الحياة في قلب الخطر... فوضى تراخيص المنشآت التجارية تهدد حياة الغزيين

29 يونيو 2020
الصورة
تقصير حكومي وثغرات قانونية تسببت بكارثة النصيرات (العربي الجديد)
 
تقدم الثلاثيني الغزي محمد الغريب وثمانية من جيرانه، بشكوى إلى بلدية رفح، جنوبي القطاع المحاصر، للمرة السابعة، من أجل المطالبة بإغلاق مخبز يعمل بالغاز الطبيعي ويقع أسفل البناية التي يقطنون فيها، خوفا من وقوع كارثة مشابهة لما جرى بعد حريق مخبز في مخيم النصيرات، وسط غزة، في الخامس من مارس/ آذار الماضي، والذي تسبب في وفاة 25 شخصاً وحروق متعددة الدرجات لخمسة عشر آخرين، بالإضافة إلى خسائر مادية بلغت عشرة ملايين دولار بعد إحراق وتدمير 40 محلاً تجارياً و22 سيارة و4 مصانع طوب ومؤسسة لرعاية المعاقين و3 منازل.

خوف الغريب وجيرانه دفعهم للتقدم بشكويين منذ بداية العام لكن الأمر لم يعد يحتمل التأخير، وتقدموا بالثالثة وأرفقوها بأخرى ولكن إلى الشرطة هذه المرة، ما أدى إلى تدخل اللجنة الفنية الفرعية للسلامة والصحة المهنية في رفح، والتي فرضت على مالك المخبز إجراءات جديدة، أهمها تخفيف عدد أسطوانات الغاز من ثمانية من الحجم الكبير (48 كيلوغرام) إلى اثنتين فقط، وتقليل كمية الوقود المخزنة لاستخدام مولد كهربائي، بحيث لا تزيد عن 100 لتر، ووضع مطفأة حريق.
 
 
 

خريطة انتشار المنشآت الخطرة

تُعرف المنشآت الخطرة بأنها تلك التي يتطلب عملها استخدام مواد قابلة للاشتعال أو قابلة للانفجار، أو فيها آلات تشكل خطرا على حياة العاملين، وتصنف محطات تعبئة غاز الطهي باعتبارها الأكثر خطورة، وعددها 50 محطة منتشرة في القطاع، تليها محطات تعبئة الوقود وعددها 160 محطة، ثم المخابز بعدد 120، والمطاعم الشعبية وعددها 200، ثلثاها منتشرة وسط المناطق المكتظة سكنيا، وفق إفادة العميد سمير الخطيب، مساعد المدير العام لشؤون الطوارئ في الدفاع المدني، والمقدم الدكتور محمد المغير، مدير إدارة الأمن والسلامة في الدفاع المدني.



ولا تقتصر المنشآت الخطرة على المخابز ومحطات الوقود، كما يقول العميد الخطيب والمقدم المغير، إذ كشفا عن انتشار نحو 263 نقطة تعبئة غاز منزلي عشوائية وغير مرخصة تعمل في الخفاء، داخل مخازن أو أسفل بنايات سكنية، وتقوم بتعبئة أسطوانات غاز للمواطنين رغم أنها غير مؤهلة لذلك، ولفتا إلى إغلاق 120 نقطة عشوائية على مستوى القطاع بعضها يتبع للموزعين المعتمدين وعددهم 900، كما تمت مصادرة المضخات، وتحويل المخالفين للنيابة العامة، منذ يونيو/ حزيران 2019 وحتى نهاية مايو 2020.

وأدى وجود الكثير من المنشآت الخطرة في مناطق ملاصقة للمنازل، إلى تقديم 30 شكوى تم تسجيلها منذ بداية مارس وحتى نهاية مايو الماضي، وهو ما دفع "اللجان الفنية للسلامة والصحة المهنية" في القطاع وعددها خمس لجان فرعية ولجنة رئيسية، مكونة من الدفاع المدني ووزارة الصحة ووزارة العمل إضافة لوزارة الاقتصاد الوطني، ومندوب من البلدية التي تتبع لها المنطقة، للعمل على محاولة تأمين المنشآت القائمة، كما يؤكد رئيس اللجنة المركزية، المهندس شادي حلس، والعميد سمير الخطيب.
 
