في وزن القوى المدنية الديمقراطية المصرية

06 سبتمبر 2018
الصورة
ما هو وزن القوى المدنية الديمقراطية في مصر لكي نقدّم لها تنازلات؟ سؤالٌ تشهده ساحات شبكات التواصل الافتراضي في نقاشات المستقبل بين الدعويين والسياسيين من الإسلاميين. وبينما يبدو جل الفصيل السياسي أكثر نضجا واندفاعا في بناء روح مدنية مصرية "وسطية" جامعة، تلتقي بإرادات الديمقراطيين على الجانب الآخر، يظل الدّعويون قوة تجذب الخطاب السياسي الإسلامي نحو خطّ اليمين الذي ما زال بدون أفق سياسي واضح، يمكن تمريره لعموم جمهور الإسلاميين. بات هذا الحكم التعميمي من الوضوح بحيث لا يمكن نكرانه، اللهم إلا إذا أراد بعضُهم تغيير تسمية السياسيين إلى الواقعيين الذين ينتمي إليهم أغلب قادة الجماعة، بحسب المؤشرات الصادرة عنهم وعن فضائيات الجماعة، وقد يطالبون بتحويل تسمية الدعويين إلى المثاليين الرومانسيين أو اليمينيين. وأؤثر استخدام تسمية الدعويين في مقابل السياسيين، من قبيل التفكير الرغبوي البناء.
يحتاج السؤال المشار إليه ثلاث إجابات، على الرغم من عدم وجاهته؛ إذ إن مؤشرات إجابته واضحة، غير أن تقديم إجابةٍ كهذه يحمل أملا بأن يؤدّي تكرار سرد مؤشراتها بقلم أكثر من كاتب، وبتصريحات أكثر من مفكر، إلى تجنب طرح هذا السؤال الذي ربما كان لائقا أن يطرحه السياسيون والدعويون معا قبيل 30 يونيو/ حزيران 2013، أو بعد انقلاب "3 يوليو" بأسابيع، إن لم يكن بأيام. وفيما يلي الإجابات الثلاث..
الإجابة الأولى أن أحدا لم يطلب من أحدٍ تقديم تنازلات. هذا حقيقي، على الرغم من غرابته. كل ما يطلبه حكماء الجانبين أن يجري دعم لبنات البناء المشترك بين طرفي التيار 
الديمقراطي، وهو البناء الذي يعني نقيض الوضع الراهن في مصر، فالمطالب المشتركة للتيار الديمقراطي، بطيفيْه، لا تعدو أن تكون احترام الدولة المصرية ومؤسّساتها، ومن بينها حوكمة عملية صناعة القرار، وتحقيق سيادة القانون، وضمان العدالة، وتأمين مساءلة رموز السلطة حيال خطاياهم في حق المواطن والمال العام، ومواجهة الفساد، ورفض ومعالجة آثار تركيع السلطة التنفيذية لكل المؤسّسات غير التنفيذية للدولة، ورفض التنكيل بالمواطنين وفق معايير أيديولوجية، واحتواء حالة الإفراط في الاستدانة ومعالجة آثارها، واستعادة مستوى الإنتاجية المأمول عبر التشغيل الأمثل للموارد، ومعالجة غياب الاحتياجات الأساسية للمواطنين، ومن بينها الأدوية، وتمكين المجتمع من استعادة عافيته ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا، واستعادة المؤسسة العسكرية وظيفتها، وتطوير أداء الأجهزة الأمنية بما يلبي تطلعات المواطن المصري دافع الضرائب والرسوم والغرامات والمخالفات والجبايات والإتاوات والإكراميات، وسائر فواتير الأداء الاقتصادي المصري.
هذا هو المطلوب، وهو المشترك الذي يبحث مهندسوه عن دعمه. ويفطن القارئ إلى أن أيا من هذه المطالب لا يحمل طلبا بتقديم تنازلات. وإذا كانت الإجابة الأولى على هذا السؤال غريبة على آذان القطاع المتصلب من الجانبين، فإن المفاجأة الثانية أن الطرفين، الإسلامي والعلماني، أكدا هذا الأمر، وإنْ بأسلوبٍ متفاوت، فالتيار العلماني قبل تطور مواقف أوسع مكوناته في الفترة الأخيرة، كان يطالب بتعميم قبول الإخوان المسلمين مواطنين لهم حق المواطنة، وليس باعتبارهم "جماعة". النخبة العلمانية تعلم أن "الإخوان كأفراد" يحملون مقدّسا اسمه الهوية الإسلامية، ولم يطالبوهم بنبذ هذه الهوية، وإنما طالبوهم بإعادة النظر في علاقتهم بقيادةٍ بدت، في هذه الآونة، وكأنها لا تحمل رؤيةً لإدارة الظرف التاريخي. وفي المقابل، صرّح الأمين العام لجماعة الإخوان، محمود حسين، في الاحتفال التسعيني بتأسيس الجماعة، إنه يدعو إلى الاصطفاف الوطني، ولا يطالب أحدا بتقديم اعتذاراتٍ أو تنازلات. وحملت مبادرة "الجماعة"، الصادرة في 13 أغسطس/ آب 2018، تأكيدا على تعدّدية الأفكار والرؤى، ورفضا لاعتبار نفسها محتكرةً تمثيل المجتمع المصري، فمن الذي يتحدّث عن تنازلات؟
ربما يدور التساؤل عن قبول الطرف الإسلامي العلمانية، وقبول الطرف العلماني الشريعة، لكن طرح قضية خلافية كهذه مع وجود هذا القدر الهائل من المشتركات "ذات الأولوية" يعطي انطباعا بأن السؤال ينطوي على قدرٍ من غياب حسّ المسؤولية، إن لم يكن طرحا مغرضا يقدّمه من لا يريد حلا للمعضلة المصرية. إن طرح تساؤلٍ كهذا وارد، مع تجاوز مصر مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية. وربما حتى ذلك الحين يقدم حكماء الطرفين اجتهاداتٍ جديدةً، ومراجعاتٍ لمفاهيم تشكّلت في حقب التجريف، ولم يعد لها محلٌّ في المستقبل. وتقديري أن المستقبل سيأتي بتساؤلاته الخاصة به، كما سيأتي باجتهادات الإجابة عليها، وسيكون لعموم المصريين آنذاك فرصة فرز "الجادّين" "المجدّدين" من أولئك الذين أخلدوا إلى الأرض، واتبعوا أهواءهم.
