روح الطائفية المصرية ومسؤولية الإسلاميين

08 أكتوبر 2018
الصورة
كان صديقي الإسلامي يستغرب، قبل خمس سنوات من رفع التيار المدني الديمقراطي شعار "يسقط كل من خان.. عسكر.. فلول.. إخوان"، متعجبا من وضع جماعة الإخوان المسلمين في المربع نفسه مع الفلول والعسكر. كان تكنوقراطيا إسلاميا لم يكد يبارح ميراث الحقبة القطبية من كتابات المستشار محمود علي جريشة والمفكر أنور الجندي، عليهما رحمة الله، لكنه مال إلى السياسة مع انفتاح المناخ السياسي بعد ثورة يناير، ولم تتح له الفرصة ليتجاوز القراءات السياسية الكلاسيكية باتجاه التعرّف على ما وراء السياسة في مصر المحروسة، والتي أنتجت هذا الشعار موروثا لحقبة حسني مبارك أكثر منه منتجا لحقبة "المأسسة" التي شهدت تجديد مشروع مبارك الذي انتهى إلى شعار "باعونا في محمد محمود" (شارع في القاهرة).
بات معلوما، من التاريخ المصري بالضرورة، أن مسيرة الطائفية المصرية لم تزدهر في مصر  إلا بعد يوليو 1952. فـ"مشروع الخوف" الذي بدأه الرئيس جمال عبد الناصر بتخويف مكونات الوطن من الإسلاميين، ووازنه الرئيس أنور السادات باسترداد جماعة الإخوان من المملكة السعودية، وأخرجهم من المعتقلات، لكي يساندوه في مواجهة قواعد مراكز القوى، وفاقم مبارك "مشروع الخوف" بمعالجة استقطابية كثيفة القسمات؛ لا يتسع المقام لخوض تفاصيلها، بقدر ما يتيح لنا المجال للوقوف على دور "الجماعة" في هذه المفاقمة.
فمن ناحية، زاحمت "الجماعة" القوى العلمانية في قواعدها التقليدية، حيث اخترقت قطاعات العمال والفلاحين، وكذلك الطبقة الوسطى عبر مدخل النقابات المهنية، ما تعيّن معه على القوى اليسارية ألا تكتفي بمواجهة حضور الحزب الحاكم في هذه القطاعات، بل كان عليها أن تواجه الحضور الإسلامي، بموارده وقتاليته العالية. ولم تقف "الجماعة" عند هذا الحد، بل اتسع نطاق حضورها في الشرائح الاجتماعية العليا كذلك لحضورها الاقتصادي، ما أدّى إلى تفتيت القوى الليبرالية كذلك، وجعل الدولة ملاذا أكثر أمنا لرجال الأعمال بعيدا عن الحروب المرتبطة 
بالجماعة. منع هذا الحضور المتمدد للجماعة القوى اليسارية والليبرالية من التمدّد بالشكل اللائق في هذه القطاعات التي تمثل قواعدها الاجتماعية، ومنعها من تدارك خطأ الحقبة الناصرية الذي خضعت معه هذه القوى للدولة؛ ما قضى على وجود فاعلٍ مستقل لها. ولم تتمكّن قوة علمانية من اختراق هذه الحجب إلا حركة شباب 6 أبريل التي كشف عنها النقاب إبّان إضراب عمال غزل المحلة في 2008.
ومن جهة ثانية، وفيما يتعلق بالمجتمع المدني، فإن "الجماعة"، على الرغم من عدم حصولها على المشروعية القانونية خلال عهدي السادات ومبارك، إلا أنها خاضت انتخابات المجلس النيابي المصري منذ 1984 وما بعدها، وكان خوضها انتخابات 1984 و1987 و1990 بتحالفٍ مع أحزابٍ كبيرة، منها الوفد والعمل والأحرار الاشتراكيين، على الرغم من أن القانون المصري لم يكن يسمح بتحالفاتٍ حزبية. ومع العزوف النسبي للناخب المصري عن الفعاليات الانتخابية، أدّت مسالك "الجماعة" إلى تضاؤل فرص التيار اليساري في الحضور مع أجندته المتعلقة بالعدالة الاجتماعية وقتاليته في إطارها، كما مهدت لاتجاه قطاعٍ من التيار الليبرالي لبناء رؤية دولتية براغماتية تمكّنه من الحضور السياسي عبر التحالف مع الدولة وأجهزتها الأمنية من بوابة إسباغ الشرعية على نهج مبارك التوازني الذي صوّرته أجهزة الأمن باعتباره ضامنا لحقوق الأقباط، في وقت لم تكن فيه إدارة مبارك تمنح للأقباط حقوقهم الدستورية بقدر ما تمنحهم من امتيازات طائفية.
