شوشو بك في صوفر". وأضاف: "حين يبدأ عرض مسرحيتنا الجديدة سوف أدعوه وسوف يلبي الدعوة لأنه يحبنا". وكانت المسرحية التالية هي "جوّه وبرّه" من كتابتي، وهي اقتباس بتصرف كبير من "مقالب سكابان" لموليير وأخرجها بيرج فازليان. وفي الأسبوع الأول من عرضها حضرها جورج شحادة وكان الشاعر والصحافي أنسي الحاج يرافقه. كنت في الكواليس أتلصص عليه لأرى ردود الفعل على وجهه. ولا أنكر أنني كنت أشعر بالرهبة. غير أنني شعرت بالراحة حين صرت أراه يضحك وباسترسال، خصوصاً في المشاهد والحوارات التي كتبتها وهي غير موجودة في نص موليير، ناهيك عن ارتجاليات شوشو.

وفي ختام العرض توجّه جورج شحادة إلى الكواليس. هنأ شوشو وقال له "أنت ممثل كوميدي من عيار عالمي". وأخبر بيرج فازليان أن العرض أعجبه. ثم قدمني شوشو له "هذا الشاب هو كاتب النص" فقال لي جورج شحادة "إنت شوّشت موليير". تصبب مني العرق. كنت أنتظر التهنئة بدوري فإذا بي أسمع هذا الرأي. هل يقصد أني شوّهت موليير أم أني شوّشت عليه؟ مرّت هذه الخواطر خلال ثوانٍ قليلة. وأكمل الكاتب الكبير عبارته: "قدّمت مقالب سكابان في نسخة شوشوية. أحسنت". جفّ العرق وكبرت الابتسامة على وجهي. وفيما أنا أرافقه إلى باب المسرح أخبره أنسي الحاج أنني من مواليد الإسكندرية مثله. التفت إليَّ وقال "كمان"؟

جورج المولود في الإسكندرية سنة 1905 هو ابن اللبنانيَين الياس شحادة وليزا شيخاني. عادت الأسرة إلى لبنان سنة 1920 واستقرت في حيّ الأشرفية في بيروت. أكمل جورج دراساته العليا في كلية الحقوق في الجامعة اليسوعية وعمل بعد تخرجه لفترة وجيزة في وزارة العدل. وانتقل إلى المدرسة الفرنسية العليا للآداب وأصبح أمينها العام سنة 1945. وغادرها سنة 1962 إلى وظيفة مستشار في البعثة الثقافية الملحقة في السفارة الفرنسية في بيروت. كان متزوجاً من الفرنسية بريجيت كولريه وأنجبا ولدا حمل اسم جده إيلي. كان قد تعرف على بريجيت في السفينة المتجهة من مرسيليا إلى بيروت سنة 1946. والطريف أن اسم السفينة providence أي العناية أو التدبير. وقد شاءت العناية وجرى التدبير مجرى قصة حب انتهت بالزواج سنة 1951 في باريس. وكان الكاتب الفرنسي غايتان بيكون والفرنسية اللبنانية - المصرية أندريه شديد شاهدي الزواج. وكان بيت جورج وبريجيت شحادة في بيروت منتدى النخبة الأدبية ومزار أدباء العالم القادمين إلى لبنان.
وفي أواخر 1970 افتتحت بريجيت شحادة معرضاً للفنون التشكيلية في حيّ عين المريسه وأتاحت الفرصة للرسامين اللبنانيين لعرض لوحاتهم. كما استضافت الغاليري معارض لكبار التشكيليين العالميين مثل ماكس إرنست وميرو وأندريه ماسون.

كانت ذكريات الإسكندرية موضوع الحديث في لقاء تالٍ مع جورج شحادة. أخبرني عن طفولته وعن الإسكندرية الكوزموبوليتانية في مطلع القرن العشرين وأخبرته عن المدينة في الخمسينيات والستينيات. شرح لي انتشار اللغة الفرنسية في الأوساط البورجوازية ولدى النخبة بالرغم من أن مصر كانت تحت الاحتلال البريطاني. كانت الفرنسية اللغة المشتركة العابرة بين الجاليات الأجنبية المختلفة. ولفت نظري إلى شخصية أدبية عرفها هو لم تنل نصيبا كافياً من الأضواء، وقال إنه الإيطالي أتناسيو كاترارو المقيم في الإسكندرية والصديق الحميم للشاعر اليوناني الشهير قسطنطين كافافيس والإيطالي الشهير أيضا مارينيتي. وعبر كاترارو تعرّف أحدهما على الآخر. وهو الذي ترجم قصائدهما إلى الفرنسية والإيطالية. وفي رأي شحادة أن كاترارو أفضل مترجم فهو متمكن من اللغات وصاحب أسلوب وقد عرف مبدعي القصائد شخصيا وفهم القصائد والمقاصد.

