حصار صيادي غزة... فقر مدقع واستهداف إسرائيلي مصري لقواربهم

غزة
محمد الجمل
15 نوفمبر 2020
+ الخط -

تنتظر عائلة الصياد الغزي ياسر الزعزوع عودته من سجون مصر، التي جرى اقتياده إليها بعد إطلاق النار على قارب كان على متنه هو وشقيقاه حسين ومحمود اللذان قتلا على الفور برصاص قوات خفر السواحل المصرية في 25 سبتمبر/أيلول الماضي.

وتجهل أسرة الصيادين الثلاثة، مكان احتجاز ياسر، كما يقول والده الذي يمتلئ وجهه بالحزن والغضب، لافتا إلى عدم وجود وسيلة للتواصل معه أو الحصول على معلومات عن حقيقة وضعه الصحي، وهو ما يسعى إليه، نقيب الصيادين في قطاع غزة نزار عياش، قائلا: "تجري محاولات لإعادة ياسر لغزة وكذلك أربعة صيادين آخرين معتقلين في مصر، لا تتوفر معلومات كافية عن مصيرهم". 

17 اعتداءً إسرائيلياً على الصيادين منذ بداية العام

صيادون في مرمى النيران

شهد النصف الأول من العام الجاري 17 اعتداء إسرائيليا على الصيادين، إذ تم اعتقال 9، وإصابة 8 آخرين بالرصاص، كما جرى إغلاق البحر أمام القوارب ثلاث مرات لفترات متفاوتة، وبينما لم تتوقف الاعتداءات الإسرائيلية منذ عام 2000، إلا أن الاعتدءات المصرية تفاقمت منذ بداية عام 2015.

وسجلت نقابة الصيادين واتحاد لجان العمل الزراعي مقتل 5 صيادين فلسطينيين وشخص مختل عقلياً اجتاز نقطة الحدود البحرية، وكذلك اعتقال 16 صيادا أفرج عن 11 منهم بعد فترات اعتقال متفاوتة، كما تمت مصادرة 12 قاربا بكامل معداتها، حتى نهاية سبتمبر/أيلول الماضي، على يد الجيش المصري، وفق إفادة عياش ومسؤول لجان الصيادين في اتحاد لجان العمل الزراعي زكريا بكر.

وتسيطر زوارق مصرية مزودة برشاشات ثقيلة وقاذفات صاروخية على الحدود البحرية مع قطاع غزة، ويدعمها برج مراقبة مرتفع، وآليات عسكرية تشارك في إطلاق النار باتجاه المراكب من البر، في حين يقف زورق حربي إسرائيلي على بعد نحو سبعة أميال من الشاطئ، بحسب إفادة سبعة صيادين أكدوا لـ"العربي الجديد"، أن المطاردات والاعتقالات في المنطقة الحدودية جنوب غربي القطاع المحاصر، والتي يصل عرضها إلى ثلاثة كيلومترات، لا تتوقف.

كيف تتعامل القوات البحرية مع الصيادين؟

يبلغ طول شاطئ غزة 42 كيلومترا، ويسمح للصيادين بالعمل في 36 كيلومترا منها، في حين أن 3 كيلومترات بمحاذاة الحدود المصرية تعد منطقة أمنية محظورة على الصيادين، كذلك توجد مساحة مماثلة على الحدود مع دولة الاحتلال، وفق ما أوضحه نقيب الصيادين، والذي لفت إلى أن عددهم 5000 صياد يعملون على 1000 مركب صغير ومتوسط الحجم، ومن بين هؤلاء ياسين قنن والذي تعرض ثلاثة من أشقائه وثلاثة من أبناء عمومته للاعتقال على يد البحرية المصرية، في حادثتين منفصلتين لفترات متفاوتة وصلت إلى سبعة أشهر.

وتهاجم البحرية المصرية قوارب الصيد بصورة مفاجئة ودون سابق إنذار، خلافاً لتعامل زوارق الاحتلال التي تتدرج في الهجوم، بدءا من الإنذار، ثم إطلاق قنابل صوتية لتحذير الصيادين، وفي حال لم يستجيبوا يتم إطلاق النار، وفق إفادة قنن وخمسة صيادين أوضحوا أن هجمات البحرية المصرية تحدث في المنطقة الحدودية، وأحيانا تتم مهاجمة قوارب الصيادين بمجرد اقترابها منها، وفي بعض الأوقات يتم الهجوم عندها، أو ملاحقة الصيادين بعد اجتيازهم لمسافة حدودية لا تزيد عن 500 متر. 

