دفاتر فارس يواكيم: محمد الماغوط....حزنه يلمع في ضوء القمر

دفاتر فارس يواكيم: محمد الماغوط....الفرح ليس مهنته وحزنه يلمع في ضوء القمر

09 ديسمبر 2019
الصورة
طرد من عمله في صحيفة "تشرين" (فيسبوك)
+ الخط -
بين المسرح والإذاعة والموسيقى، قضى فارس يواكيم (1945، مصر)، عقوداً من حياته، مواكباً ومؤرّخاً ومشاركاً في أبرز محطات المشهد الفني العربي في القرن الماضي، وشاهداً على التحوّلات في عالم الفنّ.
تنشر "العربي الجديد" كل يوم اثنين مذكرات يواكيم مع أبرز الفنانين والمنتجين والمخرجين العرب، مستعيدة محطات شخصية ولقاءاته مع هؤلاء في القاهرة وبيروت وباريس وغيرها من العواصم.


سيماه في قصائده ومقالاته، وجميعها عكس ملامح الحزن والمرارة التي سادت في حياة الأديب والشاعر محمد الماغوط. سيرة ذاتية أشبه بسجادة موشاة بخيوط بمختلف الألوان. خيط يعبّر عن لون الفقر، وخيط هو لون ظلمة المعتقلات، وثالث هو خيط الأمراض والوفيات. وخيوط أقلّ وأقصر ألوانها زاهية، خيوط تنسّم الحرية والبحبوحة المالية.

الفقر لازمه منذ ولادته في مدينة سلمية القريبة من حماة في سورية سنة 1934، وزرع أولى غصص المرارة في حياته. درس في المدرسة الزراعية حتى نهاية المرحلة الإعدادية فانتقل إلى دمشق طالباً في الثانوية الزراعية. وضاقت الحال بأبيه فكتب إلى المدرسة يستمهلها بشأن تسديد الرسوم المتوجبة على ابنه. وحدث أن مدير المدرسة علّق الرسالة في لوحة الإعلانات فقرأها التلاميذ جميعاً فحفرت الصدمة في نفس الفتى قهراً لن ينساه. وعندما نظم الشعر كتب في إحدى القصائد: "سامحيني، أنا فقير يا جميلة/ حياتي حبر ومغلفات وليل بلا نجوم/ شبابي بارد كالوحل (…) سامحيني.. أنا فقير وظمآن/ أنا إنسان تبغ وشوارع وأسمال".

كان محمد الماغوط دون العشرين حين انضم إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي. لاحقاً روى بسخريته المريرة أنه انضم إلى ذلك الحزب لأن مقره كان قريباً من بيت أهله وكان فيه مدفأة تقي من برد الشتاء. والواقع أنه في مطلع خمسينيات القرن العشرين تنافس حزبان على استقطاب الشباب في الريف السوري هما حزب البعث العربي الاشتراكي، والحزب السوري القومي الاجتماعي. وتنوع الاستقطاب حتى داخل العائلة الواحدة، فالضابط صلاح جديد كان بعثياً، وأخوه الضابط غسان جديد كان قومياً سوريّاً. وتوزع العديد من شباب مدينة سلمية على الحزبين. وكان محمد الماغوط من حصة الحزب القومي. والذي عرفني عليه في منتصف الستينيات في بيروت هو ابن مدينته الكاتب عاصم الجندي وكان من عائلة بعثية. وكلاهما صار "الحزبي سابقاً".

