عن معارك "النهضة" التونسية ومراجعاتها المنتظرة

10 يوليو 2020
الصورة

بعد المد الذي انطلق مع انتفاضات الربيع العربي مع مطلع العقد الحالي، شهد ما أطلق عليه إعلاميا تيار الإسلام السياسي في تركيا والسودان ومصر والجزائر والمغرب والعراق وغيرها انحسارا ملحوظا، بل واندثارا "رسميا" من سدة الحكم جرّاء انقلاب عسكري في مصر وانتفاضات حادّة عليه في السودان. وفي ظل متغيراتٍ إقليمية عصفت بهذا التيار، والذي شكلت التجربة التركية منارة له منذ مطلع الألفية، بإيصال حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تركيا الكمالية. وعلى الرغم من هذه المتغيرات وانعكاساتها على التجارب الحزبية الإسلامية، ظل حزب حركة النهضة التونسية ذو المرجعية الإسلامية، منذ ثورة "14 جانفي" (يناير/ كانون الثاني) في العام 2011، والتي أسقطت نظام بن علي، أهم جسم سياسي في تونس ما زال متماسكا، ومحافظا على المرتبة الأولى بين الأحزاب البرلمانية، على الرغم من أنه لا يبدو في منأى عن التأثر بموجة الانحسار التي تشهدها هذه الأحزاب ذات المرجعية نفسها، لأسبابٍ يعيدها محللون إلى "الديناميكية الداخلية للمجتمع التونسي، أكثر منها إلى التطورات المتلاحقة في المشهد الإقليمي".

ما زالت حركة النهضة تحافظ على المرتبة الأولى بين الأحزاب البرلمانية، لكنها ليست في منأى عن التأثر بموجة الانحسار التي تشهدها هذه الأحزاب

وفي البحث عن أسباب هذه الخصوصية لحركة النهضة، على الرغم من انتكاسات مرحليةٍ، لعل أهمها تجربة الحكم في ما أصبحت تسمى تجربة الترويكا (2012/ 2014) وتآكل الخزان الانتخابي منذ 2011، ورصدا للعوامل الموضوعية التي جعلت الحركة تتصدّر الأحزاب البرلمانية خلال ثلاثة انتخابات (2011، 2014، 2019)، ما جعلها شريكا قويا وفاعلا في كل الحكومات التي شهدتها تونس ما بعد الثورة.
يمكن القول إن هذه الحركة، ذات المرجعية الإسلامية المعلومة، قد تميزت عموما باعتدالها النسبي، مقارنة بأغلب الأصوليات الإسلامية الأخرى في المنطقة، فقد مارست حركة النهضة الحكم في تونس بين ديسمبر/ كانون الأول 2011 على أثر انتخابات ديمقراطية، وحتى يناير/ كانون الثاني 2014، غير أن سياستها في تلك المرحلة كانت مغايرةً لما وعدت به ناخبيها، إذ حاولت "أسلمة" المجتمع، والتراجع عن عدد من الحريات العامة، ومن ذلك تضمين الدستور تجريم "الاعتداء على المقدسات"، وإعادة الأوقاف والزكاة، واعتبار المرأة "مكمّلة للرجل عوض مساواتها به، والسعي إلى إدراج "الشريعة" من مصادر التشريع في دستور 2014، والدعوة إلى الحجاب النسائي الذي كانت تحمله المرأة العربية قبل الإسلام بقرون (حجاب العذارى 206 ميلادي). وإزاء هذه التوجهات الأصولية الماضوية، وقد جاءت صريحة في أدبيات الحركة، وتحت ضغط الشارع الذي رفض محاولات تغيير الخصوصيات الحداثية والمدنية للمجتمع التونسي، خرجت "النهضة" من الحكم سلميا، ما يُحسب لها وللحزبين اللذين شاركها في "الترويكا، المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، وجنَبت البلاد، على الرغم من تداعيات الاغتيالات السياسية، الدخول في حربٍ أهليةٍ، كانت ستأتي على التجربة الديمقراطية الفتية.

