عن أزمات الحجاب والأقباط والمواريث في مصر

30 نوفمبر 2018
الصورة

في ذكرى ثورة يناير في ميدان التحرير (25/1/2018/فرانس برس)

شغلت النخبة المصرية ثلاث قضايا أخيرا، وأبانت مقارباتها اتجاه عموم الواقع المصري نحو النضوج، على الرغم مما يعتوره من حالة انسداد الأفق التي صاحبت مصادرة المجال العام. ويبدو من معالجة النخبة المصرية هذه القضايا أنه على الرغم من وجود قطاع من هذه النخبة يتسم أداؤه بالدولتية والأداء الاستعراضي الذي لا يخلو من سطحية، إلا أن قطاعا واسعا، ويتنامى، يتجه نحو عقلانيةٍ سياسية، ستضاف قيمتها لما يشتد عوده في المجتمع المصري من حوارٍ واتجاه إلى تقارب سياسي لم ينضج كاملا بعد، فضلا عن النضال النخبوي والتحدّي الذي باشره رموز سياسيون في مواجهة سياسة التخويف التي تباشرها سلطة "3 يوليو". ما ملامح معالجة هذه القضايا؟ وما وجه الإيجابية والنضج فيها؟
المؤشر الأول: يتعلق بقضية الحجاب، ولعل جديد فصول محاولة إشعال الموقف باستخدامها تمثلت في إقدام النائب غادة عجمي، وكيل لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب المصري، على التقدم بمقترح قانون لحظر النقاب في الأماكن العامة، وذلك في الرابع من الشهر الماضي (نوفمبر/ تشرين الثاني). وبدون مقدمات، ومع غياب ردود الأفعال، وبعد أيام من تصريحها بالمبادرة، أعلنت النائبة تراجعها عن تقديم المقترح، معللة ذلك بأنها لا تريد انقساما في المشهد السياسي المصري. كان المترقب أن يقترن بتصريحها بسحب المشروع قدرٌ من الضجة التي لم تصاحب تصريحها حول تقديمه، لكن الحدثين مرا بدون سجال ذي وزن. ويبدو أن حالة النقاش الهادئ التي أعقبت صراخ قيادات سلفية، عقب خلع الفنانة المصرية، حلا شيحة، للحجاب، وعالجت القضية بهدوءٍ في ضوء الحريات العامة، أدّت إلى وقاية المشهد الثقافي/ السياسي المصري من ضجيج جديد. واللافت هنا أن الصراخ المشار إليه جاء من ممثلين للتيار السلفي المنحاز لإدارة "3 يوليو"، ومنه تصريحات الداعية حازم شومان ومواعظه، و"دعوة الثبات" التي قدمتها زوجة الداعية محمود المصري، وفتوى الشيخ ياسر برهامي تكفير كل من يدعو "المرأة المسلمة" إلى خلع الحجاب، ورافقه تصريحات من بعض النواب، أبرزهم محمد أبو حامد، المعرف بولائه لإدارة "3 يوليو".
لا يؤثر الحجاب، باعتباره ظاهرة، في الوضع السياسي، لكنه يؤثر بوصفه قضية مرجعية.
 ومن ثم، لا يمكن الحديث عن وقوف إدارة "3 يوليو" في مربع قبول الظاهرة أو رفضها، ولكن يمكن القول إنها تقف في مربع فتح باب الجدال بشأن القضية في الأوساط المجتمعية، وعن علاقته بالإسلام وحضوره المجتمعي، وهي القضية التي سبق لمجلة بوزن "فورين أفيرز" إثارتها، في مقال مشترك لكاتبين، مصري وأميركي، حمل عنوان "الثورة الاجتماعية الهادئة في مصر"، غير أن محطة المقترح التشريعي بحظر النقاب لم تكن الأولى في إثارة هذه القضية التي طالما نجحت إدارة حسني مبارك في استخدامها محفزّا حرائق سياسية/ ثقافية.
