أزمة النهضة التونسية تكبر: صراع المؤتمر العام وخلافة الغنوشي

أزمة النهضة التونسية تكبر: صراع المؤتمر العام وخلافة الغنوشي

09 مارس 2020
الصورة
ازدادت الضغوط على الغنوشي قبل المؤتمر الـ11(ياسين القائدي/الأناضول)
+ الخط -

تتصاعد الخلافات داخل حركة النهضة منذ فترة، رغم خفوتها أحياناً بسبب الالتزامات الوطنية، عاكسة قلقاً حقيقياً وأزمة موضوعية تعيشها الحركة. وسبق أن شهدت النهضة استقالات كثيرة في الأشهر الماضية، كاستقالة أمينها العام زياد العذاري، الذي بات يصوّت ضدها في البرلمان، وقبله رياض الشعيبي وزبير الشهودي وحمادي الجبالي، فضلاً عن استقالة قيادات شبابية، مثل زياد بومخلة وهشام العريض، بالإضافة إلى استقالة لطفي زيتون من منصبه مستشاراً سياسياً لرئيس الحركة، راشد الغنوشي. ووجّهت قيادات عديدة انتقادات كثيرة إلى الحركة، في مختلف الاستحقاقات، فأصبحت الخلافات داخل النهضة واضحة، في ظلّ بروز رسائل احتجاج كثيرة، على الرغم من توضيح الغنوشي بشأنها سابقاً في حديث لـ"العربي الجديد"، بأنها تعكس الديمقراطية داخل الحزب، واصفاً الاستقالات بأنها "فردية ولم تؤدِّ إلى انشقاقات كبرى مثلما حدث في أحزاب أخرى". ووضع الاستقالات في سياق وجود "ديمقراطية داخل النهضة، ولولا ذلك لتشرذمت"، مضيفاً: "صحيح أنه حصلت خلافات، ولكن لم يخرج إلا أفراد من الحركة، ولم تحصل انشقاقات كبرى، وهناك من عاد منهم ولم تشكّل أحزاب من النهضة". وأضاف أن "النهضة ليست سجناً، وفيها مؤسسات، وهناك من يبقى ومن يغادر، وليس من الإنصاف القول إن الغنوشي يتصرف في كل شيء تصرفاً مطلقاً، وإن مجلس الشورى هامشي، والدليل ما حدث مع اختيار (الحبيب) الجملي الذي عارضته، ولكن المؤسسة أقرته".

وبدا كلام الغنوشي منطقياً، ومؤشراً في الواقع على أن تجربة الحكم وما رافقها من محطات واختبارات وخيارات تاريخية، أدت إلى صراعات داخل الحركة حول أساليب إدارة هذه المحطات. لكن المدركين لما يحصل داخل النهضة يتحدثون أيضاً عن صراع تموضع حقيقي بين مختلف التيارات داخل الحركة، التي لم تتخلص بعد من تبعات المؤتمر الحزبي العاشر في عام 2016، وذلك عشية المؤتمر الـ11 الذي لم يحدّد موعده بعد، وسط ترجيحات أن يكون في شهر مايو/أيار المقبل. لكن الاستقالة الأخيرة للعضو السابق في مجلس الشورى، عبد الحميد الجلاصي، يوم الخميس الماضي، أحدثت ما يشبه الانفجار داخل الحركة. فهو واحد من القيادات التاريخية للنهضة منذ نحو أربعة عقود، وشخصية قوية تحظى باحترام كبير داخل الحركة وخارجها. وجّه الجلاصي سهام انتقاداته مباشرة إلى الغنوشي، محذّراً من تداعيات ما تعيشه النهضة حالياً، ليس عليها فقط كتنظيم، بل وعلى البلاد ككل.



