في أحوال القوى الديمقراطية المصرية

18 أكتوبر 2018
الصورة
ترمي إدارة "3 يوليو" في مصر إلى إخفاء القوى السياسية المصرية، حيث ترمي إلى احتواء بعض هذه القوى تحت مظلتها السلطوية؛ إسلامية أو علمانية، بينما تستهدف التيار الإسلامي بموجة قمع غير مسبوقة، وتعمل على تذويب بقية الكيانات عبر شل فاعليتها أو تهديد قياداتها. نتيجة هذه الجهود، يتساءل الشباب من التيارين الإسلامي والعلماني عن وزن قوة تياراتهم أو أوزان قوة التيارات المقابلة الشريكة في المشروع الديمقراطي.
حاول كاتب هذه السطور الإجابة من قبل على سؤال بعضهم عن وزن القوى المدنية، واختصّت المدنية بالحوار لأن بعض قواعد التيار الإسلامي يبدو أنهم ما زالوا يعيشون وهم القوة العددية والتنظيمية للإسلاميين، ولا يدرون أن الوزن متكافئ، وهو ما كشفت عنه أهم انتخابات مصرية رئاسية وأكثرها نزاهة، وهي رئاسيات 2012، المرحلة الأولى منها، والتي كشفت عن انقسام الخيار التصويتي المصري لثلاثة أثلاث موزعة بين التيارات، الإسلامي والدولتي والعلماني، مع فارق بسيط يتراوح بين 1% و2% في ما بينها، وهي نسبة لا ترجّح كفة تيار على آخر إلا باستمرار التيارين العلماني والإسلامي ثلثا مستقلا يمكن كسره عبر الماكينة العسكرية.
قبل أيام من تاريخ كتابة هذه السطور، أعلنت اللجنة الوطنية للانتخابات عن تحويل أوراق 35 مليون ناخب مصري إلى النيابة، لتحصيل غرامات التخلف الانتخابي عنهم، وهي فكرة تفتقت عنها عقلية الجباية الحاكمة في مصر، على الرغم مما أعادت تأكيده هذه الخطوة من أن التيار الدولتي قد خاض رئاسية 2018 حائزا أصواتا تبلغ أقل من ثلث هيئة الناخبين المصريين، على الرغم مما بذلته إدارة 3 يوليو من عمليات حشد ورشوة كانت الأكثر فجاجةً في تاريخ مصر. تقسيمة الثلثين مقابل الثلث هي ما تمت الكتابة عنه سابقا. وتراجع الثلث الدولتي مؤشر على تآكل الكتلة المؤيدة لإدارة 3 يوليو. وترجح هذا التآكل نسبةُ الأصوات الباطلة التي أعلنتها اللجنة الوطنية للانتخابات.
لكن ردود الأفعال على إجابتي كشفت عن سؤال آخر: أين هي هذه القوى العلمانية السياسية؟ والإجابة مغلفة في ثورة يناير 2011. لكن هذا السؤال يحتاج ضبط مجال التحقق منه عبر 
تساؤل آخر: هل يمكن القول إن ظاهرة القوى المدنية مستقرّة ومتبلورة في مصر، بحيث يمكن تعريفها وتفصيل مكوناتها المؤسّسية قطعيا. الإجابة قطعا لا. ولا يمكن اعتبار كتلة المؤسسات الحزبية المشاركة في تحالف 3 يوليو من بين تلك القوى العلمانية الديمقراطية، فقواعد الأحزاب المشاركة ضمن تحالف 3 يوليو بشكل عام بسبب هذا التوجه. ولعل أبرز أسباب تراجع هذه القواعد ما تصدّره هذه الأحزاب من خطابٍ يتجاهل قيمة المصداقية، وجديد تجليات هذا الخطاب ما صدر عن رئيس حزب الوفد من تصريح حوّله إلى موضع استهزاء في شبكات التواصل الاجتماعي، حين أكد أن (خمسة جنيهات = ربع دولار) يمكنها أن تكفي المصري لوجبتي الغداء والعشاء. ولهذا السبب، فإن تحالف حزب الوفد مع هذه الإدارة يأتي ضمن الثلث المتآكل ضمن وجهات تصويت هيئة الناخبين المصريين.
يتسم تعريف ماهية القوى المدنية وتحديدها بدرجة عالية من السيولة، وهي سيولة تعكس طبيعة المرحلة التي تضغط فيها إدارة 3 يوليو لإخفاء هذه القوة عبر آليات عدة، منها حظر التظاهر، وخنق الصحافة، واحتكار الفضائيات، وحجب المواقع الإلكترونية، ومنع ظهور قيادات الرأي العام المعارض في الصحف والفضائيات، ومنع المصريين من حقوق الاجتماع؛ حتى ولو كانت الاجتماعات لأحزاب شرعية، وحرمان ممثلي هذه القوى من الترشح في الفاعليات النيابية والرئاسية. وليس بعيدا عن الذاكرة جهود الأجهزة الأمنية لاحتواء معركة التوكيلات الخاصة بالمحامي خالد علي؛ ما دفعه للانسحاب مما اتفقت القوى الديمقراطية المصرية على تسميته هزلية رئاسيات 2018، واعتقال قيادات الأحزاب والمبادرات الإصلاحية مثل عبد المنعم أبو الفتوح ومعصوم مرزوق ويحيى القزاز وسامح سعودي ومحمد القصاص وكثيرين غيرهم.
