الخلاف في حركة "النهضة" التونسية: هذا ما يقوله التياران

29 سبتمبر 2020
الصورة
الخلاف حول بقاء الغنوشي رئيساً لـ"النهضة"، سياسي (فتحي بلعيد/فرانس برس)
+ الخط -

يشتد السجال بين قياديّي حركة "النهضة" التونسية، مع اقتراب موعد مؤتمرها الحادي عشر، والذي يُفترض عقده نهاية العام الحالي، من دون أن يحدد له موعد رسمي بعد، ومع إعادة طرح ملف بقاء راشد الغنوشي من عدمه، في رئاسة الحركة. ويبدو أن معارضي بقاء الغنوشي على رأس "النهضة"، استغلوا دخول البرلمان التونسي في عطلة، وتراجع السجالات السياسية في البلاد، لطرح رسالة المائة قيادي في الحركة، التي تطالب الغنوشي بالإعلان منذ الآن عن عدم نيته الترشح مجدداً لرئاسة "النهضة". وكان هذا الملف تأجل مراراً، بسبب أزمة وباء كورونا، وما تلاها من صراعات سياسية وطنية، أخّرت طرح النقاش. ويطالب معارضو بقاء الغنوشي على رأس الحركة، بالالتزام بما تنص عليه القوانين واللوائح الداخلية لـ"النهضة"، خصوصاً الفصل 31 المتعلق بانتخاب رئيس الحزب، والذي يقول صراحة إنه "لا يحق لأي عضو أن يتولى رئاسة الحزب لأكثر من دورتين متتاليتين". إلا أنّ هؤلاء يتغاضون في الوقت ذاته، عن الفصل 134 من النظام الأساسي نفسه، الذي يؤكد أنه "يمكن تنقيح هذا النظام الأساسي بالأغلبية المطلقة للمؤتمرين"، وكذلك الفصل 29، الذي يحدد مهام مجلس الشورى، بأن "من بينها اقتراح تعديل النظام الأساسي على المؤتمر العام، وتفسير مواد النظام الأساسي والنظام الداخلي". ويعني ذلك أن الخلاف ليس قانونياً، لكنه سياسي بالأساس، ويتعلق بقضية خلافة الغنوشي المطروحة من التيار المعارض له منذ عودته من الخارج بعيد الثورة، خصوصاً في مسألة الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب التونسية والتداول على المسؤولية داخلها، ومعادلة الصراعات الوطنية واستحقاقاتها وأخطار الانقسام. وخاضت أحزاب تونسية كثيرة غير "النهضة" في السنوات الأخيرة هذه التحديات، ولم تنجح في الاختبار. وعلى الرغم من التقليل من حجم الخلاف داخل "النهضة"، فإن رسالة المائة قيادي كشفت عمق هذا الصراع، وأثارت في الوقت ذاته مخاوف لدى قواعد الحركة من خطر الانقسام.

كشفت رسالة المائة قيادي عمق الصراع، وأثارت مخاوف لدى قواعد الحركة من خطر الانقسام 

ويقود حملة معارضة بقاء الغنوشي رئيساً للحركة، عددٌ من القياديين فيها، أبرزهم عبد اللطيف المكي وسمير ديلو. ويؤكد الأول في حوار للإذاعة الرسمية التونسية، أن "الغنوشي كان يتصور أن المسألة بسيطة، لكن العريضة أبرزت حجمها السياسي داخلياً ووطنياً"، معتبراً أنه ينبغي التفكير في المسألة "كمشكل سياسي حقيقي يمس داخل النهضة، وأيضاً الحياة الوطنية". 

