الفارون من حصار غزّة... جيش الاحتلال يعدم الهاربين إلى الحياة

غزة
محمد الجمل
02 مارس 2020
+ الخط -
يتذكر العشريني الغزي وسام اسعيفان تفاصيل إطلاق جنود الاحتلال كلاباً بوليسية تجاهه، نهشت جسده وشوّهت عظام قفصه الصدري، في عام 2015، شرقي مدينة رفح جنوب قطاع غزة، بعد محاولته الهروب من جحيم الفقر والبطالة في القطاع المحاصر منذ عام 2006.

تعرض اسعيفان لكسور بليغة في أنحاء جسده، وصعقه الجنود بالكهرباء، كما رشه أحدهم برذاذ الفلفل على وجهه، وبعد نقله إلى المستشفى تعرّض للضرب على جراحه من قبل حراس إسرائيليين، ما زاد من حدة نزيفه، كما رفض الأطباء الإسرائيليون علاجه، وأعادوه إلى المعتقل.

ووفق اسعيفان الذي أفرج عنه بعد اعتقال استمر ستة أشهر، فقد شاهد في المعتقل 30 شاباً تعرضوا البطش والتنكيل، بعد محاولتهم اجتياز حدود القطاع، من بينهم شاب من عائلة أبو خوصة، مزّقت الكلاب ظهره.



ظاهرة متصاعدة

أعدم الاحتلال 21 قاصراً وشاباً بعد اجتيازهم نقطة الحدود شرقي القطاع منذ إبريل/ نيسان 2018، وحتى 23 فبراير/ شباط الماضي، بحسب إفادة المحامي في مركز الميزان لحقوق الإنسان يحيى محارب، ورئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة شؤون الأسرى الحكومية عبد الناصر فروانة، والذي أكد أن عدد المعتقلين ممن اجتازوا الحدود الشرقية منذ بداية عام 2019 وحتى نهاية فبراير/ شباط وصل إلى 96 فلسطينياً.

ويجمع 12 معتقلاً أفرج عنهم بعد محاولتهم اجتياز الحدود على أن الفقر والبطالة ومحاولة البحث عن فرص عمل خارج القطاع هي دوافعهم لخوض غمار التجربة القاتلة.

وتبلغ نسبة البطالة في غزة 50% ويوجد ربع مليون عاطل عن العمل في القطاع المحاصر، بينما تصل نسبة العاطلين من الشباب إلى 63%، وتجاوزت معدلات الفقر نسبة 53% من إجمالي السكان البالغ عددهم 2 مليون، وفق ما يقوله الدكتور ماهر الطباع مدير العلاقات العامة والإعلام في غرفة تجارة وصناعة محافظة غزة.



ثلاثة مستويات من الوحشية

تتراوح أعمار من يقدمون على هذه المحاولات المميتة بين 14 عاماً و30 عاماً، ويهدفون إلى الوصول إلى قرى ومدن عربية، مثل بئر السبع التي تقع على بعد 55 كيلومتراً من حدود غزة، وفيها أقرباء لهم يحملون الهوية الإسرائيلية، وفق ما وثّقه معد التحقيق.

وبعد اعتقال من يتجاوزون الحدود أو السيطرة عليهم من جنود الاحتلال، يتم تصنيفهم، وفق فروانة، إلى 3 فئات، الشهداء وتنقل جثامينهم إلى الثلاجات ومقابر الأرقام، ويوجد 19 جثماناً محتجزاً منذ إبريل/ نيسان 2018 وحتى فبراير/ شباط 2020، والجرحى وينقلون للعلاج في ظروف قاسية ومعاملة وحشية، مثل الربط بالسلاسل في سرير المستشفى، والفئة الثالثة وهم المعتقلون وهؤلاء يتعرّضون للاستجواب والتحقيق القاسي.

ولا يفرق الاحتلال في المعاملة بين القصر، وعددهم 50 طفلاً، والشباب وعددهم 46 معتقلاً، ومن بينهم محمود بكر، الذي اعتقل عام 2018، كما روى لـ"العربي الجديد"، قائلاً: "بالإضافة إلى الضرب والإهانة وتمزيق الكلب لجسدي، تم تقييدي وربطي في سيارة جيب عسكرية، سحلتني نصف كيلومتر، قبل الزجّ بي في العربة العسكرية".



ويعاني المفرج عنهم من المعتقلين بعد اجتيازهم السياج الحدودي من وضع نفسي وصحي متدهور، بحسب إفادة مصدر مطلع في معبر بيت حانون "إيريز"، فضّل عدم الكشف عن اسمه كونه غير مخول بالتصريح، مؤكداً أنهم جميعاً اشتكوا من تعرضهم للتنكيل والتعذيب بأساليب وحشية في السجون، إضافة إلى المساومة والابتزاز من أجل تجنيدهم، وفق ما يقوله المصدر الذي يعدّ أول من يستقبلهم فور عودتهم إلى القطاع، بعد انتهاء فترة اعتقالهم.