كانت المحطة الأولى لإثارة هذه القضية إقدام السياسي المصري، بهاء أنور، رئيس حزب العلمانية، في العام 2013، على الدعوة إلى "مليونية خلع الحجاب"، ثم تجدّدت في أبريل/ نيسان 2015، مع دعوة الصحافي شريف الشوباشي تحت الاسم نفسه، وإن حملت بعدا ليبراليا بقصره الدعوة على المحجبات اضطرارا تحت الضغط الأسري، أو الحرج المجتمعي، أو حتى الرغبة في الزواج. واللافت في معالجة المجتمع هذه الأزمة ما صدر عن ناشطات غير محجبات، رأى بعضهن في الدعوة عدم تقدير لأولويات المجال العام "المغلق"، في حين انتقدت أخريات الدعوة، لأنها (برأيهن) لا تختلف عن دعوات التيار الديني المؤيدة للحجاب، فكل منهما يرغب في تحريك المرأة في الاتجاه الذي يراه، من دون أن يترك لها حرية الاختيار. وبجانب هذا الموقف المتوازن، تحرّك رئيس مجلس الدعوة السلفية الشيخ ياسر برهامي لـ"تكفير" مروجي دعوات كهذه، ثم أعاد موقع الدعوة السلفية إعادة إنتاج الفتوى في مارس/ آذار 2017 في إجابة لمستفتٍ تساءل عن "حكم الدين فيمن يطالب المرأة بخلع الحجاب".
المؤشر الثاني: قضية المواريث. وهي أحد الملفات الموروثة عن فترة "الشدة المباركية"، وأعيد تدويرها لأغراض استقطابية في المشهد المصري مرتين، في أعقاب طرح الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي لها، لتحقيق غرض مشابه في تونس. وعلى الرغم من أن النخبة العلمانية الديمقراطية تتوافق مع طرح الرئيس التونسي من جهة المبدأ، إلا أنها لم تتجاوب مع جهود تحويل القضية إلى حملة أو سجال ثقافي، وتضاءل حجم المشاركة في الحملة بخصوصها؛ ربما باستثناءاتٍ قليلة، منها تصريح رئيس حزب الدستور، خالد داود، بتأييد المبدأ.
ومع اقتصار الحديث على امتناع التيار الديمقراطي وحده، من دون القطاع الدولتي، عن النفخ في أوار هذه القضية، إلا أن هذه القضية، كسابقتها، اتسمت بسمةٍ أخرى ذات دلالة، حيث لم تشهد إلا رواجا محدودا داخل المؤسسات الإعلامية التي تشرف عليها أجهزة الدولة، وندر أن عولجت خارج دائرة الإعلاميين، غير أن المشاركات النادرة في هذا الملف لا يمكن فيها فصل تأثير إعلاميي "الأذرع" عن تورّط بعض رموز التيار العلماني الديمقراطي في تصريحاتٍ كهذه رصدتها في هذه القضية. وبالنظر إلى حال المؤسسات الإعلامية المصرية وتوجهاتها، والتحديات المجمع على معاناة المهمة منها؛ لا يمكن القطع بأن هذه التصريحات قد صدرت فعلا عمن نسبت إليه.
المؤشر الثالث: قضية أقباط دمشاو هاشم، والتي تضمنت، بحسب الرواية الأمنية، اعتداء 
مواطنين في صعيد مصر على مواطنيهم الأقباط، في حادثة تضمنت حوادث سلب. شهدت هذه القضية معالجة أكبر كثافةً وأعمق تناولا من سابقتيها، لأنها تتعلق بقيمةٍ وطنيةٍ ذات أولوية، وطبيعي أن يهتم بها كل رموز العمل العام في مصر. كما أنها شهدت محاولاتٍ من كتاب ورموز علمانية "استئصالية" لفتح شهية العلمانيين الديمقراطيين للانخراط في الحملة بخصوصها، بما تضمن اختصام الأزهر، على نحو ما بدا في خطاب الكاتبة سحر الجعارة، واختصام التيار السلفي كذلك؛ على نحو ما بدا في خطاب الإعلامي، رئيس تحرير صحيفة المصري اليوم، حمدي رزق، آنذاك. إلا أن معالجات العلمانيين الديمقراطيين القضية رفضت استعادة نهج مبارك في تحويلها إلى مواجهة إسلامية – قبطية، وربطت الجريمة بعموم الأزمة السياسية المصرية، وسوء الإدارة، وأكدت على توفير معالجةٍ قانونيةٍ للأزمة، وطالبت بالابتعاد عن منهج التسوية السياسية المعتاد، بما تضمنه من "معالجة عرفية" أو ما أسموها "جلسات تقبيل اللحى".
كان لافتا في هذه القضية أنها انتهت بإقالة رئيس صحيفة المصري اليوم لمقاله المشار إليه، والذي تضمن الدعوة إلى استئصال السلفيين، مع المعالجة القانونية للأزمة، وهو خليط إشكالي، ويتضمن تناقضا كبيرا، إلا أن دعمه خطاب المحاسبة القانونية، ورفضه المعالجات العرفية المأزومة والمؤزِّمة التي تفضلها أجهزة الدولة السيادية والأمنية؛ ربما كان خلف إقالته.