وقال الجلاصي في رسالة له يوم الخميس الماضي، إنه "يمكن أن نتفهم الحديث عن الانسجام في المكتب التنفيذي، ولكن العملية أصبحت تصفية لمجمل الجهاز التنفيذي وتصنيف المناضلين وحتى الإداريين، لم يكن على أساس معيار الكفاءة بل على أساس تصويت المؤتمر العاشر وعلى أساس المواقف التي يمكن أن يتبناها المناضل بناءً على انتمائه واجتهاده في النصح لحركته". وأضاف أن "الموقع الأهم في الحركة الذي يفترض أن يكون حامياً لوحدتها ولحرية التعبير فيها، أصبح رئيساً لجزء منها، تارة لتعليلات تنظيمية، وطوراً لاجتهادات سياسية. وتحولت المؤسسات إلى واجهات، فلا التنفيذي هو المطبخ السياسي للحركة، ولا مصدر القرار فيها ولا الشورى جهاز الرقابة، هي حصص للتفريغ". واعتبر أن الحركة لم تمرّ في تاريخها بمثل حالة المركزية الراهنة في الموارد والمصالح والقرار في الكبير والصغير وبمثل حالة التهميش للمؤسسات والسفه في إدارة الموارد المادية والبشرية والتجويف للهياكل". واعتبر أن "المركزية تورث كل الأمراض، ومنها ينتشر الشلل والتدخلات العائلية وتصبح الهياكل الموحدة للحركة سبباً في اختلاق وتغذية التصنيفات داخل الجسم". وصوّب الجلاصي مباشرة في اتجاه الغنوشي، منتقداً في تصريحات صحافية ما وصفه بـ"محاولات إيجاد صيغ للتجديد لراشد الغنوشي على رأس النهضة". واعتبر أنّ "ترؤس شخص لحزب أو دولة أو أي هيكل لـ 50 سنة لم يعد أمراً ممكناً، وأنّ بقاءه طوال هذه المدة يفتح الباب نحو ثقافة البلاط وبالتالي الفساد"، وفق تعبيره. واستقالة الجلاصي لم تكن مجرد قرار أعلنه في وسائل الإعلام، بل وردت في شكل رسالة مطولة شرح فيها التطورات التي شهدتها النهضة منذ سنوات، وقال فيها بوضوح إنه "لم يتم الانتباه إلى الرغبة في التغيير التي عبّرت عنها انتخابات اليوم الثاني للمؤتمر السابق في عام 2016، ولم تتمّ قراءة الأرقام بطريقة سياسية. فقد صرح 547 من المؤتمرين برغبتهم في تغيير نمط القيادة مقابل 507 وتم اعتماد قراءة حرفية أغفلت المقاصد وسياقات الترهيب المعنوي، وتم تدشين أهم تحول في تاريخ الحركة في نمط الحوكمة من المؤسسة التنفيذية الدامجة والمتنوعة والممثلة لكل مكونات الحركة والقادرة على احتواء نوازع التفرد إلى ما سُمي خيار الانسجام".

وكان الغنوشي قد أجاب سابقاً لـ"العربي الجديد"، عمّا إذا ما كان سيواصل رئاسة حركة النهضة بأن ذلك سيحدد بناءً على المصلحة العامة ومصلحة البلاد ومصلحة الحركة، بما يعني أنه لن يتنحى آلياً، بل سيطرح الأمر للنقاش داخل الحركة. وهي أول مرة يجيب فيها الغنوشي بوضوح عن هذا السؤال. 

وتلمّح رسالة الجلاصي وتفاعل القيادات معها إلى أن الصراع الحقيقي متعلق بخلافة الغنوشي وبالمؤتمر الـ11، علماً أن الجلاصي أكد في رسالة ثانية نشرها يوم السبت الماضي، أنه غادر منفرداً "ولن ألتفت حتى لو تم تحديد موعد المؤتمر، حتى ولو أعلن الرئيس على الملأ عدم ترشحه للاستحقاق المقبل. لا أفكر في نهضة 2 ولا نهضة 50 ولن أرمي البناء الذي ساهمت فيه بشيء ما من أحجاري، فلدي ما أفعل وأرض الله واسعة. ولكني لن أصمت، الاستقالة حدث سياسي وليست حالة نفسية". 

