صيادو غزة في شباك "الشاباك" الإسرائيلي

صيادو غزة في شباك "الشاباك" الإسرائيلي

غزة
محمد الجمل
22 مايو 2016
+ الخط -
لم تصدق زوجة الصياد الغزي أحمد حامد، أذنها عندما تلقت اتصالا هاتفيا من شخص، ادعى أنه ممثل لإحدى المؤسسات الخيرية العربية، أخبرها بأنها حظيت بفرصة عمل "مؤقتة"، داعيا إياها للاتصال بالرقم مجددا للحصول على معلومات حول الراتب والإجراءات.

للحظات شعرت زوجة الصياد حامد، بأن هناك من يرمي طوق نجاة، لأسرتها التي تعاني فقراً شديداً، بسبب منع الاحتلال لزوجها ورفاقه من الصيد ومطاردتهم منذ سنوات، غير أن شكوكا سرعان ما سيطرت على تفكيرها، وعقب بحث زوجها، تبين أن ثمة 3 مكالمات مماثلة أجريت مع عائلات لصيادين، والمتصل ضابط من جهاز الشاباك، كما أخبر جهاز الأمن الداخلي، الصياد حامد.

بحسب نقابة الصيادين في قطاع غزة، فإن حالة الصياد حامد، ومحاولات التجنيد والتضييق على صيادي القطاع تتصاعد منذ العام 2015، إذ قتلت إسرائيل 12 صيادا فلسطينياً منذ عام 2000، وأصابت 100 بجروح مختلفة، واعتقلت 420 آخرين، أحدثهم مساء الأحد الماضي.


طرق ابتزاز "الشاباك"

ووفق 40 مقابلة أجراها معد التحقيق مع صيادين وتلاها عملية مطابقة معلومات عبر 3 رجال أمن من 3 جهات مختلفة، فإن جهاز "الشاباك" يستخدم ثلاث طرق رئيسية ضمن محاولاته لتجنيد الصيادين، وهي الاتصال هاتفياً بهم أو بعائلاتهم، أو احتجازهم لساعات في عرض البحر وابتزازهم أثناءها عبر تخييرهم ما بين الإفراج عنهم والسماح لهم بالصيد الوفير في مقابل التعاون مع إسرائيل، أو الإفقار واستمرار الاعتقال، وأخيرا نقلهم إلى مركز تحقيق في ميناء أسدود بعد تدمير أو مصادرة معدات عملهم.

من بين من تعرضوا للابتزاز الصياد الغزي أحمد النجار 44 عاما، والذي رفض التعاون مع جهاز الشاباك، بعد مساومته ما بين إمداده بمعلومات عن المقاومة مقابل منحه تسهيلات في الصيد وتركه يبحر كما يشاء، أو تكسر قاربه ومصادرة معداته وهو ما حدث بالفعل، بينما لم تفلح محاولات ضابط الشاباك الذي اقتاد الصياد محمود شاكر، إلى ميناء أسدود بعد اعتقاله، في إقناعه بالتعاون معه مقابل إغراءات مادية وتسهيلات في الصيد، ليطلق سراحه بعد اعتقال استمر يومين، ومصادرة معدات عمله.

هدف الاحتلال

بحسب مصدر في جهاز المجد الأمني "مخابرات المقاومة"، فإن معلومات خاصة حصلت عليها أجهزة الأمن الفلسطينية في قطاع غزة، قادت لاعتقال صياد متعاون مع الاحتلال الإسرائيلي، وصفه المصدر بأنه من أخطر العملاء البحريين.
وأكد المصدر في تصريحات خاصة لـ"العربي الجديد" عبر البريد الإلكتروني، أن الشخص المذكور ويبلغ من العمر (37 عام)، بدأ العمل لصالح جهاز الشاباك في العام 2010، بعد أن تم اعتقاله ومساومته خلال ممارسته عمله في عرض البحر، وأوكلت له مهام عديدة من بينها جلب الأموال والأدوات التي يستخدمها العملاء، ووضعها في نقاط ميتة في عرض البحر، ليأخذها عملاء آخرون لاحقاً، كما عمل على رصد بعض عناصر المقاومة أثناء العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2012، وعدوان 2014، بالإضافة إلى تسريب معلومات عن نشاط المقاومة في منطقة سكناه، وتسليم بعض أسماء المقاومة لضابط الشاباك.