شهدت دمشق اغتيال العقيد عدنان المالكي في ملعب كرة القدم في ربيع 1955. والذي اغتاله جندي ينتمي إلى الحزب السوري القومي. وحدث أن الحكومة وقيادة الجيش اتهمتا الحزب القومي بأنه وراء الاغتيال، فتم اعتقال العديد من عناصر القيادة في الحزب ومن المنتسبين إليه. وكانت المرة الأولى التي يعرف فيها محمد الماغوط مرارة السجون، ويتعرف فيها على معتقل آخر بالتهمة ذاتها كان نزيل العنبر المقابل وكان اسمه علي أحمد سعيد إسبر وشهرته أدونيس. نشأت صداقة بينهما. وبعد الخروج من المعتقل، تزوج أدونيس من الناقدة خالدة صالح وصار اسمها خالدة سعيد، وانتقلا للإقامة في بيروت. أما محمد الماغوط فعاد إلى السلمية وفي باله هاجس المعتقل، وقال "من بعد، كلما قرعوا باب بيتنا كنت أخشى أن يكون رجال الشرطة قد جاؤوا لاعتقالي".

وفي حقبة الوحدة السورية – المصرية ساءت العلاقات بين الرئيس جمال عبد الناصر والحزب السوري القومي الاجتماعي الذي عارض الوحدة. وقبل أن يتم اعتقاله، هرب محمد الماغوط إلى بيروت. هناك التقى بأدونيس الذي قدّمه إلى يوسف الخال، ناشر مجلة "شعر"، وإلى مجموعة الشعراء الشبان، بينهم أنسي الحاج، وشوقي أبو شقرا، وفؤاد رفقة. وكانت مجلة "شعر" قد نشرت من قبل أولى قصائده "حزن في ضوء القمر"، في العدد الأول من السنة الثانية 1958. وفي بيت أدونيس تعرّف محمد الماغوط إلى خالدة سعيد وإلى شقيقتها الشاعرة سنيّة صالح التي ستصبح زوجته بعد خروجه من المعتقل الثاني سنة 1961، وأم ابنتيه شام وسلافة.

وبعد الفقر والسجون أثقلت كاهله أحزان فقدان الأحبة. كانت سنوات الثمانينيات عِقدَ الأمراض والوفيات. سنة 1984 توفيت شقيقته ليلى بعد إصابتها بحمّى النفاس. وبعد عام توفي والده إثر أزمة قلبية. وفي العام نفسه، 1985، توفيت زوجته سنيّة صالح بعد صراع مع مرض السرطان. وبعد عامين توفّيت أمه إثر نزيف حاد في المخ. وقال عن زوجته الراحلة قبل الأوان: "سنيّة هي حبّي الوحيد، نقيض الإرهاب والكراهية، عاشت معي ظروفًا صعبة، لكنّها ظلّت على الدوام أكبر من مدينة وأكبر من كون، إنّها شاعرة كبيرة لم تنلْ حقّها. ربّما آذاها اسمي، فقد طغى على حضورها، وهو أمر مؤلم جدًّا". وكتب عنها راثياً: "ثلاثين سنة، وأنت تحملينني على ظهرك كالجندي الجريح/ وأنا لم أستطع أن أحملك بضع خطوات إلى قبرك/ أزوره متثاقلاً/ لأنني لم أكن في حياتي كلها وفياً أو مبالياً/ بحب أو شرف أو بطولة".
مجلة "شعر" نشرت أولى قصائده ونشرت سنة 1959 أول ديوان له وهو يحمل عنوان القصيدة "حزن في ضوء القمر". وأصدرت ديوانه الثاني "غرفة بملايين الجدران". وانطلقت شهرة محمد الماغوط كأحد روّاد قصيدة النثر بنكهة خاصة به. لا يلمس القارئ في قصائده جذور ثقافات كبرى، لكن مرارات كبرى. ولا يجد فيها أصداء عقائد سياسية بل انعكاساً لهموم المواطن العادي. "كان بيتنا غاية في الاصفرار/ يموت فيه المساء/ ينام على أنين القطارات البعيدة/ وفي وسطه تنوح أشجار الرمان المظلمة العارية/ تتكسّر ولا تنتج أزهاراً في الربيع". وهو لم يكمل تعليمه لكنه عصامي الثقافة. عضّته الحياة بأنيابها فثأر منها بقصائده وأطلق عليها سخريته اللاذعة سهاماً، من مثل: "هل أبكي بدموع فوسفورية حتى يعلم شعبي كم أتألم؟!" و"ما إن اجتمع عربيّان حتى تكون المخابرات ثالثهما" و"كل الأمم تنام وتنام وفي اللحظة الحاسمة تستيقظ/ إلا الوطن العربي فيستيقظ ويستيقظ وفي اللحظة الحاسمة ينام".