 
 

فوضى التراخيص

مخاوف الغريب وجيرانه يشاركهم فيها سبعة غزيين التقاهم معد التحقيق قرب حريق اندلع في مخبز في منطقة تل الهوى، غرب غزة، في 19 مايو الماضي، إذ انتقدوا منح تراخيص لمنشآت خطرة قرب المساكن، دون استشارة السكان، أو الحصول على موافقة مسبقة منهم، وهو ما يعد مخالفة قانونية، وفق محامي مركز الميزان لحقوق الإنسان يحيى محارب، والذي يستشهد بـ"النظام المؤقت بشأن ترخيص الحرف والمهن والصناعات"، الصادر في عام 1995 عن اللجنة المركزية لتنظيم وبناء المدن في غزة، إذ نصت المادة م5 على "وجوب أخذ موافقة المجاورين للمنشأة، إذا كان موضوع الحرفة أو المهنة أو الصناعة المطلوب ترخيصها يستوجب أخذ موافقة المجاورين، ويجب على اللجنة المحلية الاستيثاق من رأي المجاورين، بالطريقة التي رأتها مناسبة".



ثغرات قانونية


تمتلئ القوانين المعمول بها لتنظيم وترخيص المنشآت التجارية بالثغرات، لكونها متقادمة ولا تلبي احتياجات العصر، وثمة تداخل في الصلاحيات وتعدد في جهات الاختصاص، وفق إفادة رئيس لجنة الرقابة في المجلس التشريعي بغزة، النائب يحيى موسى، الذي قال إن منح الترخيص من المفترض أن يتم عبر جهة واحدة، لكن القوانين تجبر صاحب المنشأة على أخذ موافقات جهات عدة، وهو ما يؤدي إلى حالة إرباك، وعدم تطبيق إجراءات سليمة، الأمر الذي يشاركه فيه المحامي محارب، موضحا أن تنظيم عمل المنشآت الخطرة يستند لقانون تنظيم المدن رقم 28 لسنة 1936 الصادر عن المندوب السامي البريطاني، والنظام المؤقت الصادر لاحقا في عام 1995.

وأعطى النظام المذكور صلاحيات لكل بلدية في أن تحدد شروط الترخيص بشكل منفرد، إذ نصت المادة م2 على أن " تتولى لجان التنظيم المحلية في البلديات والمجالس القروية صلاحية تنظيم وترخيص الحرف والصناعات في مناطق نفوذها بعد استيفاء الشروط القانونية والتنظيمية المعمول بها في البلديات مع عدم الإخلال بالشروط الأخرى، التي نصت عليها القوانين والقرارات الصادرة عن أية وزارة أو جهة رسمية".

ومن جهة ثانية، يعلق المحامي حمزة تركماني، والذي ترافع في عدة قضايا تخص البلديات والهيئات المحلية، بأن المشكلة تكمن في صعوبة تطبيق القوانين السابقة، لأن قطاع غزة تحول إلى كتلة عمرانية مكتظة، وزحف المساكن لم يترك مناطق خالية لإقامة مثل هذه المنشآت، كما أن ارتفاع أسعار الأراضي والعقارات، وصعوبة الأوضاع الاقتصادية تجعل من الصعب إقامة منشآت في مناطق جديدة.
 
 
 

الواسطة والمحسوبية

يؤكد النائب موسى أن لجنته طالبت الوزارات وجهات الاختصاص بالبدء في اقتراح مسودة لمشاريع قوانين جديدة، تحمي المواطن ولا تضر صاحب المنشأة، وإلى حين حدوث ذلك، ثمة دعوة إلى تشديد إجراءات منح التراخيص.

ورغم ما يقال عن إجراءات مشددة، إلا إن ثلاثة مصادر موثوقة، رفضت الكشف عن أسمائها لكونها غير مخولة بالتصريح، أكدت لـ"العربي الجديد"، أن الواسطة والمحسوبية وتدخلات بعض الجهات الحكومية والحزبية، تدفع بعض البلديات والجهات لمنح تراخيص لمنشآت خطرة، والتغاضي عن تجاوزات، وهو ما انتقده موسى، موضحاً أن واقع غزة الصعب وارتفاع ثمن الأراضي والعقارات، وغياب الأماكن البديلة، يدفع المتضررين من تشديد الإجراءات للتوجه لكل الجهات، للمطالبة بتخفيفها.