وكشف المصدر عن تثقيف وتوعية الصيادين بأساليب وطرق "الشاباك" للإيقاع بهم، عبر لقاءات دورية يتحدث فيها من هم على اطلاع بأساليب المخابرات وطرقها، ويضع سيناريوهات وإجابات محتملة لكل أساليب ضباط الشاباك التي قد يستخدمونها للإيقاع بالصياد، كما وتستدعي الجهات المعنية كل صياد تعرض للاستجواب أو الابتزاز لمعرفة ما جرى معهم.

وتطابق تصريحات مصدر المجد الأمني، ما أدلى مصدر في المقاومة لـ"العربي الجديد"، مؤكدا على رصد مستمر لما يدور في البحر، وتصاعد التركيز الإسرائيلي على الصيادين. وذكر المصدر (رفض ذكر اسمه)، أن "جيش الاحتلال وضع بشكل شبه دائم ضابطا من جهاز المخابرات الداخلي "الشاباك" على متن زوارقه الحربية، وهؤلاء من يحتجزون الصيادين ويستجوبونهم عبر تحقيق ميداني بعد محاصرة مراكبهم، أو ينقلونهم إلى ميناء أسدود داخل الأراضي المحتلة عام 1948، وهناك تمارس ضغوط شديدة عليهم، وقد يهددون بالاعتقال أو مصادرة معداتهم، وغالبيتهم يرفضون التعاون مع الاحتلال".

ويذهب العقيد الدكتور إبراهيم حبيب، الخبير في الشأن الإسرائيلي، إلى أن أسباب تركيز جهاز الشاباك الإسرائيلي على الصيادين، ترجع إلى محدودية المصادر البشرية التي تزوده بالمعلومات، نظراً لقلة الاحتكاك المباشر مع سكان غزة، قائلا لـ"العربي الجديد"، "الاحتلال يعتمد على معبر إيريز والبحر في الوصول للأفراد ومساومتهم، وابتزازهم للعمل معه".

وبين أن اعتقاد إسرائيل بتعاظم قوة حماس البحرية، جعل الصيادين في دائرة الاستهداف، للحصول على أية معلومات عن أنشطة المقاومة على ساحل البحر. ويوضح حبيب أن اكتشاف المقاومة لدولفين صناعي مزود بكاميرات ومعدات تجسس كان يجوب البحر لتصوير التدريبات والتحركات، ويستطيع إطلاق سهام تقتل رجال الضفادع البشرية، يعد جزءا من منظومة تكنولوجية متطورة تستخدمها إسرائيل لمراقبة سواحل القطاع.


الحصول على المعلومات من العملاء

لكن كيف يحصل ضباط المخابرات الإسرائيليون على معلومات من أحد عملائهم البحريين، يجيب مصدر "العربي الجديد" والذي يعد قائداً ميدانياً في المقاومة، بأن الهاتف لا يكفي لنقل المعلومة، وقد يرغب ضابط الشاباك في مقابلة العميل، فيقوم جنود البحرية الإسرائيلية باحتجاز عدد من قوارب الصيد تضم عشرة صيادين أو أكثر من بينهم الشخص المقصود، ويتم نقلهم لزورق إسرائيلي، ويخضع كل منهم للاستجواب على انفراد، وبذلك يتمكن الضابط من مقابلة الشخص الذي يرغب دون إثارة أي نوع من الشكوك، "وهو ما قد يتكرر كثيراً، إذ ينشط سلاح البحرية الإسرائيلية في"المياه الأكثر سخونة" قبالة شواطئ قطاع غزة، منذ أسابيع"، بحسب الدكتور عدنان أبو عامر، الخبير في الشأن الإسرائيلي، قائلا "المنطقة المخصصة للصيد في مياه غزة قد تتحول في لحظة واحدة إلى منطقة قتال".

وأوضح أبو عامرلـ"العربي الجديد"، أن الصيادين هم الأكثر استهدافاً، في محاولة لتجنديهم للعمل مع جهاز الشاباك الإسرائيلي الذي يتوق لأي معلومة عن الوحدات البحرية للمقاومة.

