خلافات داخل حكومة "الوفاق" الليبية وسط دعوات للتظاهر ضدها

08 اغسطس 2020
الصورة
يشهد الملف الليبي اشتباكاً دولياً كبيراً تشارك فيه أطراف قوية (Getty)

لا تزال الأوضاع السياسية والعسكرية في ليبيا تسير في اتجاه التعقيد المستمرّ، محلياً وإقليمياً ودولياً، على خلفية عدم توصل الأطراف الفاعلة في الملف الليبي إلى تفاهمات بشأن إنهاء التوتر العسكري، والدفع بأزمة هذا الملف إلى طاولة التفاوض السياسي، لكن الأطراف المحلية الليبية تشهد تشظياً متزايداً، ما يهدّد بنسف كل الأوضاع.

ومقابل تفتت جبهة شرق البلاد بعد تراجع الدور الرئيسي الذي كان يمثله اللواء المتقاعد خليفة حفتر، وعدم قدرة رئيس مجلس النواب المجتمع بطبرق عقيلة صالح على شغل دوره، يبدو أن جبهة "حكومة الوفاق" في غرب البلاد تعيش هزات متتالية، ما يُنذر بتحول الخلافات فيها إلى انشقاقات وشيكة.

ولا يُعرف على وجه التحديد شكل القوات التي شغلت مواقع مليشيات حفتر بعد انسحابها قبل شهرين من جنوب طرابلس ومحيطها باتجاه سرت والجفرة، واختفاء حفتر من المشهد نسبياً، وسط تقارير إعلامية متتالية وتصريحات من قادة قوات "حكومة الوفاق"، تشير إلى انتشار المئات من عناصر شركة "فاغنر" الروسية في مواقع في سرت، وآخرين داخل الحقول والموانئ النفطية، في ظلّ اتهامات لمصر كذلك بنشر بعض جنودها وضباطها في مواقع عدة في أراضي سيطرة حفتر، منها معسكر الحنية بأجدابيا وقاعدة الجفرة.

 

بدأت قصة ظهور الصراع المكتوم بين مسؤولي الحكومة في بيان نشره معيتيق، ألمح فيه لتفرد السراج بقرارات الحكومة والمجلس

 

وعلى الرغم من عدم الإجماع على شغل عقيلة صالح لدور حفتر، كممثل سياسي لمعسكر شرق ليبيا، إلا أن تصريحات أدلى بها بعض النواب الموالين له من طبرق، لتلفزيون ليبي محلي ليل أمس الجمعة، أكدت أن صالح سيجري زيارة إلى القاهرة، اليوم السبت، للقاء مسؤولين مصريين لدعم الاتفاق الموقع أخيراً بين مصر واليونان بشأن ترسيم الحدود المائية بين الدولتين في البحر المتوسط، في محاولة لإضعاف قوة الاتفاق البحري الموقع بين الحكومة التركية و"حكومة الوفاق" في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام الماضي.

وفي المقابل، ارتفعت وتيرة الخلافات المكتومة بين قادة "حكومة الوفاق" لدرجة خروجها إلى السطح على شكل بيانات متتالية، منذ الخميس الماضي، تنتقد تفرّد رئيس المجلس الرئاسي لـ"حكومة الوفاق" فايز السراج بقرارات الحكومة، تزامناً مع دعوات واسعة لإطلاق احتجاجات شعبية ضد التردي الخدماتي الذي يعيشه المواطن، بسبب تفرد السراج بالقرارات، ما ينذر بانقسام وشيك وتشقق داخل أروقة "الوفاق".

وشهدت مدينة الزاوية، غرب طرابلس بنحو 30 كيلومتراً، احتجاجات واسعة ليل أمس الجمعة، فيما نادت صفحات عدد من النشطاء أهالي العاصمة ومدن غرب البلاد ببدء احتجاجات مماثلة اعتباراً من مساء اليوم السبت، طالب بعضهم بأن ترفع مطلب إسقاط "حكومة الوفاق" ومسؤولي المجلس الرئاسي.

 

 

وبدأت قصة ظهور الصراع المكتوم بين مسؤولي الحكومة، في بيان نشره النائب الثاني في المجلس الرئاسي أحمد معيتيق، دعا خلاله الشعب الليبي إلى التعبير عن رأيه، و"المطالبة بفتح تحقيق في الأموال التي صُرفت وأين صُرفت وأوجه صرفها"، والتحقيق في "مستوى الخدمات المتدني الذي تسببت فيه سلطة الفرد المطلق وقراراته التي نتج عنها تدنٍ في هذه الخدمات"، في إشارة إلى تفرّد السراج بقرارات الحكومة والمجلس، مطالباً وزير الداخلية فتحي باشاغا بحماية المتظاهرين، وضمان عدم خروج المظاهرة عن أهدافها.

 

Posted by ‎أحمد معيتيق‎ on Thursday, August 6, 2020

 

ودعم عضو مجلس الرئاسي عبد السلام كاجمان دعوة معيتيق، مؤكداً أن السراج لا يمتلك صفة رئيس مجلس الوزراء بحسب بنود الاتفاق السياسي الذي أنشأ المجلس الرئاسي و"حكومة الوفاق".