واعتبر المكي أن ما يحصل "مشكلة حركية وليس انشقاقاً، والعريضة كُتبت بطريقةٍ نبيلة وهادئة، وتضمنت الكثير من الاحترام لرئيس الحركة، وحرصاً على وحدتها، لكن السيناريو الوحيد الذي يرتفع فيه منسوب الانشقاق وخطره هو الذي يتمسك فيه رئيس الحركة بتنقيح القانون وتأجيل المؤتمر". ورأى أن "كل من يدفع نحو هذا السيناريو، يدفع نحو مناطق خطيرة".
لكن ما لا يقوله المكي، هو أن استبعاد الغنوشي أيضاً قد يقود إلى الانقسام، وأن المجموعة المعارضة لبقائه لم تطرح بديلاً له، ولا برنامجاً واضحاً لمرحلة ما بعده، وأن القياديين الذين وقّعوا على الوثيقة، تسود بينهم اختلافات جوهرية بخصوص هوية الحركة والإسلام السياسي وأسلوب الحكم وغيرها من الملفات.
ويوضح القيادي والنائب سمير ديلو، في حوار مع "العربي الجديد"، أن "ما جمع الموقّعين على الرسالة، هو المطالبة باحترام القانون وعدم التذرّع بمقولة أن المؤتمر سيّد نفسه"، أو بأن "المصلحة فوق القانون، لتبرير عدم التداول". أما الدافع للرسالة، بحسب قوله، فهو "تصريحات متعددة لبعض الشخصيات القيادية التي تمهّد الطريق لتنقيح الفصل 31 بحجج مختلفة وغير مقنعة أو مبرّرة، لأن التداول قيمة أساسية، وليس فقط فصلاً في القانون الذي لا يُكتب على قياس أحد، ولا يُعدَّل على قياس أحد، حتى ولو كان راشد الغنوشي".
وبخصوص رد الغنوشي على دعوة معارضيه (نسبت الرسالة لمكتبه وليس له شخصياً)، يعتبر ديلو أن "الرد المنسوب للغنوشي مُرعب، ويضرب كل المقولات الديمقراطية في مقتل، ويُخرج مفهوم الزعامة من معاني التبجيل والاحترام، ليجعل منها مؤسّسة لا تخضع لا لقانون الحزب ولا لقانون الزمن". ويلفت القيادي في "النهضة"، إلى أنه "وقع إنكار نسبة هذا النص لرئيس الحركة، ليبقى عالقاً الجواب عن سؤال: من أرسله للكتّاب العامّين للحركة؟ ولماذا نسبه لرئيسها وجعل أغلبه في صيغة المتكلم؟". وعن مخاطر انقسام الحركة، يعتبر ديلو أن "كلّ مؤتمرات المغالبة تنتهي بالفشل والانقسام، والبعض قال لنا إن الحركة ليست سجناً، ولها باب للدخول وباب للخروج، وأنا أعتبر أن الحركة ملكية جماعية لا مجال لتجييرها لمطامح أو مطامع، ولا مجال لأي شكل من أشكال الاستقواء بالمقدرات العامّة، ولا يكون الاحتكام إلا للقانون والمبادئ والرصيد الرمزي". ويختم بقوله إن "الأهم من كل ذلك، أن الأحزاب ما هي إلا وسيلة، ويبقى التفرغ لما ينفع الناس".

وكان صدر رد نسب إلى الغنوشي يوم الخميس الماضي، تساءل فيه ما إذا كان من لوازم الديمقراطية تغيير القيادات بغضّ النظر إن كانوا أصابوا أم لا؟ وأضاف الرد أن "هناك خلطاً متعمداً بين مقتضيات مجالين مختلفين، وهما مجال الحزب ومجال الدولة"، مشيراً إلى أن الأحزاب "تستثمر في قياداتها الناجحة، فتدفعها إلى الأعلى حتى تنتقل مقبوليتها من الأداء الحزبي إلى المستوى الوطني، وحتى أوسع".
من جهته، يذهب وزير الخارجية الأسبق والقيادي في حركة "النهضة"، رفيق عبد السلام، إلى اعتبار "أن ما يحصل هو نقاش وحوار داخلي، وهي ليست المرة الأولى التي تطرح فيها مقاربات مختلفة، وهذا توجه يُعبّر عن نفسه، خصوصاً أنه يتزامن مع الإعداد للمؤتمر، الذي يبقى الفضاء الرئيسي لإدارة مثل هذا النقاش". ويضيف عبد السلام، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "المقاربات داخل الحركة مختلفة في ما يتعلق بمستقبل القيادة داخلها، فالنهضة حزبٌ ديمقراطي، له مؤسسات قادرة على إدارة خلافاتها، التي لن تكون الأخيرة، وأحياناً يصل الأمر إلى حدّ التزاحم". وبيّن أن "المعطى الجديد هو أن ما يحصل من نقاشات تحول إلى العلن، في ظلّ وجود وسائل التواصل الاجتماعي، ولذلك ذهب النقاش إلى المنابر الإعلامية".
ويرى عبد السلام أن الرسالة "خاصة، وموجهة إلى رئيس الحركة، فالموقّعون عليها لديهم مقاربة يؤكدون من خلالها على أهمية التداول القيادي واحترام الفصل 31 من النظام الداخلي"، معتبراً أن "هناك من يغلّب الاعتبار القانوني، وهناك من يؤكد على المقاربة السياسية وعلى الوضعين الداخلي والإقليمي ومخاطر الخوض في مثل هذه التجربة، وبالتالي يرون أن موقع الغنوشي هو أن يستمر في قيادة الحركة". ويشير الوزير التونسي الأسبق إلى أنه "لا يوجد اختلاف في الحاجة إلى الغنوشي، لكن النقاش هو أين يكون؟ في رئاسة الحركة، أم في موقع الزعيم الذي يحظى بموقع شرفي؟".