وكما أحب محمد الماغوط السلمية ودمشق، كذلك أحبّ بيروت المدينة التي اشتهر اسمه منها والتي تسكع صعلوكاً في شوارعها مع أدباء عرب شبان كانت العاصمة اللبنانية ملاذهم، مثل بدر شاكر السياب، وسركون بولص، وكمال خير بك. وفي بيروت عرضت مسرحيته "المهرج" سنة 1972، من بطولة أنطوان كرباج ومحمود سعيد وإخراج يعقوب الشدراوي.
وكانت في الستينيات قد عرضت لأيام قليلة في دمشق ثم منعت. وكان فضاء الحرية النسبية أرحب في العاصمة اللبنانية فأتاح عرض "المهرج" التي هي إدانة موجعة لتعسف أجهزة المخابرات مصوغة بسخرية حتى الذروة. وموجز هذه الكوميديا السوداء أن مهرجاً يمثل في المقاهي مقاطع من مسرحيات وسير أبطال ومنهم صقر قريش. وينتهي الفصل الأول بمكالمة هاتفية من صقر قريش الأصلي يدعو فيها المهرج لزيارته. وتدور أحداث الفصل الثاني في مكان خيالي التقى فيه الاثنان.
أبدى البطل العربي التاريخي إعجابه بالحفيد المبدع، وقرر أن يوليّه على إمارة. وهبه لواء الإسكندرون فأخبره بأنه "العوض بسلامتك"، فظنّ صقر قريش أنه لا يريد ولاية في المشرق، فقرر أن يمنحه الأندلس في الغرب وسمع منه أيضا رثاء الأندلس المفقود منذ قرون، فاعتقد عبد الرحمن الداخل أن الحفيد يرغب في ولاية في موقع متوسط، إذاً فلتكن فلسطين. وبأسفٍ يخبره المهرج بأنها ضاعت هي الأخرى. ولا يصدق صقر قريش أن الأحفاد بددوا ما جمعه الأجداد. ولا يتخيل ما يقوله المهرج عن أذى المخابرات وقد هلهل شعوبا بأسرها. ويطلب منه أن يرافقه أشجع الفرسان فينتقل معه البطل المغوار دحام إلى الواقع العربي. وبعدما خضع دحام لجلسات التحقيق والصفعات والركلات واللكمات ورعشات الجسد من سريان التيار الكهربائي، اعترف "بخيانته العظمى" وأقسم بألّا يتعاطى السياسة بعد اليوم. ولما عاد رفض الكلام مع صقر قريش وأنكره حتى لا يلدغ من استجواب المخابرات مرتين. ثار صقر قريش وقرر أن يذهب بنفسه ليرى ماذا حلّ ببلاد العرب. ويفتح الستار في الفصل الثالث عن صقر قريش موقوفا في أحد المخافر العربية ومعه في الزنزانة لصوص وقوادون وما شابه. والشرطي يبلغ رئيسه بالتلفون بأنه قبض على مشبوه بملابس غريبة حاول أن يدخل البلاد خلسة من دون جواز سفر وتأشيرة دخول ويقول إن اسمه صقر قريش. وفي الخلاصة تقرر تسليم المتهم إلى إسبانيا مقابل 30 ألف طن من البصل.