ونشرت وزارة الداخلية في غزة مئات العناصر من قوة "الضبط الميداني"، منذ بداية عام 2017، على طول الحدود، بهدف منع عمليات اجتيازها، وفق ما يؤكّده المصدر الأمني المطلع قائلاً: "نجحنا في إحباط 60% من عمليات التسلل واحتجزنا 50 شاباً قبل وصولهم إلى نقطة الحدود حتى نهاية عام 2019".


إعدام واحتجاز

تعيش عائلة الفتى الغزي محمد هاني أبو منديل "17 عاماً" حالة ترقب وقلق، بانتظار تلقي معلومات مؤكدة حول مصير ابنها الذي اختفت آثاره بعد اجتيازه الحدود الشرقية لوسط القطاع برفقة فتيين آخرين، في الحادي والعشرين من يناير/ كانون الثاني الماضي.

وبحسب والدة أبو منديل، فإن ابنهم كان أعزل واجتاز الحدود برفقة أصدقائه للبحث عن فرصة عمل، وحين شاهدوا عربات عسكرية تحاصرهم استسلموا، لكنهم سرعان ما تعرضوا لإطلاق نار مباشر، ومن مسافة قصيرة، وقد أعلنت وسائل إعلام عبرية قتلهم جميعاً.


غير أن المحامي محارب أكد أنه في حالات الاعتقال تصل إليهم معلومات عن المعتقلين وأماكن احتجازهم، لكن في حادثة أبو منديل لم يتلقوا أي معلومة، ما يشير إلى أن الثلاثة تعرضوا للقتل، وأن الاحتلال قرر التحفظ على جثامينهم وعدم تسليمها إلى ذويهم، وهو ما يؤكده مصدر أمني مختص بمراقبة الحدود، قائلاً إن أبو منديل ومن معه أعدموا من مسافة قريبة برصاص جيش الاحتلال، بعد وقت قصير من اجتياز أسلاك شائكة شرق مخيم المغازي، رغم استسلامهم، وأن الاحتلال وضع الجثامين في أكياس سوداء، ونقلها في عربات عسكرية.

وتقدم مركز الميزان بـ 14 طلب تدخل لـ "المدعي العام الإسرائيلي"، من أجل استرداد جثامين شهداء محتجزة لدى الاحتلال غير أنه لم ينجح إلا في استرداد جثمانين فقط، فيما لا تزال 19 جثة محتجزة لدى الاحتلال، من بينها جثة الطفل يوسف جاسر أبو جزر (15 عاماً)، والذي أكد والده لـ"العربي الجديد" أنه لم يترك جهة حقوقية أو أممية إلا وتوجه إليها طالباً المساعدة في استرداد جثمان ابنه الذي استشهد في 29 إبريل/ نيسان 2018.


قصاصو الأثر وكاميرات الرصد

يستعين جيش الاحتلال بما يسمى "وحدة قصاصي الأثر" وبعض جنودها من البدو المنتشرين على حدود القطاع، وينفذون عمليات تمشيط لرصد آثار الأقدام الجديدة، ولديهم جرافات خلفها محاريث لتسوية الأرض باستمرار من أجل كشف الآثار الجديدة وكلاب بوليسية، ومعدات رؤية ليلية، وهي التي تتعامل مع المعتقلين بحسب ما يؤكّده المختص في الشأن الإسرائيلي حسن لافي.



ويؤكد 12 معتقلاً جرى الإفراج عنهم أن أفراد الوحدة يستخدمون طرق تنكيل قاسية، وهو ما حدث مع جثمان الشهيد محمد علي الناعم "27 عاماً" والذي تعرض جثمانه للدهس والرفع بواسطة جرافة شرق خان يونس، قبل اختطافه صباح الثالث والعشرين من شهر فبراير/ شباط الماضي.

وتدرك المقاومة في غزة خطورة كاميرات المراقبة المنتشرة شرق القطاع، والتي تحولت إلى أعين للاحتلال، إذ تمكن قناص فلسطيني من إصابة وإعطاب ست كاميرات مراقبة شرقي بلدتي خزاعة والفخاري الحدوديتين جنوب القطاع، في 30 يناير/كانون الثاني الماضي، وتكرر الأمر في 19 فبراير/ شباط الماضي.