تزودنا الحالة السياسية العلمانية بهذه الصورة بنموذج أقرب ما يكون لصورتها قبل ثورة يناير المجيدة، حيث أدى تكلس منظمات المجتمع المدني قبلها، وخصوصا المنظمات الحزبية، إلى لجوء التيار العلماني، وكذلك الإسلامي، للبنية التحتية لمنصات التواصل الاجتماعي؛ واستخدامها هياكل افتراضية بديلة لأداء وظائف الأحزاب، من قبيل بلورة المصالح، وتنظيم الفعاليات، وتجنيد المتطوعين، وتعبئة الجماهير.
يتسم تكوين التيار العلماني الديمقراطي وفق هذه الرؤية بدرجة عالية من السيولة، بما يمثل استجابة عقلانية لحالة تلاشي المجال العام الذي تعد الحريات العامة أهم شروط توفره. وتعني هذه السيولة أنه دائم الحركة باتجاه التشكل، وهي صورة تقرّبنا من تعريف "الرأي العام". وكما أدت ثورة يناير إلى إطلاق حرية الحزب، ما أدى إلى تشكل 103 أحزاب سياسية؛ فإن الرأي العام المتشكل ينتظر لحظة تاريخية موازية لا ليشكل أحزابا فقط، بل ليشكل حزمةً من الحركات كتلك التي سبقت "25 يناير" ومهدت لها. نحن أمام حالة سيولة تاريخية تعكس انعدام الثقة في المؤسسية التي تسمح إدارة 3 يوليو بوجودها، وتنتظر لحظة تاريخية للتبلور الوظيفي. وهي لحظة متوقفة على تبلور وعي وطني صارم يتأسس على التعايش والمواطنة بين كل مكونات الطيف الديمقراطي.
حالة السيولة تلك، بالإضافة إلى سمة انعدام الثقة في الحالة المؤسّسية التي تسمح إدارة 3 يوليو لها بالوجود انسحبتا على رؤية التيار العلماني الديمقراطي لمستقبل العلاقة مع الإسلاميين من قبل، حيث أكدت أن العمل الوطني والتوافق على مسيرة التغيير يتأسسان على المواطنة، وأن هذه المواطنة تستوعب الأفراد الإسلاميين باعتبارهم مواطنين لا باعتبارهم أعضاء في جماعة الإخوان المسلمين. تلك هي الرؤية الراديكالية، ولم تمنع تلك الرؤية من وجود تيار علماني على يسار التيار العلماني الأكبر يرى أن "الجماعة" شريك في مشروع التغيير، وقدم هذا التيار تضحيته عبر المبادرة التي تقدم بها السفير معصوم مرزوق، واتهم إثرها بتلقي تمويل تبعته إملاءات من "الجماعة". ولعل هكذا اتهام يفسر سبب تمسك التيار العلماني الديمقراطي الرئيسي بحالة السيولة إلى حين.
الطريف أن من بين الإسلاميين من يدعو إلى مثل هذه السيولة، ويطالب الجماعات الإسلامية
 بحل نفسها، ويدعو إلى حالة فراغ تنظيمي كالتي عاشتها مصر، حين أجبر جمال عبد الناصر تنظيم الإخوان على التفكّك، فساح أفراد التنظيم في الأرض، وأقاموا عدة مؤسسات إسلامية ناجحة عبر أرجاء الأرض. وبسبب طبيعة هذه الحركة، من الصعب تقويضها، وهو ما جعلها تشهد تمدّدا بمرور الوقت، وصارت لها أكاديميات ومعاهد علمية في الواقعين، المادي والافتراضي، وتعقد ورش عمل ودورات تدريبية وحلقات درس عينية وافتراضية، وتنتج برامج تلفزيونية قوية ومؤثرة للفضائيات والتلفزيونات العربية وغير العربية، كما تملك مراكز تفكير ومكتبات افتراضية، وتحقق تقدما ملحوظا. ويرى دعاة هذه الرؤية أن هذه السيولة تؤدي إلى تعزيز الاستجابات لفروض الكفاية المهملة، وتؤدي سياسيا إلى إيجاد جمهور ستحرص الأحزاب السياسية على تلبية احتياجاته. وهو جمهور يمكن جمعه في لحظات التصويت المؤثرة عبر قيادات الرأي، بينما تحفظه حالة السيولة التنظيمية من مغبة الملاحقة والتصفية.
وباعتبار "السيولة" المصطلح الأكثر تكرار في هذا المقال، يضاف إليه هنا أن الداعي إلى كتابة هذا المقال هو حالة السيولة التي تكتنف تفكير الإسلاميين في الحوار، حيث يميلون إلى تعيين هيئات ثم التواصل معها، بينما جمهور الحوار غير معين لما يتسم به من سيولة في تكويناته تجعله أقرب للرأي العام. الإسلاميون معتادون على التعاطي مع الرأي العام القابع في مربع رجل الشارع، وهو ما يجعل التعاطي مع رأي عام علماني أمراً بالغ الصعوبة، مهما كان هذا الرأي يترقب توجههم ويرسل لهم من إشارات. يقتضي التوجه إلى رأي عام كهذا جهودا على مستوى مراكز التفكير وتثقيف القواعد الافتراضية التي يبدو حتى الآن أنها أكثر العوامل المسبّبة للنفور وضعف عملية بناء الثقة المتبادلة.