أخبرني جورج شحادة أنه كان في المدرسة متفوقاً في اللغة الفرنسية وضعيفاً في اللغة العربية، وأن أباه استقدم له مدرساً خصوصياً لتقوية لغته العربية في عطلة الصيف. وكان هذا المدرس يُدعى خليل مطران، شاعر القطرين الشهير! من بعد، عندما دخل الوسط الأدبي في باريس كان متسلحاً بموهبة فائقة وبامتلاك اللغة الفرنسية.

ظهرت أول قصيدة له في مجلة "كوميرس" سنة 1930 بإشراف الشاعر سان جان بيرس. (قبلها كان قد نشر أول دواوينه "شرارات" في دار نشر صغيرة). وكانت زيارته الأولى إلى باريس سنة 1933 أعقبتها زيارات وتعرّف على معظم أدباء الفرنسية الكبار ومنهم أندريه بروتون، وبول إيلوار، وماكس جاكوب، ورينيه شار. وبين 1938 و1950 أصدر ستة دواوين نشرتها دار GLM أشهر دار متخصصة في نشر الشعر. ثم أعيد إصدار الدواوين سنة 1951 بعنوان "أشعار" في غاليمار أهم دار نشر فرنسية. وفي السنة ذاتها نشرت الدار ذاتها مسرحية "مسيو بوبل" التي أخرجها جورج فيتالي. وفي العام الذي يليه حظي جورج شحادة بأن تُعرض مسرحيته "سهرة الأمثال" بإخراج كبير آخر هو جان لوي باروه، الذي تولى إخراج معظم مسرحيات شحادة. ثم تعرّف الجمهور على "حكاية فاسكو" (1956)، و"البنفسجات" (1960)، و"السفر" (1961)، و"مهاجر بريسبان" (1965)
.
كان العرض العالمي الأول لمسرحية "مهاجر بريسبان" في مسرح مدينة ميونخ في ألمانيا. وأخبرني جورج شحادة تفصيلاً إضافياً. قال: "كان مسرح مدينة شتوتغارت يرغب هو الآخر في أن يستضيف العرض الأول للمسرحية. وأصرّ المسرحان على الأولوية وتبلغت أنه إذا صار العرض الأول في مسرح فلن يعرض المسرح الثاني المسرحية. وكنتُ أرغب في أن يعرض كلاهما المسرحية. فتوصلت إلى حلّ على الطريقة اللبنانية البراغماتية. تمّ الاتفاق على أن يكون العرض الأول في ميونخ، ثم يبدأ عرض المسرحية في شتوتغارت بعد أسبوع مع تمييز خاص بحضور المؤلف شخصيا"! أما مسرحية "حكاية فاسكو" فكان عرضها الأول في دار المسرح في زيوريخ (سويسرا) وتم عرضها مع فرقة رينو/باروه في إطار مهرجانات بعلبك الدولية سنة 1957 وحوّلها البريطاني غوردون كروس إلى أوبرا. وأصبح جورج شحادة مع صمويل بيكيت وأوجين يونسكو وفرناندو أرابال رواد الحداثة في المسرح الفرنسي، وما له من تأثير في المسرح العالمي. كتب كلّ واحد منهم أعماله بالفرنسية بالرغم من أنها ليست اللغة الأم للبناني والإيرلندي والروماني والإسباني.

وفي الشعر أصدر سنة 1977 "أنطولوجيا البيت الواحد" و"السابح في حب واحد" 1985 ونشرت "دار النهار" البيروتية سنة 1998 آخر ما كتب جورج شحادة: مجموعة شعرية بعنوان "قصائد". وترجمت مؤلفاته إلى نحو ثلاثين لغة منها العربية طبعاً. وصدرت مسرحياته بترجمة الشاعر أدونيس في سلسلة المسرح العالمي الكويتية.

في السينما كتب جورج شحادة سيناريو وحوار فيلم فرنسي واحد، فيلم "جحا" أخرجه جاك باراتييه سنة 1958 وتمّ تصويره في تونس. وقام بدوري البطولة فيه: عمر الشريف قبل أن ينطلق عالمياً، والإيطالية التونسية المولد كلاوديا كاردينالي. وثمة فيلمان مصريان اقتبسا موضوعهما من مسرح شحادة: "بنات إبليس" و"الرغبة والثمن".