ملاحقة الصيادين بعد اجتيازهم لمسافة حدودية لا تزيد عن 500 متر

وفي حال نجا الصياد من الموت بالرصاص، فإنه لا ينجو من التنكيل به والاعتقال كما يقول الصياد إبراهيم ياسين، إذ تتم محاصرة القارب وإخضاع الصيادين تحت تهديد السلاح، ومن ثم ربط الموقوف من قدمه بحبل موصول برافعة الزورق المصري، وسحبه وهو في وضع التدلي للأسفل، ويتعرض للضرب والشتم والإهانات، كما يؤكد ياسين وثلاثة صيادين تعرضوا للاعتقال خلال السنوات الثلاث الماضية.

ووضع الاحتلال قبل نحو أربعة عقود، أعمدة معدنية مرتفعة تمتد مئات الأمتار في البحر، وتعد بمثابة علامات تحدد نقطة الحدود، لكن مع مرور الوقت تآكلت وسقطت، كما يقول عياش وزكريا بكر واللذان أكدا عدم وجود علامة مائية واضحة لنقطة الحدود باستثناء عائم بلاستيكي يسمى "فنطاس" على بعد ثلاثة أميال من الشاطئ، وكثيرا ما تحجبه الأمواج المرتفعة، ولكن الصيادين يسترشدون بأبراج المراقبة المصرية الموجودة على الشاطئ في حال تمكنهم من رؤيتها، وهو ما لا يمنع وقوع اختلاط أو أخطاء من الصيادين والبحرية المصرية، فتتجاوز مراكبهم الحدود المصرية بأمتار قليلة أو يختلط الأمر على الزوارق المصرية، والتي قد تستهدفهم داخل حدود غزة. 

صيادون مفقودون

عمل الصيادون الفلسطينيون في المياه المصرية الغنية بالأسماك، منذ عام 2011، وقتها كانوا يعبرون مئات الأمتار الحدودية، ويعملون قبالة مدينة رفح المصرية، في منطقة صخرية مهجورة مليئة بالأسماك وخالية من ضجيج المراكب، في محاولة لتحسين أوضاعهم المعيشية المتردية في ظل الحصار، واستمر الأمر على هذا النحو حتى أواسط عام 2013، ولم يتعرضوا لمضايقات، لكن بعد أحداث 30 يونيو/حزيران تغيرت سياسة الجيش المصري تجاههم، كما يوضح الصياد محمد النجار وتسعة آخرون التقاهم معد التحقيق على شاطئ غزة الجنوبي، والذين أكدوا أن وفرة الأسماك في تلك المنطقة تدفعهم إلى ملاحقتها، وأحيانا تغريهم أسرابها ليتوغلوا مسافة قصيرة، وهو ما تكرر مع خمس حالات خلال عامي 2019 و2020، وتعرضوا جميعا لاعتداءات البحرية المصرية. 

وخلال عامي 2013 و2014 لاحقت الزوارق المصرية، صيادي غزة لإعادتهم إلى القطاع دون أذى، لكن تطور الأمر بعد عام 2015 إلى إطلاق نار واعتداءات، ومنذ عام 2017 أصبحت الملاحقة تتم حتى داخل حدود قطاع غزة، وهو ما يؤكده الصيادون ونقيبهم عياش والذي قال إن زورقا مصريا توغل نحو كيلومتر واحد داخل حدود قطاع غزة البحرية في السابع عشر من إبريل/نيسان الماضي، محاولاً الاستيلاء على قارب صيد فلسطيني تعطل محركه، وبعد إطلاق النار تجاهه قفز الصيادون من على متنه وفروا خشية التعرض للقتل أو الاعتقال، وعاد الزورق المصري دون مصادرة القارب، بينما لم يفلح قاربا الشقيقين عبد العزيز ومحمد صبح في النجاة، إذ جرى اعتقالهما في حادثتين منفصلتين ومعهما صياد ثالث، رغم عملهم في منطقة قريبة من الحدود التي لم يجر اجتيازها، لكن فجأة أنزل زورق مصري قوارب مطاطية مزودة بمحركات، وطاردت محمد صبح ورفيقه محمود شبانة وأطلق النار تجاههما، ما أجبرهما على التوقف خشية الإصابة، بحسب إفادة شاهد العيان ووالد الصيادين الذي تابع ما جرى عبر الصعود إلى تلة مرتفعة وراقب الواقعة بواسطة منظار، ليشاهد ابنه محمد مصابا في قدمه على متن قارب مصري وإلى جانبه شبانة، ومصادرة كل المعدات التي كانت بحوزتهم، بما فيها القارب، الذي استأجره بحوالي 2000 شيكل (588 دولارا أميركيا)، ولا يستطيع تسديد ثمنه بسبب فقر الأسرة المدقع.