القطاع الثاني من قطاعات المجتمع المدني الذي شهد مواجهة صارمة مع "الجماعة" كان "المجتمع الحقوقي"، الذي واجهته الجماعة من بوابتين، أولاهما مهاجمة خطاب قطاعٍ واسعٍ من هذه المنظمات بسبب حزمةٍ من القضايا التي ارتبطت بالتمويل الأجنبي، والتي قبلتها بعض المنظمات من دون توفر رؤية لديها حيال الأولويات الوطنية، وكان بعض هذه القضايا يتعلق بحرياتٍ شخصيةٍ أو عامةٍ أو ممارساتٍ اجتماعية، كان عموم التيار الإسلامي يتحفّظ حيالها، وهو ما جعل الخلاف مستعرا على هذه الجبهة، وأدى إلى فقدان الوسط الحقوقي شرعيةً جماهيريةً واسعةً، كان من الممكن أن تسهم في تطوير ثقافة المصريين حيال الديمقراطية. أما المواجهة الثانية فأتت عبر منظماتٍ حقوقية أنشأتها "الجماعة"، بعد تلكؤ منظمات حقوقية في مساندة الجماعة في مواجهتها مع الدولة، وهو ما أدّى إلى مزيد من العراقيل في مواجهة المنظمات الحقوقية، بالإضافة إلى محدودية قدرة المنظمات الإسلامية على مواجهة الدولة بطبيعة الحال.
كانت قيادات "التنظيم" مزهوّة بالتمدّد الذي تباشره الجماعة وأيديولوجيتها في المجتمع المصري، وهو ما حال دون أن تتبصّر عواقبه المستقبلية. وقد يرى أي مراقب، خصوصا المراقبين الخارجيين ذوي التوجه الليبرالي، أن تمدّداً كهذا هو من حق الجماعة، فماذا كانت نتيجة استخدام هذا "الحق"؟
ليست هذه السطور من باب "جلد" هذه "الجماعة" التي لا يمكن نكران جهودها الوطنية منذ تأسيسها، فهناك اعتباراتٌ عديدةٌ تحول دون هذا التطرّف في النقد، منها سقف إدارة مبارك الذي أجبر كل لاعبي المشهد السياسي على التحرّك تحته، فالاتفاقات المضمرة لم تقف عند حدود تيار معين من دون تخطّيه إلى غيره. ولا يمكن تجاهل الإصرار على لعب السياسة وضمان الاستمرارية في الشارع تحت سيف المحاكمات العسكرية؛ وهي استمراريةٌ لم تصمد طويلا أمام عملية الشيطنة. كما لا يمكن إغفال أثر استفزازات مهاجمة الرموز الدينية، وصولا إلى الذات الإلهية. دفعت هذه الاعتبارات تنظيما، حيويا لا فتيّا، إلى التمدّد وفق نموذج دارويني على حساب الطرف الأضعف في المعادلة، وهو (للأمانة) طرفٌ أضعف، لأنه لم يقف برهة ليفكّر في مآلات مسارات علاقاته بالدولة والمجتمع السياسي، تماما كما لم تقف جل تكوينات "الجماعة" برهةً لتفكر في الموضوع نفسه. ولعل مقاما آخر يسمح لنا بالحديث عن تجاوزات الطرف العلماني في حق "الجماعة الوطنية"، وهو تجاوزٌ لم يقلّ فداحةً.