هناك تيار يؤكد على الوضع الداخلي والإقليمي، ويرى أن موقع الغنوشي هو الاستمرار في قيادة الحركة

وتعليقاً على ذلك، يرى المحلل السياسي، ماجد البرهومي، أن الموقعين المائة على الرسالة أرادوا استباق النوايا ورغبة رئيس الحركة في أن يستمر في موقعه، مبيناً في تصريح لـ"العربي الجديد"، أنهم "ربما تغافلوا على معطى مهم، وهو أن هناك من لا يعرف من النهضة أيّ قيادات سوى الغنوشي، والدول الصديقة للحركة لا تعترف بأي قيادي في الحركة سوى الغنوشي، وبالتالي فأصحاب الرسالة قد يحصلون على مكسب الديمقراطية، ولكن سيفقدون حتى التمويلات الخارجية الواردة على الحركة والهيمنة التي تحظى بها النهضة، وهو ما يفسر تمسك شقٍّ ثان بالغنوشي".
ويلفت البرهومي إلى أن الفكرة العقائدية التي تأسست عليها حركة "النهضة"، لم تعد تستقطب الكثيرين، وبالتالي فرصيدها لا يمكن أن يرتكز على الجانب العقائدي فقط، ولا على السياسة الاجتماعية، بل إن الجانب الوحيد الذي تتفوق فيه الحركة على بقية الأحزاب، هو الجانب المادي، وهو مرتبط بالغنوشي. ويؤكد المحلل السياسي "وجود الانقسام"، لكن برأيه "فإن نسق الجدل ارتفع، وكلما تعمقت النهضة في الحكم والدولة، طفت الانقسامات أكثر، لأن ممارسة الحكم مدمرة للأحزاب"، مشيراً إلى أن "الحزب الدستوري" بعد الاستقلال مثلاً "كان من الأحزاب القوية وبداياته كانت كحزب مناضل ضد الاستعمار، لكن ممارسة الحكم تنهي النضال، فيما الناس ينسون ولا يتذكرون سوى الإنجازات".
وبحسب رأيه، فإن "الانقسام داخل حركة النهضة، سيزيد كلما مرت السنوات، وكلما توغلت النهضة في الحكم، والرسالة ما هي إلا بداية الغيث". ويرى البرهومي أن "خروج التيار الإصلاحي الذي يقوده عبد الحميد الجلاصي مثلاً، ودعوات القيادي لطفي زيتون، لم تأتِ من فراغ، فهم استشرافيون أكثر من غيرهم، وربما شعروا أن الحركة لا بد أن تحصل فيها متغيرات، ولكنهم اصطدموا بتيار آخر يدرك أن التمويل مرتبط بالغنوشي، وهذا لب الجدل". ويشير إلى أن "كل تيار يعتبر أن حججه مقنعة، وربما يتم الوصول إلى حل وسط في المؤتمر المقبل، ويبقى الغنوشي كرئيس شرفي، لكنه قد لا يرضى بذلك خصوصاً أن الغنوشي نفسه دخل السلطة وستبرز الانقسامات أكثر في المؤتمر وحتى بعده".
ويتوقع البرهومي حصول انشقاقات داخل الحركة، ما يرى فيه "سيرورة طبيعية في الأحزاب والعائلات السياسية". كما يتوقع أن يحافظ الغنوشي على رئاسة الحركة، ولن يغادرها لأنه يرفض أن يخرج من الباب الصغير، وسيبقى أقلّه إلى حين نهاية عهدته البرلمانية، وربما يستقيل وهو رئيس حزب، على أن يحصل ذلك وفق خطاب يختاره ويراه مناسباً، ولكن ليس الآن. 

 
 

المساهمون