روح الطائفية المصرية ومسؤولية التيار العلماني

06 نوفمبر 2018
الصورة
لم تتحرّك الشخصية المصرية ضد السلطة في تاريخها إلا مع توفر شرطين موضوعيين أساسيين، وجود أزمة قوية تعتري الضمير المصري أو الوضع الاجتماعي – الاقتصادي، وتوفر قيادة تلتحم برؤيتها مع شعور المصريين حيال الأزمة. هذان الملمحان تبدّيا في مصر من الفتح الإسلامي وحتى ثورة 25 يناير في العام 2011. وقد خاض المصريون في هذه الفترة عشرات الانتفاضات والثورات، مدفوعين في ذلك بدافع ديني/ ثقافي، بدءا بـ"الفتنة الكبرى" وحركة رفض المكاييل الأموية، وحتى خلع خمسة ولاة عثمانيين: أحمد باشا وحركته الانفصالية (930هـ - 1523م) وموسى باشا (1040هـ - 1630م) ورجب باشا (1133هـ - 1720م) وسليمان باشا العظم (1152هـ - 1739م)، وحتى خلع محمد خسرو باشا (1220هـ - 1805م) الذي انتهت عملية خلعه بتولية محمد علي نزولا على إرادة المصريين. وشهدت مصر، بين هاتين الفترتين، انتفاضات قويةً، احتاج بعضُها قوة هائلة لدحضها.
من بين أربع ثورات ضد ولاة الخليفة المأمون "وحده"، يمكن النظر إلى واقعة الثورة ضد الوالي عيسى بن منصور (216هـ - 831 م)، والتي هزم فيها المصريون قوات الوالي، ما اضطر الخليفة المأمون إلى إرسال جيشه في برقة بقيادة القائد التركي الداهية إفشين، ومع تأزم الوضع على الأخير، اضطر الخليفة بنفسه للقدوم على رأس جيش ثالث، لتخمد ثورة الدلتا بعد أكثر من عام ونصف العام على نشوبها.

ثقة المصريين في قيادتهم المؤمنة بقضيتهم عنصر حيوي في تقييم حركة الشعب المصري. وثمّة حالة من خيبة الأمل وفقدان الثقة، اعترت المصريين خلال المسار الذي قاد إلى "30 يونيو" في العام 2013، وانتهى بانقلاب 3 يوليو/ تموز، وهو الحدث الذي تبعه تجريد المصريين من قياداتهم بتياراتها المختلفة، عبر مسار الوقيعة الذي بدأ منذ يوليو 1952، وانتهى إلى الوضع الذي تعيشه مصر اليوم. وقد تناول مقال سابق لكاتب هذه السطور في "العربي الجديد" مسؤولية الإسلاميين عن إزجاء "مشروع الخوف" وروح الطائفية، فيما يعتني هذا المقال بمسؤولية التيار العلماني.
شاركت الطلائع التنويرية المصرية المحتل نظرته الدونية إلى الشعب المصري، باعتباره شعبا يفتقر للعقلانية، ما جعله، بحسبهم، مرتعا للظلامية الدينية والتصورات الرجعية عن الحياة. وحدث ما يشبه التوافق على حلول روح التنوير في جهاز الدولة ومؤسستها العسكرية، واعتبروا كليهما امتدادا لمفاعيل التعليم الأجنبي والتبشيري والقضاء المختلط، القادرة على إنتاج علاجٍ لآفات الجهل والفقر والمرض، بالاستناد إلى المدخل الثقافي الرامي إلى تحرير الدولة من "الموروث المريض". وتلاقت هذه الدعوة مع ميل دولة يوليو إلى التحرّر من الضغط المجتمعي، وقيود التمثيل الشعبي المباشر، بالنظر إلى تصوّرها وجود درجة عالية من تمثل الدولة آمال المصريين وتطلعاتهم. وارتبط ذلك بجهد دؤوب لمواجهة الثقافة الشعبية ذات الروح الإسلامية، ما أنتج ما وصفها مؤرخو هذه الفترة بـ"الحرب الفكرية". واقترنت بهذه الحروب حالة من العسف الصارخ بحقوق المعبرين عن الرؤية الثقافية الأصيلة، وخصوصا مسارات التيار الإسلامي، ما ولّد إلى جانب "الخصومة المرجعية" مسارا ثانيا يتمثل في "حالة ثأر" ما زالت قائمة، بحكم وجود قيادات غير شابة في قطاعاتٍ واسعةٍ من الحركة السياسية المصرية.