الحركة، ذات المرجعية الإسلامية المعلومة تميزت عموما باعتدالها النسبي، مقارنة بأغلب الأصوليات الإسلامية الأخرى في المنطقة

وعلى الرغم من تجربة الحكم هذه، والتراجع النسبي في الانتخابات التشريعية والرئاسية للعام 2014 (حصولها على المرتبة الثانية)، حافظت "النهضة" على بنيتها التنظيمية، ولم تسجّل استقالاتٍ من كتلتها في البرلمان، كما عملت على تجديد خطابها مركّزةً على طروحات المدنية والتحديث، في ما أصبح يعرف، على لسان زعيمها راشد الغنوشي في تونس، بالإسلام الديمقراطي، لتدخل في شراكة سياسية مع الفائز الأول في الانتخابات، حزب نداء تونس، الليبرالي بقيادة السياسي المخضرم الراحل الباجي قايد السبسي (1925 – 2019)، تحت يافطة ما عرف بتجربة التوافق. ومع أن الحركة، بداية من هذه المرحلة، استعاضت عن "الإسلام السياسي" بـ "الإسلام الديمقراطي"، إلا أن هذا التحول ظل تصريحا لا غير، إذ لم تصغ "النهضة" نصوصا تأسيسية لهذا الإسلام الديمقراطي، ولا صاغت مراجعاتٍ وتقييماتٍ لما كانت تمارسه وتنظّر له. ومع إطلاقها ما سمّتها "تونسة النهضة"، حاولت أن تجد لها جذورا في الفكر الإصلاحي الزيتوني (نسبة إلى الجامعة الزيتونية)، كما وجدت في الشيخ عبد العزيز الثعالبي (1876 – 1944)، مؤسس أول حزب تونسي (الحزب الحر الدستوري التونسي 1920)، زمن الاستعمار الفرنسي، أبا روحيا لها. وهو المصلح الإسلامي الأصولي، صاحب كتابي "الروح التحرّرية في القرآن" و"تونس الشهيدة". وفي السياق نفسه، راجعت "النهضة" موقفها السلبي من باني تونس المستقلة والحداثية ومحرر المرأة التونسية، الزعيم الحبيب بورقيبة. كما أعلنت حركة النهضة كذلك عن الفصل في نشاطاتها بين "الدعوي" و"السياسي"، لكنها لم تفصل بين الديني والسياسي، لتتحول إلى حزب مدني محافظ، على غرار الأحزاب الديمقراطية المسيحية في العالم الغربي.
ما هو أكيد، اليوم، أن "النهضة" قد نجحت في ما فشلت فيه أحزاب تونسية كثيرة، انتهت إلى التشظي والتلاشي، على غرار الأحزاب التي شاركتها الحكم، وأهمها نداء تونس، والمؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل من أجل العمل والحريات ومشروع تونس وغيرها.. لتبقى الحزب التونسي الوحيد ذا البنية التنظيمية الثابتة، والمؤسسات المنضبطة والفاعلة. ولكن التونسيين، الحداثيين منهم خصوصا، ما زالوا يتهمون "الحركة" بازدواجية الخطاب، معتقدين أن المراجعات التي أعلنت عنها لم تكن ثمرة نقدٍ ذاتيٍّ حقيقي، وإنما ثمرة ضغط لأحداث محلية وإقليمية ودولية.

نجدت "النهضة" في ما فشلت فيه أحزاب تونسية كثيرة، انتهت إلى التشظي والتلاشي

واليوم كذلك، وفي لحظة فارقة في المشهد السياسي التونسي، وجدت "النهضة" نفسها مرغمةً على خوض أربع معارك في زمن واحد. وهي مدركةٌ تمام الإدراك أن وزنها الانتخابي منذ 2011 ما فتئ يتراجع، بما يؤشر إلى انحسار شعبي، ويؤسس لفقدان زمام المبادرة السياسية الأولى، كما أصبحت، في الوقت نفسه، قلقةً من صعود الحزب الدستوري الحر الذي لوّح بتمرير لائحة داخل البرلمان تصنّفها حركة إرهابية. أما رئيس الحكومة، إلياس الفخفاخ، الذي اختاره رئيس الجمهورية، بعد فشل "النهضة" في تمرير مرشحها الحبيب الجملي، فقد رفض توسيع الحزام الحكومي الذي تسعى جاهدة إلى فرضه أمرا واقعا، وإقحام "قلب تونس" في التشكيل الحكومي، علاوة على شبهة الفساد التي لحقته، والتي قد تجبره على الاستقالة. ومن جهة أخرى، أصبحت معركة رئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي، مع رئيس الجمهورية، قيس سعيد، معلنة غير خافية.
وفي المحصلة، أصبحت معركة النهضة هذه رباعية الأهداف باتجاه رئيس الحكومة وحزام حكومته السياسي ورئيس الجمهورية ورئيسة الحزب الحر الدستوري، عبير موسى، ما يعقد وضع الحركة ويشتت جهودها، وهي مقبلةٌ على مؤتمرها الحادي عشر الذي سيشهد صراع خلافة الغنوشي. فهل تقدر، كعادتها، على تجاوز معاركها، أم أن سياق تراجعها في المشهد السياسي سيتواصل؟

35FE487F-4A9A-4B25-8DF9-AF430105714E
محمد أحمد القابسي