ويضيف والد الصيادين صبح، بعد فترة قصيرة كان ابني عبد العزيز يعمل في منطقة بعيدة عن الحدود ليلا، وبعد انتشار الضباب في البحر، فقد الرؤية، واجتاز قاربه المياه المصرية عن طريق الخطأ، ليهاجمه زورق مصري وجرى اعتقاله، وحتى الآن لا نعرف مصيرهم، رغم أن أفراد العائلتين لم يتركوا جهة إلا وتواصلوا معها، ولا يمكنهم معرفة أي خبر إلا عبر معتقلين مفرج عنهم من السجون المصرية خاصة سجني "طرة" والعزولي بالإسماعيلية، واللذين أكدوا لهم رؤيتهم لأبنائهم خلال فترات الاعتقال، في حين حذروا من أن ثلاثة من المعتقلين الفلسطينيين يعانون أوضاعاً صحية متردية نتيجة إصابتهم بالرصاص خلال الاعتقال. 


في حال نجا الصياد من الموت بالرصاص فإنه لا ينجو من التنكيل

المصير المجهول للصيادين المعتقلين، تقاسيه والدة العشريني أنس صالح بدوان، والتي تجهل مصير ابنها الذي فقدت آثاره في الثامن من يوليو/تموز الماضي بعد هجوم زوارق مصرية على قارب صيد تعطل محركه في مياه البحر قبالة مدينة رفح، مؤكدة أنها لم تتلق أي معلومة رسمية حول مصير نجلها حتى الآن، موضحة أن أحد المفرج عنهم من السجون المصرية أخيرا أخبرها بأن ابنها يمكث في سجن العزولي، وأن قدمه أصيبت بكسر مضاعف نتيجة تعرضها لأكثر من رصاصة، ويعاني ظروفاً صحية صعبة. 

تغيير أوامر إطلاق النار

يجب تغيير أوامر إطلاق النيران، والتعامل مع الصيادين الفلسطينيين بطرق مختلفة، وفتح تحقيق عاجل في الاعتداءات وحوادث القتل خاصة ما وقع لعائلة الزعزوع، للحيلولة دون تكرار الانتهاكات، كما يضيف الحقوقي صلاح عبد العاطي رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني "حشد"، والذي دعا إلى ضرورة تدرّج البحرية المصرية وعدم البدء باستخدام الذخيرة الحية ضد الصيادين، وأن يكون ذلك آخر الخيارات، واستخدام وسائل تنبيه وإنذار، مشددا على أهمية سرعة إطلاق سراح الصيادين المعتقلين، خاصة الناجي الوحيد من عائلة الزعزوع.

وأصدرت نقابة الصيادين والشرطة البحرية تعليمات بتجنب الصيد قرب المنطقة الحدودية، لكن الخطأ وارد من الطرفين، والحديث لنقيب الصيادين، والذي أكد عدم امتلاك الصيادين معدات ووسائل رؤية ليلية ما يجعلهم عرضة لارتكاب الأخطاء، كما أن البحرية في غزة ليست لديها إمكانيات لمنع الأمر ولا يسمح الاحتلال بتحريك زوارقها لمراقبة الحدود، وفق تأكيد مصدر بالشرطة البحرية رفض الكشف عن هويته لكونه غير مخول بالحديث، مضيفا أنه قد يضطر قارب صغير تابع للبحرية الفلسطينية إلى دخول البحر لإعادة أو تنبيه صيادين اقتربوا كثيرا من نقطة الحدود، رغم خطورة الأمر.

ذات صلة

الصورة
عروض الدمى والتعليم

منوعات وميديا

كسرت المعلمة الفلسطينية بنياس أبو حرب رتابة التعليم الإلكتروني التقليدي الذي يحصل عليه الطلبة الفلسطينيون، سواء في فلسطين أو خارجها خلال جائحة كورونا، عبر دمجه بعروض الدمى المعروفة باسم "الماريونيت".
الصورة
الزراعة المنزلية في غزة (عبد الحكيم أبو رياش/العربي الجديد)

مجتمع

شهدت الفترة الأخيرة، التي تلت حلول جائحة كورونا، في قطاع غزة، تزايداً في اهتمام الفلسطينيين بالزراعة المنزلية لأهداف متفرّقة، أبرزها إشغال أوقاتهم في ظلّ حالة الطوارئ والإغلاق، وتفريغ الطاقة السلبية التي خلّفتها الجائحة.
الصورة

سياسة

قال مصدر دبلوماسي مصري، لـ"العربي الجديد"، إن الاتصال الذي أجراه رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي بالرئيس المصري عبدالفتاح السيسي صباح اليوم الجمعة، تضمن إعراب كونتي عن قلقه الشديد بشأن الأوضاع الحقوقية والسياسية في مصر.
الصورة
ما زالت تقدم استشارات للنساء الحوامل حتى اليوم (محمد الحجار)

مجتمع

حتى اليوم، تعرف الكثير من النساء في مخيمات قطاع غزة الداية حورية. هذه المرأة العجوز (85 عاماً) ما زالت تقدّم المشورة للحوامل