كانت المسرحية الأولى التي كتبها بعنوان "العصفور الأحدب" ولم تعرض. وبعد "المهرج" كتب محمد الماغوط، بالتعاون مع دريد لحام، مجموعة مسرحيات، أولها "ضيعة تشرين" سنة 1974، ثم "غربة" و"كاسك يا وطن" و"شقائق النعمان". وقد عرفت هذه المسرحيات إقبالاً جماهيرياً كبيراً وحققت لمحمد الماغوط مردوداً مالياً وفيراً. والنجاح نفسه حالفه في مسلسلين كتبهما للتلفزيون "وين الغلط" و"وادي المسك"، وكلاهما من بطولة دريد لحام أيضاً كما الفيلمين الشهيرين "الحدود" و"التقرير"، وفيهما أثمر التعاون بينهما معنوياً ومادياً. وقد شجع الممثل المعروف صديقه المؤلف المبدع على شراء الشقة التي يسكنها خوفاً من تبذير الأموال التي بين يديه وهو كان أهلاً لذلك.

في خريف سنة 1975 تأسست جريدة "تشرين" في سورية وضمّت مجموعة من الصحافيين والكتاب السوريين البارزين ومنهم جلال فاروق الشريف، وغسان الرفاعي، وزكريا تامر ومحمد الماغوط، وقد تناوبا على كتابة مقالة ساخرة يومياً. يومها أُريد لهذه الصحيفة أن تكون منبراً حراً ومتنفساً مختلفاً عن الصحف الحكومية الأخرى. لكن الحكومة لم تطق سخريات زكريا تامر ومحمد الماغوط فاستغنت عن مقالاتهما. ومن سخريات القدر أن الرجل الذي كان يخاف من الشرطة كلما دقّ باب البيت أصبح رئيسا لتحرير مجلة "الشرطة".

وفي الثمانينيات سافر محمد الماغوط إلى الشارقة وعمل لفترة محرراً وكاتب مقال ساخر في صحيفة "الخليج". وذات يوم صيفي كتب على طريقته مقالاً وصف فيه مغادرة العديد من زملائه إلى بلادهم لقضاء أيام العطلة، وختم بقوله "وتركوني وحيدا أشم رائحة الـ..."، وذكر اسم قوم من الشعوب الآسيوية. وفي اليوم التالي أعرب سفير الدولة المذكورة عن استيائه واعتبر كلام الماغوط تجريحاً. وفي دفاعه عن نفسه، قال "أنا لم ألحق كلمة الرائحة بصفة. فهل تعتبرون أن رائحة قومكم غير مستحبة؟". طبعاً نفى السفير ذلك، فسأله "فأين الضرر إذاً"؟. وحين أخبرتُ دريد لحام ذلك قال لي "حتى لو كتب الرائحة العطرة لكان القراء فهموا المقصد".

كان محمد الماغوط من روادّ المقاهي. في دمشق مقهى "الهافانا" ومقهى "الروضة". وفي السنوات الأخيرة انتقل إلى كافتيريا فندق "الشام". وكان يقصد أحد المقاهي في "الربوة" من ضواحي دمشق، يجلس في ركن ويكتب. وكان مشّاء يقصد ذلك المقهى البعيد سيراً على الأقدام أحيانا. رافقته مرّة وتعبت! قال لي: "المشي الآن رياضة، وبالاختيار. في الماضي كان ضرورة لا مفر منها"! وفي شتاء العمر لم يعد يقوَ على السير إلا متكئاً على عصاه. وتذكّر بيت شعر له: "أيامي معدودة وساعات حبّي تتناقص كالمؤن أيام الحصار". اشتد المرض عليه ولزم بيته وانتفخ وجهه بتأثير حقن الكورتيزون ولم يتوقف عن التدخين والسعال حتى وفاته في ربيع 2004. وكان مرقده الأخير في السلمية التي كان قد وصفها قائلا: "يحدّها من الشمال الرعب/ ومن الجنوب الحزن/ ومن الشرق الغبار/ ومن الغرب الأطلال والغربان".

دلالات

المساهمون