وشدد على أن الإسرائيليين يتخوفون من أن يتمكن الكومادوز البحري التابع لحركة "حماس" من الوصول لأحد حقول الغاز التابعة لمنطقة عسقلان جنوب إسرائيل، وخلال دقيقة واحدة قد يصلون إلى شواطئ "زيكيم"، حيث نفذت "حماس" خلال الحرب الأخيرة على غزة في صيف 2014 عمليتها الشهيرة هناك، بالقرب من حقل "تمار" للغاز الطبيعي، في ظل عدم وجود جدار أمني يمكن أن يوقف المتسللين الفلسطينيين.

4000 آلاف صياد في دائرة الاستهداف

يعمل 4000 صياد على ساحل غزة، بحسب نزار عياش نقيب الصيادين الفلسطينيين، والذي أكد لـ"العربي الجديد"، أن الاعتداءات تصاعدت كما ونوعاً منذ منتصف العام 2015، لابتزاز الصيادين ومساومتهم. وأكد أنه وفق الأرقام والإحصاءات المتوفرة لدى النقابة فإن 70% من الصيادين تعرضوا لاعتداءات مباشرة من قبل الاحتلال، تمثلت في الاعتقالات أو إطلاق النار أو مصادرة معدات صيد، والمساومة، و100% منهم تعرضوا لانتهاكات غير مباشرة عبر إلزامهم بمناطق صيد معينة، فقيرة في الأسماك، ما أدى إلى دخول 85% منهم تحت خط الفقر المدقع.

ويبلغ طول شاطئ غزة 42 كيلو مترا، ويسمح للصيادين الذين يستخدمون 1000 مركب صغير ومتوسط الحجم، بالصيد والملاحة في مسافة 37 كيلو منها، إذ تم استقطاع مسافة كيلو ونصف بمحاذاة الحدود المصرية البحرية كمنطقة أمنية يمنع على الصيادين اختراقها، كذلك ثمة حوالي ضعف هذه المسافة على حدود قطاع غزة مع دولة الاحتلال.

وخلص معد التحقيق من خلال سلسلة من المقابلات شملت 40 صيادا من مختلف أنحاء قطاع غزة، إلى أن نحو 15% من الصيادين تخلو عن مهنتهم وانصرفوا لمهن أخرى بسبب المضايقات الإسرائيلية، في حين ثمة حوالي 20% من الصيادين، باتوا يقتصرون في عملهم على مواسم هجرة الأسماك وهي شهران في الخريف ومثلهما في فصل الربيع.


تسهيلات خادعة

يؤكد المهندس جهاد صلاح، مسؤول قطاع الصيد البحري في وزارة الزراعة بغزة، أنه منذ بداية العام 2014 تم مصادرة 36 قاربا ومركب صيد فلسطينيا من قبل قوات الاحتلال، سبقتها مصادرة عدد مماثل في عامي 2012 و2013، وأكد استرجاع 54 قاربا، ولازالت سلطات الاحتلال تحتجز حوالي 15 قاربا آخر. وقلل من أهمية القرار الإسرائيلي بتوسعة مساحة الصيد البحري حتى مسافة تسعة أميال غرباً بدلا من ستة، كون هذا القرار يشمل نصف شاطئ القطاع، ويستثني أهم المناطق وأغناها بالأسماك، وهي من وادي غزة وسط القطاع حتى الحدود مع دولة الاحتلال شمالاً.

ووفقا لاتفاقية أوسلو وقبل العام 2007، كان بإمكان الصيادين الإبحار حتى مسافة 21 ميلا بحريا غرباً، وهو ما انعكس على صيد كميات بلغت نحو 4000 طن من الأسماك سنوياً، انخفضت عقب فرض الحصار منذ العام 2007 إلى 1500 طن سنوياً. وهو ما دفع صيادي غزة، إلى محاولة الصيد في المياه الإقيلمية المصرية، هربا من زوارق الاحتلال، غير أن البحرية المصرية قتلت 4 منهم، واعتقلت 7 سبعة آخرين بحسب الأجهزة المعنية في غزة.

دلالات