وبالرغم من الشهرة العالمية التي حظي بها جورج شحادة الشاعر والمؤلف المسرحي، فإن أعماله لم تقدم إلى الجمهور اللبناني إلا لاحقاً. ليس بسبب إعراض المسرحيين اللبنانيين عنها، لكن "الفيتو" كان من جانبه هو في البداية. بيد أنه ساهم في دعم المسرح في لبنان فكان عضواً في جمعية رعاية المسرح اللبناني، وفي لجنة المسرح العربي التابعة لمهرجانات بعلبك الدولية. كما أشرف على تأسيس المركز الجامعي للدراسات المسرحية في المدرسة العليا للآداب. وهو الذي سعى لأجل منحة نالها المخرج موريس معلوف لدراسة المسرح في باريس. لكنه عندما تأكد من جديّة الحركة المسرحية في بيروت سمح بعرض مؤلفاته؛ فأخرج ميشال غريب مسرحية "السفر" وقدمها بالإنكليزية، وبيرج فازليان أخرج "حكاية فاسكو" بالأرمنية، وطعّم يعقوب شدراوي مسرحيته "أعرب ما يلي" بمشاهد من "حكاية فاسكو". ثم أخرج أنطون ملتقى "مهاجر بريسبان" بترجمة إدوار أمين بستاني وعرضت في مسرح مارون نقاش سنة 1991. ومن بعد أخرجها نبيل الأظن وعُرضت في مهرجانات بعلبك سنة 2004 مستعيناً بترجمة أتقنها عيسى مخلوف مازجاً فيها اللغة العربية بالعامية اللبنانية، وبأداء نجوم لبنانيين.

عندما نشبت الحرب سنة 1975 في لبنان ظل جورج شحادة في بيروت. توفيت والدته سنة 1978 وفي السنة ذاتها نقل إقامته إلى باريس، إلى شقته في الشارع المتفرع من بولفار سان جرمان. وفي العاصمة الفرنسية افتتحت بريجيت شحادة الغاليري التي استقبلت معارض الرسامين الفرنسيين واللبنانيين.

وخلال إقامتي في باريس في الثمانينيات التقيته غير مرة. أحياناً بحضور الكاتب اللبناني عصام محفوظ، الذي كان مقرّباً منه، وقد وضع عنه كتاباً عنوانه "جورج شحادة ملاك الشعر والمسرح". وكانت أشياء كثيرة تجمع بينهما: حب الشعر والمسرح والروليت! ولم يكن في باريس (وحتى الآن) كازينو تُدار فيه لعبة الروليت. كان لزاما الذهاب بسيارة عصام محفوظ إلى كازينو في بلدة Forges les Eaux في قضاء النورماندي. رافقتهما ثلاث مرات.

سألت جورج شحادة عن سبب حبّه للروليت فقال لي "التشويق أولاً. أنت أمام موقف يتجدد بأشكال مختلفة. ثم الانفعال والتوتر. ثم الفرحة بالربح وحسرة الخسارة. كلها مواقف درامية". المهم أنه كان متعقلا وليس متهورا ولم يحدث أنه خسر مبالغ فادحة ولا ربح مبالغ خيالية. كانت المسألة تسلية أولاً وأخيراً. ومرّة في طريق العودة إلى باريس حكى لنا خلفيات تأليف رواية "المقامر" لدوستويفسكي. قال إن الروائي الروسي الشهير كان تعاقد مع ناشر شرس على كتابة رواية جديدة وقبض عربوناً. واقترب موعد تسليم الرواية والمؤلف لم يكتب سطرا لأن الإلهام لم يسعفه، فهدده الناشر بأنه سيحجز على ممتلكاته إن هو لم ينجز الرواية أو يردّ مبلغ السلفة. وكان دوستويفسكي معتاداً على السفر بعربة الخيل من سان بطرسبرغ إلى فيسبادن في ألمانيا لكي يلعب الروليت. قدح زناد ذهنه واستلّ من ذكريات فيسبادن والكازينو والروليت شخصيات وأحداث رواية "المقامر" وأنهى كتابتها في 27 يوما وسلّمها في الموعد المحدد.

أمضى جورج شحادة سنوات العمر قصيدة شعر. كتب المسرحيات بأنفاس الشاعر وصاغ القصائد بروحية درامية. حتى تفاصيل الحياة اليومية كانت مفعمة بالشعر. حمل لبنان والشرق في قلبه ومات في باريس سنة 1989. وبعد تسعة أعوام توفيت زوجته ورقدت بسلام إلى جواره في مدافن مونبارناس.

دلالات

المساهمون