وفي المقابل، قوبلت دعوات معيتيق وكجمان بهجوم من قبل آمر منطقة طرابلس العسكرية، اللواء عبدالباسط مروان، الذي وجّه بياناً ليل أمس الجمعة، للشعب الليبي، وصف فيه تصريحات معيتيق وكجمان بـ"غير المسؤولة، والتي لا تخدم سوى بعض الأطراف المدعومة دولياً"، معتبراً أن هدفها "النيل من شرعية المجلس الرئاسي".

 

 

وحتى الخميس الماضي، كانت دعوات النشطاء لاحتجاجات شعبية تهدف إلى إصلاح الأوضاع الخدمية، لكن صفحات التواصل الاجتماعي تداولت، اليوم السبت، نصّ برقية من إدارة الاستخبارات العسكرية تفيد بأن حراكاً شعبياً تدعمه شخصيات حكومية في المنطقة الغربية وطرابلس بسبب المشاكل الخدمية المختلفة، "سيتم استغلاله بعد الخلافات المتزايدة بين أعضاء الرئاسي من قبل جهات وصفها بالمعادية وأجهزة استخبارات أجنبية، بهدف إحداث تغيير لم تستطع القيام به عسكرياً".

وإن يقلّل الناشط السياسي الليبي عقيلة الأطرش من خطورة الأوضاع الحالية الناتجة عن صراعات مكتومة طفت على السطح، على وحدة صف الحكومة، إلا أنه يراها مؤشراً قد تكون تداعياته السياسية مؤثرة أمام الرأي العام الدولي، الذي لا يزال يعترف بـ"حكومة الوفاق" ويعتبرها طرفاً فاعلاً في المشهد، خصوصاً بعد انتصاراتها العسكرية.

ويرى الأطرش، متحدثاً لـ"العربي الجديد" أيضاً، أن التشظي الذي تعيشه الحكومة بعد الارتباك والفوضى اللذين يعيشهما طرف شرق البلاد دليل واضح على مسار التعقيد الذي تعيشه البلاد، مضيفاً أن "الجمود العسكري بات واضحاً أنه سيلحقه جمود سياسي، وأن محاولات المجتمع الدولي لبناء عملية سياسية جديدة ستصطدم بموجة الخلافات في طرابلس والانهيار في شرق البلاد". لكنه في ذات الوقت، يؤكد أن حلفاء الحكومة، وعلى رأسهم تركيا، لن يسمحوا بانهيار حليفهم في طرابلس، والذي بنوا الكثير من سياساتهم بناء على اتفاقيات استراتيجية ومهمة وقعوها معه.

 

لا يزال المجتمع الدولي يعترف بـ"حكومة الوفاق" ويعتبرها طرفاً فاعلاً في المشهد، خصوصاً بعد انتصاراتها العسكرية

 

لكن المحلل السياسي الليبي مروان ذويب، يرى من جانبه في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن جبهة طرابلس تعيش أوضاعاً قريبةً من أوضاع شرق البلاد، معتبراً تأثيرات القادة المتخاصمين في طرابلس على المجموعات المسلحة التي تؤلف قوات الحكومة واضحاً، مستدلاً ببيان آمر منطقة طرابلس العسكرية، والذي يعكس موقفاً منحازاً للسراج، كما أن معيتيق منحدر من مصراته التي تملك عشرات المجموعات المسلحة القوية.

لكن الجديد، بحسب ذويب، هو انخراط القاعدة الشعبية ومحاولة استثمار أوجاع الناس لتحقيق مكاسب سياسية، وربما لتغيير واجهة الحكومة، من دون وجود ضمانات تحدّ من انفلات الأمور إلى موجة متسعة من الفوضى، في ظل سخط شعبي يتهم المجموعات المسلحة في طرابلس بالوقوف وراء كل الأزمات المتصلة بحياة المواطن مباشرة، كأزمة الوقود والكهرباء وغياب السيولة بل والأمن أيضاً.

 

 

ويلفت ذويب إلى أن شكل الخلافات يوضح شكل الاصطفافات، فمعيتيق وكجمان تتفق دعواتهما مع دعوة وزير الداخلية فتحي باشاغا الذي أعلن قبل أيام فتح تحقيق واسع بالتنسيق مع مكتب النائب العام في عمليات فساد مالي واسعة بسبب التفرد في القرارات، وهي شخصيات تنحدر من مصراته وتنتمي لقاعدة المقاتلين الثوار الذين يشكلون أغلبية قوات الحكومة، مقابل السراج الذي تساعده وتحميه مجموعات مسلحة من طرابلس، من بينها لواء "النواصي" والمنطقة العسكرية بطرابلس.

وبينما يحذّر ذويب من مغبة تزايد اتساع الخلافات إلى وقوع صدامات مسلحة، يؤكد أن جبهة "حكومة الوفاق" باتت تنزلق باتجاه تشظٍّ يشبه التشظي الذي يعيشه قادة شرق البلاد، ما يعني تأخر أي عملية سياسية قد يدعمها المجتمع الدولي من أجل حلحلة الأزمة الليبية التي توقفت عند حدود مناطق النفط والغاز، وسط اشتباك دولي كبير تشارك فيه أطراف قوية، كتركيا وروسيا، ودول إقليمية كمصر والإمارات.