من جهته، وصف القيادي في النهضة سمير ديلو في حديثٍ لـ"العربي الجديد" استقالة الجلاصي بـ"الحدث الكبير الذي يجب الوقوف عليه، لا بالكلمات، بل بالأفعال والإجراءات". وأبرز ديلو أن مغادرة الجلاصي للحزب كانت انعكاساً لحالة من القلق داخل الحزب حول موضوعين أساسيين متمثلين بالديمقراطية الداخلية والحوكمة. وتختلف استقالة الجلاصي عن الاستقالات السابقة، فلكل منها سياقها ودوافعها، بينما جاء موقف الجلاصي تعبيراً عن حالة القلق الواسع من الوضع الداخلي للحزب. وقدّر ديلو أن لا تمرّ استقالة الجلاصي من دون ضجيج، فالحزب جسم حيّ يتفاعل مع ما يحدث داخله. وجزم ديلو بأن "الجلاصي لم يكن شخصية بسيطة داخل النهضة حتى تكون استقالته حدثاً بسيطاً يمرّ من دون تفاعل".



بدوره، طالب عضو مجلس شورى الحركة، العربي القاسمي، رئيس الحركة راشد الغنوشي ورئيس مجلس الشورى عبد الكريم الهاروني، بـ"التحرك الفوري والفعّال لمعالجة الوضع ووقف استقالة الجلاصي". وطالب القاسمي في تدوينة على صفحته على "فيسبوك" بـ"دعوة عاجلة وفورية لانعقاد مجلس الشورى لمعالجة الوضع وتحديد موعد المؤتمر الحادي عشر وتحديد جدول أعماله".

من جهته، اعتبر القيادي في الحزب محمد القوماني في حديث لـ"العربي الجديد" أن "الاستقالة حدث مؤسف وخسارة بلا شك، فالقيادات تُصنع على عقود عبر تجارب عدة، وليس من السهل تعويضها، إلا أن الانتماء إلى الأحزاب ليس زواجاً كاثوليكياً لا يجوز إنهاؤه، وليست قبائل لا يمكن تغييرها". وذكّر بأن استقالة الجلاصي سبقتها استقالة حمادي الجبالي ذي المكانة العالية تنظيمياً وتاريخياً، وزياد العذاري وآخرين، إذ يعد الأمر حدثاً طبيعياً في حياة الأحزاب، خصوصاً في النهضة التي تعيش مخاضاً كبيراً.

وعلق القوماني على الرسالة "التي كُتبت على مهل وبتروٍّ" وإثر عشرات المقالات نشرت داخلياً أو خارجياً، قائلاً: "إنها سردية ذاتية لعقود من عمل النهضة، وتركز الخلافات حول إدارة الحركة بالأساس". ويتمثل الإشكال وفق تقديره بأبعد من التسيير، بل بوجوب قيام مراجعات قوية فكرياً وسياسياً، لأن النهضة لم تعد الجماعة التي تأسست منذ عقود وتأقلمت مع الظروف الصعبة، بل صارت جزءاً من المعادلة وشريكة في الحكم اليوم، وفضّلت المراكمة والتجديد من الداخل على القطيعة والبناء من جديد. وهو أمر ثقيل على حركة بحجمها.

واعتبر القوماني أن الجلاصي جزء من القيادة الفاعلة في الحزب بعد عام 2011، وبالتالي يتحمّل بدوره جانباً من المسؤولية في النتائج التنظيمية والسياسية التي تعيشها النهضة بوصفه أحد أعمدتها. وأضاف أن تحديد المسؤوليات داخل النهضة في المحطات التي ذكرها الجلاصي في رسالته غير متفق عليه، ولم تكتب فيه نصوص رسمية حول الجهة المسؤولة عن الأداء الحكومي في زمن الترويكا والأزمة السياسية آنذاك ودور النهضة فيها ومسؤولية خيارات الانتخابات البلدية والتشريعية في جميع مراحلها، من النصوص المنظمة لها حتى تشكيل القوائم وإلى حدّ النتائج، والمسبّب لخيار الحبيب الجملي الخاطئ وإسقاط حكومته في البرلمان، لذلك لا يمكن أن يتحمل رئيس الحزب راشد الغنوشي وحده هذه المسؤوليات. ولفت القوماني إلى أن النهضة سجلت استقالة أولى الشخصيات في مؤسساتها، زياد العذاري، لتعقبها استقالة منافس رئيسي لقيادة الحركة مستقبلاً، وهو ما يطرح إشكالاً داخل الحزب، وسيكون لهذه الاستقالة وقع هام بانتظار ما إذا كانت ستعقبها استقالات أخرى أو سيتم تأسيس مشروع جديد إثر ذلك.


المساهمون