مسارا "الثأر - الخصومة" أحد أبرز مسارات تجديد الأزمة الوطنية، فالسياسة بشرية، ووقائعها عرضةٌ لكل ما يعتري البشر من أوجه القصور، وحتى العقد والعواطف، بحسب تعبيرات محمد حسنين هيكل. وعلى الرغم من التغيرات التي طرأت على دولة يوليو، مع تغير الإدارات من أنور السادات إلى حسني مبارك، إلا أن روح المخاصمة استمرّت بالوهج نفسه، وعلى المستوى نفسه، بين دعم أزمات سب الذات الإلهية وتأجيجها، في حوادث نجيب محفوظ والطيب صالح وغيرهما، وحتى سب الرموز الدينية من "تخلف الحجاب" إلى "فلكلورية
الحج" و"المجاهرة بالإفطار" و"إرث المرأة"، ودعم سيطرة الدولة على خطاب الدين في الوقت الذي كانت الدولة فيه تتدثر بالدين، أحد مصادر شرعيتها دستوريا وشعائريا.
ولم يكن مسار "الثأر - الخصومة" المسار الوحيد، وليس الكلام هنا للمزاودة على الإسلاميين في مصادرة حق التيار العلماني في أن يختار نمط الحياة الذي يرتئيه، ويركن إليه، بل نتحدث عن غياب رؤية لأولويات المسار الوطني، ولقضايا المواجهة، ما دفع التيار العلماني إلى اختيار الدولة بكل ما جسّدته من نموذج قهر المجتمع، وهذا هو المسار الثاني، أو "مسار قهر المجتمع"، أو ما يميل بعضهم إلى تسميته "مسار تغوّل الدولة".
إيمان التيار العلماني بدور الدولة في التحديث والتنوير دفعها إلى تجاهل الربط بين مفهوم قوة الدولة ومفاهيم العدل والحق والحرية والمساواة، وأدّى بالنخبة العلمانية إلى تجاهل جهود نخبة الدولة في العصف بالإرادة الجماهيرية، وأمننة إدارة المجال العام إلى حد التلاشي، وهو ما أدّى، مع فشل مشروع التحديث، إلى تحوّل هذه الدولة إلى قوة خاصة مستقلة عن الوطن والمواطنين، تعمل لمصالحها الخاصة، وتستغل الجماهير؛ بل وتستعبدهم وتسخّرهم في إطار هذه المصالح الخاصة. في هذا الإطار، ومع بدء مشروع دولة يوليو، تخلى التيار العلماني، بنموذجه المعرفي، عن الجماهير، والتحق بالدولة وبرّر تغولها، وصولا إلى نموذج "المبادئ فوق الدستورية" المعروفة باسم وثيقة السلمي، التي كانت مدعاة إلى التشكك في نوايا أذيال إدارة حسني مبارك، بدلا من استدعائها الثورة على "رئيسٍ منتخب"، كان أضعف من أن يعصف بالمجال العام في حال استمراره.
أثّرت حالة انعدام الثقة التي تولدت نتيجة هذه المسارات كذلك في مسار ثورة يناير، فقوى الثورة المضادّة الإقليمية، والتي كانت تحدوها رغبة قوية في إطاحة الإسلاميين، لم تر في علاقة التيار العلماني بالجماهير ما يُمكن التأسيس عليه، لبناء إطاحة فعالة بالإسلاميين، ولم تر في غير المؤسسة العسكرية بديلا قادرا على استيعاب الإحباط الشعبي، واستغلال الخصومة التي تجدّدت بين مكونات التيار الديمقراطي.
لا تهدف هذه السطور إلى لوم طرف ما على ما آل إليه حال مصر، بل تهدف إلى دفع الأطراف المختلفة إلى التحلي ببعض التواضع، نتاجا للتعرّف على حجم المسؤولية التي تخص كليهما عن اللحظة الراهنة. وليس متوقعا، بطبيعة الحال، أن تحل الأزمة الكأداء الراهنة بمجرد الشروع في إجراء حوار، فمعمار الانحطاط يشتد عوده، وتتراكم حصاناته بمرور الوقت، لكن فتح باب الثقة بين المصريين وقياداتهم يفتح باب العلاج.