ويروي شاهد العيان المزارع إبراهيم جراد أنه شاهد ثلاثة فتية تعرضوا للاعتقال في شهر أغسطس/ آب 2018، جميعهم كانوا عزلاً، بمجرد اجتيازهم الحدود بعدما رصدتهم كاميرات المراقبة، إذ تعرضوا لإطلاق نار، وسارعوا بالنزول في حفرة صغيرة، وبعد وصول آليات مدرعة إليهم، طلب منهم الجنود التجرد من ملابسهم، وتركوهم ساعة ونصف تحت لهيب الشمس الحارقة، قبل أن يتحرك جنود نحوهم، وضربوهم بأعقاب البنادق وركلوهم بأرجلهم، وصعقوهم بآلات كهربائية، ثم اعتقلوهم.



شرعنة الانتهاكات

يضع طلاب مدرسة شهداء المغازي وسط قطاع غزة أكاليل من الزهور على مقعدي زميليهما الراحلين محمد هاني أبو منديل، وسالم زويد النعامي، وكلاهما في الصف الثاني عشر، بعدما نظموا وقفات احتجاجية للمطالبة باسترداد الجثامين، لكن جيش الاحتلال يمتنع عن الأمر، وهو ما يتفق مع قراره بالتعامل مع الفلسطينيين الذين يتسللون من قطاع غزة إلى "إسرائيل" باعتبارهم "مقاتلين غير شرعيين"، والذي صدر عن وزير الجيش نفتالي بينيت في السادس من يناير/ كانون الثاني الماضي، إذ قرر بينت أن المعتقلين والجثامين سيستخدمون للمساومة في المفاوضات المستقبلية لتبادل الأسرى مع المقاومة، الأمر الذي وصفه فروانة والحقوقي صلاح عبد العاطي رئيس الهيئة الدولية للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني "حشد" بالتجاوز الخطير لاتفاقيات جنيف الأربع، والتي تؤكد أهمية حماية المدنيين وإخضاعهم لمحاكمات عادلة.

وحذر فروانة من خطورة اعتبار من يتم اعتقالهم شرقي القطاع مقاتلين غير شرعيين، لأن الأمر يسقط عنهم كل القوانين والاتفاقات الدولية، ويعطي ضوءاً أخضر لأجهزة الأمن الإسرائيلية للتنكيل بهم، وحرمانهم من كل حقوقهم، واستمرار اعتقالهم دون تقديم لوائح اتهام أو محاكمات.

وتشكل المخالفات والانتهاكات التي ترتكبها قوات الاحتلال بحق المعتقلين خرقاً خطيراً للمعايير الدولية الخاصة بحقوق المعتقلين، خاصة البند الأول من المادة (9)، والبند الأول من المادة (10) والمادة (14) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966، وجميعها توجب على دولة الاحتلال معاملة المعتقلين بشكل إنساني، وتحظر إعدامهم أو التنكيل بهم.

ويصنف استهداف الاحتلال للأطفال باعتباره انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني ويخالف الفقرة الأولى من المادة 3 من اتفاقية جنيف الرابعة، والتي تنص على "أنه يحظر الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية، وبخاصة القتل بجميع أشكاله، والتشويه، والمعاملة القاسية، والتعذيب".

ذات صلة

الصورة
جثامين الشهداء (العربي الجديد)

مجتمع

بعد أكثر من ثلاث سنوات على استشهاد الشاب الفلسطيني براء عطا من قرية دير أبو مشعل شمال غرب رام الله وسط الضفة الغربية؛ فإن والدته لا تعلم مكان احتجاز سلطات الاحتلال الإسرائيلي جثمانه، "نحن لا نعرف أين هم أبناؤنا؟ هل هم في مقابر الأرقام؟
الصورة
غزة

تحقيقات

تحيط ثلاثة جدران بغزة، اثنان تكمل دولة الاحتلال بناءهما من الناحية الشرقية والشمالية، وآخر يواصل المصريون إتمامه جنوبا، بينما تغلق البحرية الإسرائيلية مياه القطاع، ما يفاقم من معاناة أهله المحاصرين منذ 13 عاما
الصورة
فيلم غزة (عبد الحكيم أبو رياش)

منوعات وميديا

تزينت "سينما عامر" القديمة وسط مدينة غزة بأضواء مهرجان "السجادة الحمراء"، بينما جُهز الشارع المؤدي إليها من الناحية الجنوبية بسجادة حمراء كبيرة فرشت من بدايته وصولاً إلى الشاشة الضخمة التي خصصت لتقديم وعرض الأفلام، بينما ضمت مئات الحضور.
الصورة
تاليا ثابت- الأناضول

منوعات وميديا

الشابة الفلسطينية تاليا ثابت، المتخصصة في علم النفس، تتخذ من تدريب الكلاب مهنة لها، متحدية بذلك الأعراف المجتمعية التي جعلت هذه الحرفة قصراً على الرجال.