الإجابة الثانية حول وزن التيار المدني، مقارنة بالإسلاميين، يمكن استلهامها من التاريخ القريب، أو نتائج الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية لعام 2012، وهي الرئاسيات الوحيدة ذات النزاهة في تاريخ مصر. ففي الجولة الأولى من هذه الانتخابات، حصل الرئيس الأسبق، محمد مرسي، على 24٫78% من إجمالي الأصوات الصحيحة، وحصل مرشح قوى ما قبل ثورة يناير، الفريق أحمد شفيق، على 23٫7% من هذه الأصوات، وحصل المرشح المدني حمدين صبّاحي على 20٫7%، وحل عبد المنعم أبو الفتوح رابعا بنسبة 17٫5%. وفي آخر الأرقام المعتبرة، حصل المرشح الدولتي عمرو موسى على 11% تقريبا. أما بقية المرشحين الثمانية فحصل أعلاهم المستشار محمد سليم العوا على نسبة 1٫01% من إجمالي الأصوات الصحيحة.
ولو أعدنا ترتيب هذه الأرقام وفق تداعيات ما حدث، منذ نوفمبر/ تشرين الثاني 2012، سنجد أن نصيب التيار الإسلامي الديمقراطي قد يبلغ 33% من أصوات الناخبين، منهم 24% صوتوا لمرسي، و7% هي نسبة الأصوات السلفية والإسلامية التي ذهبت إلى أبو الفتوح، بالإضافة إلى أصوات المستشار محمد سليم العوا البالغة 1%، وأصوات ناخبي السفير عبد الله الأشعل (0.05%).
ولن يبتعد التيار العلماني الديمقراطي كثيرا عن هذا الرقم، إذ يحصد نحو 32% من 
الأصوات، منهم 20.7% هم حصيلة أصوات المرشح حمدين صبّاحي، بالإضافة إلى أصوات أنصار الطرح المدني لعبد المنعم أبو الفتوح (10.5%)، فضلا عن حصيلة أصوات المحامي خالد علي (0.6%)، فضلا عن 0.3% تمثل حصيلة أصوات كل من المرشح أبو العز الحريري (حصل منفردا على 0.17% من الأصوات الصحيحة) والمستشار هشام البسطويسي مرشح حزب التجمّع الوطني التقدمي الوحدوي (حصل منفردا على 0.13%). وجاءت أصوات الأقباط موزّعةً بين هذا التيار والتيار الدولتي التالي بيان وزنه.
أما التيار الدولتي، فإن حصته تبلغ 35% من الأصوات، حاصلا على أصوات الفريق أحمد شفيق البالغة 23.7%، بالإضافة إلى نسبة 11.13% هي حصيلة أصوات الدبلوماسي عمرو موسى، يُضاف إليها 0.3% من إجمالي الأصوات محصلة المرشح المستقل محمد حسام (ضابط شرطة سابق) ومرشح حزب الجيل محمد فوزي عيسى واللواء حسام خير الله (ضابط مخابرات سابق). وهي أصوات مصلحية يصعب خلخلتها.
توضح هذه الخريطة التقريبية أن السؤال عن الوزن النسبي ليس جدّيا، وأن الدعويين بحاجةٍ إلى بعض التواضع المستند للحقائق الموضوعية. وعلى الرغم من الوهن العام للأداء الإسلامي في الرئاسة والسلطة التشريعية، وعلى الرغم من دعاية "إدارة 3 يوليو" وشيطنتها الإسلاميين، فإن سوء الأداء العام لهذه الإدارة، والتشبع السلبي من دعاية الشيطنة؛ ربما أعادا للإسلاميين نسبتهم المشار إليها في هذه الخريطة.
تتبقّى في هذا الإطار الإجابة الثالثة الأكثر وضوحا، والمتمثّلة في الحاجة الملحّة لتوفير حاضنة اجتماعية سياسية ديمقراطية للأقباط الذين يمثلون الوقود الأثير لنيران معركة "إدارة 3 يوليو" مع المستقبل المصري.