مفتتح الفداحة التي أذكر في هذا المقام، مقام أخطاء التيار الإسلامي، أن تمدّده كان أقرب للتمدّد العضوي أكثر منه تمدّد مبني على وعي سياسي، فالجسد الأساسي للتيار الإسلامي لم يقف برهةً ليفكر فيما بعد تمدّده ذاك، وتداعياته على المسار الوطني. كانت التغذية المعادة الغالبة على أداء أجهزة المعلومات في هذا التيار تكاد تكون معلوماتيةً تكتيكيةً وحسب. فمن ناحيةٍ، نجد أنه، في منتصف التسعينيات، كانت الجماعة في مصر قد قامت بتصفية مركز الدراسات الحضارية الذي كان مركز التفكير فيها، والذي كان يترأسّه فيما سبق أحد أساتذة جامعة جورج واشنطن، محمود عبد الحميد عاكف، واكتفت، فيما يظهر من معلومات ونتائج، بالاعتماد على التحليلات الظرفية. ومن جهة ثانية، سعت الجماعة، بسبب أزمة حزب الوسط، إلى فضّ الشراكة مع المركز الدولي للدراسات الذي كان قد باشر مراجعات التجربة النقابية لتوّه، وكانت كل توصياته تفيد بأن "منهج المغالبة" كارثي النتائج، وأن أمل مصر في تكوين جماعة الإخوان المسلمين، بصورة خاصة، لرؤية للمجال العام تنبني على المشاركة، واحترام مبدأ 
الشراكة الوطنية مع التيارات الوطنية الأخرى، وهي الرؤية التوثيقية - التطويرية التي اختفت دلالاتها مع تغيير "التنظيم" الطاقم الذي أدار النقابات من قبل، والمعروف باسم جيل السبعينيات. ومن جهةٍ ثالثة، لم يكن مركز الدراسات الإنسانية، ذو التوجه السلفي، يركّز على مصر بقدر تركيزه على الحالة الدينية الإسلامية في عموم العالم، وهو ما حدّ من قدراته الاستشرافية لمآلات المشهد المصري. وفي هذا الإطار، كانت قيادات الجماعة التي تمكّنت من تطوير رؤية خاصة بها أمام خيارين: محو إرادتها أو التمسّك بخياراتها كمواطنين، وهو ما شهدناه، بدرجاتٍ متفاوتة، مع حزبي الوسط المصري ومصر القوية.
أما مختتم هذه الفداحة فلا يقف عند حدود "الكمد" الذي أصاب القوى المدنية جرّاء هذه الحرب التي يواجهونها، بل يتجاوزها إلى حقيقةٍ مفادها بأن الجماعة كانت تعمل على تفريغ المشهد السياسي المصري من أية قوة عداها، وهو أمرٌ من شأنه إنتاج نتيجتين: أولاهما أنها تجد نفسها إثر ذلك منفردةً في مواجهة الماكينة القمعية "الرسمية"، فلا تملك، إثر ذلك، إلا قبول سحق قطاع منها كبداية، ثم قبول العمل تحت السقف الذي يكبّلها كمنتهى للتفاعل النكد الذي لم يتوقف إلا بعد "توافق الأيام الثمانية عشر" في ميدان التحرير، وهو التوافق الذي بدأ في التلاشي مع استرداد "التنظيم" زمام الوجود "الإخواني" في الميدان، بدلا من القيادات التي قادت حراك "الإخوان المسلمين" الأفراد منذ 25 يناير، ومنهم القيادي المحكوم عليه بالإعدام حاليا محمد البلتاجي. أما النتيجة الثانية فهي أن الكمد الذي أحدثه التمدّد غير العقلاني من جانب الجماعة على حساب الشركاء العلمانيين هو نفسه وقود الصمت حيال ما تتعرّض له الجماعة من سحق، بعدما اقتصرت المواجهة الميدانية السياسية عليها وحدها في مواجهة الدولة.
طبيعيٌّ أننا اليوم نلمس تغيرا في سلوك الطرفين، الإسلامي والعلماني، حيال بعضهما، ومنطقيٌّ أن نتفهم سبب الفتور الذي يشوب هذا التبدّل، فالميراث جد ثقيل، ولا يكفي معه وقوف التواصل عند حدود ما أطلق عليه المستشار طارق البشري قبل عقدين: "ألفاظ.. ألفاظ.. ألفاظ" في كتابه "الحوار الإسلامي العلماني"، مشترطا أن تتضمن أية علاقة حوارية ناجحة بين الطرفين قدرا واضحا من "التقبّل".