ما ذهبت إليه المصادر، وثقته "العربي الجديد" عبر توصية لجنة التحقيق الحكومية في حريق النصيرات، التي صدر تقريرها في 21 مارس الماضي، بتقديم رئيس مجلس بلدي النصيرات للتحقيق، وإعفائه من منصبه، وحل المجلس البلدي، وإغلاق محطة وقود نهائياً، (تملك صهريج وقود انفجر في المخبز)، وكذلك إغلاق المخبز بصورة نهائية، وحملت المسؤولية لمجلس بلدي النصيرات، ومسؤول الدفاع المدني في منطقة وسط قطاع غزة، لتغاضيهم عن تجاوزات وصفتها بالخطيرة.



حصار المنشآت الصناعية


كشف تحقيق مستقل في حريق النصيرات أجراه مركز الميزان لحقوق الإنسان (غير حكومي)، أن اللجنة الفنية الفرعية للسلامة والصحة المهنية العاملة وسط القطاع، تجاهلت في توصياتها وجود صهريج مستخدم لتخزين غاز الطهي في مخبز النصيرات يحتوي على 1350 كيلوغراماً من الغاز، غير مطابق للمواصفات وضعيف بسبب التلاعب فيه من قبل إحدى المحطات، وتحويله من ثابت إلى متحرك منذ عام 2004، كما أن المخبز عمل دون إكمال متطلبات الترخيص للعام 2020، وهذا كله تم التغاضي عنه من قبل الجهات المسؤولة التي طلبت من المخبز إصلاح أوضاعه قبل وقوع الحريق بأكثر من أسبوعين، وهو ما يعد مخالفة لنص المادة 8 من القانون رقم 3 لسنة 1998 الخاص بالدفاع المدني، والذي يؤكد على أنه "يجب أن لا تزيد كمية الغاز الموجودة في المخبز أو المبنى على 300 كيلوغرام ..".

ولا بد من مراجعة آليات منح الرخص للمنشآت الصناعية، ونقل الخطرة منها بعيداً عن السكان، وهذا لم يحدث حتى الآن، بحسب مركز الميزان، إذ لا تزال هذه المنشآت منتشرة في كل قطاع غزة، وهو ما دفع مواطنين للمطالبة بتحويل المخابز إلى نقاط بيع، ونقل المعامل التي تستخدم الوقود إلى مناطق بعيدة، ومن بينهم محمود عمر، الذي انتشرت رائحة غاز طهي في منطقة سكنه بمحافظة خان يونس، وبعد السؤال اكتشف أن أحد الأشخاص حول منزله لنقطة لتعبئة أسطوانات الغاز بشكل عشوائي، لافتا إلى أنه أبلغ جهات الاختصاص، لكن استجابتها كانت بطيئة.

بالمقابل وثق معد التحقيق 110 مخالفات وإنذارات حررت بحق منشآت خطرة منذ بداية عام 2020، حتى نهاية مايو الماضي، إذ تم تخفيض كميات الوقود الموردة يوميا لـ32 محطة، بناء على إجراءات سلامة جديدة أقرها الدفاع المدني، لوجودها في مناطق سكنية، كما يقول المقدم المغير، فيما تم إغلاق جزئي وكلي وإنذار 51 محطة وقود لعدم استيفائها الشروط.



وفي السياق، ينتقد المهندس عماد الحوراني، مدير عام هيئة المدن الصناعية بغزة، منح تراخيص لمنشآت في أراض يسمح لاحقاً للمواطنين بالبناء فيها، لأن الأمر خلق مشكلة كبيرة، قائلا: "في السابق كثير من المنشآت حصلت على تراخيص في مناطق نائية وبعيدة عن المناطق السكنية، لكنها ومع الوقت أصبحت محاطة بالمنازل"، وبحسب الحوراني، فإن ثمة تواصل مع الاتحاد الأوروبي لجلب منحة قيمتها 7 ملايين دولار أميركي تشمل الضفة الغربية وغزة، من أجل نقل الصناعات الكبيرة والخطرة من قلب المدن إلى مناطق صناعية جديدة.