السياسة الروسية في ليبيا: مماطلة وتناقض وتمويه

04 اغسطس 2020
الصورة
تناقضات كبيرة في مواقف روسيا بليبيا (حازم تركية/ الأناضول)

لا يبدو أن السياسة التي تتّبعها موسكو في ليبيا تختلف بشكل كبير عن سياساتها في غيرها من دول الصراع ومنها سورية، فالتناقضات كبيرة في مواقفها بين مطالبات بوقف إطلاق النار وحل سياسي، فيما تواصل إرسال المقاتلين والسلاح إلى مواقعها في ليبيا.

وينتظر في الفترة المقبلة بدء مفاوضات روسية تركية تستضيفها موسكو لمناقشة وقف إطلاق النار وسبل الدفع بالعملية السياسية كحل للأزمة في ليبيا، لكن الباحث الليبي في العلاقات الدولية مصطفى البرق، يؤكد أن موسكو تنتهج سياسة المماطلة في ليبيا وهي ذات سياستها مع الأتراك في سورية، مشيرا إلى أن تلك المفاوضات "لن تنتهي إلى شيء قبل تحقّق المصالح الروسية في ليبيا".

ورغم إعلانها الاعتراف بحكومة الوفاق ودعمها للحل السياسي، إلا أن موسكو لم تخفِ دعمها للجنرال خليفة حفتر طيلة سنين حروبه في ليبيا منذ عام 2014 واستضافته بشكل رسمي ومعلن في ردهات قاعاتها الرسمية عديد المرات، كما أن دعمها له عسكريا من خلال الشركات الأمنية، وأبرزها فاغنر، لم يعد ممكنا إنكاره.

ويشرح البرق في حديثه لـ"العربي الجديد"، السياسة الروسية في ليبيا بقوله إن "موسكو تعرف أن وجودها في ليبيا غير مقبول من قبل الأطراف في أوروبا والولايات المتحدة، لذا فهي حريصة على فرض وجودها كأمر واقع لا يمكن تجاوزه، وتجبر رافضيها على التعامل معها وهو ما يحدث الآن من جانب تركيا".

البرق: موسكو حريصة على فرض وجودها كأمر واقع لا يمكن تجاوزه

 

وبشأن دعم موسكو لحفتر، يرى الباحث الليبي أن روسيا لم تعول على حفتر، "وبعد انهياره لا تزال موجودة ولكنها لم تنفض يديها منه لضمان دعم داعميه، وخصوصا الإمارات والسعودية، اللتين تمولان عمليات شركاتها الأمنية في ليبيا".

ويتابع بالقول إن "نهج موسكو يذهب باتجاه فرض أمر واقع خاص بها في ليبيا لتحقيق مكاسب لا تتعدى الجانب الاقتصادي، ولا تتعدى استخدام الملف الليبي كورقة ضاغطة في ملفات أخرى في الشرق الأوسط والبحر المتوسط، من خلال دخولها في مفاوضات مع أنقرة، وتتجنب الدخول في صدام مسلح معها خصوصا وأنها لم تعلن عن وجودها العسكري رسميا بل من خلال شركات أمنية".

وذكرت منظمة "سوريون من أجل الحقيقة" في هذا السياق، أن شركات أمنية روسية جندت أكثر من ثلاثة آلاف سوري للقتال في ليبيا ولتأمين الحقول النفطية.

وتضمّن تقرير المنظمة المنشور على موقعها الرسمي الثلاثاء الماضي، أن عمليات التجنيد أثبتتها شهادات مواطنين من عدة بلدات سورية وجرت من قبل شركة فاغنر الروسية بدعم من نظام بشار الأسد، "وهي أنباء تؤكد استمرار روسيا في دعم وجودها العسكري غير المباشر في ليبيا من جانب، ومن جانب آخر إحلال المرتزقة السوريين في مواقع القتال في مدينة سرت بديلا عن المرتزقة الروس، وهو دليل آخر يؤكد عدم رغبة موسكو في تصعيد عسكري ضد الأتراك، بحسب البرق.

 

"الخطر الروسي"

لكن أستاذ العلوم السياسية الليبي أبوبكر التواتي يلفت إلى أن الطرف الروسي ليس الطرف الوحيد الموجود في صفّ حفتر وضد طرف حكومة الوفاق، متسائلا "هل يمثل الروس في مفاوضات البحث عن حل في ليبيا مصر والإمارات والفرنسيين مثلا"، مجيبا بالقول: "أعتقد أن المجتمع الدولي ركز جهوده اليوم على عزل الروس في الملف الليبي وإرجاء الحديث مع الأطراف الأخرى لخطورة التوغل الروسي في ليبيا".

ويوضح التواتي لـ"العربي الجديد" أن "الأطراف الأخرى، كالإمارات والفرنسيين والمصريين، يتوجب عليها توحيد موقفها لترتيب جبهة شرق ليبيا، التي تعيش حالة انشقاقات كبيرة في ظل تراجع أوضاع حفتر، وبالتالي لم تعد جبهة قوية ومتماسكة، والخطر القائم بالنسبة للأطراف القوية في ليبيا وعلى رأسها واشنطن هو الخطر الروسي".

ويرجح المصدر نفسه أن يستغل الرئيس الأميركي دونالد ترامب الملف الليبي لإحداث خطوة متقدمة لاستثمار الملف في برنامجه الانتخابي الوشيك، خصوصا وأن الاتجاه الأميركي في الملف الليبي يتركز على خطر التوغل الروسي.

وظهرت ملامح التوجس الأميركي من التدخل الروسي واضحة في مناقشة مجلس النواب الأميركي الأربعاء الماضي، لقانون "دعم الاستقرار في ليبيا"، الذي احتوت أكثرية بنوده على توجس كبير من التوغل الروسي في ليبيا.

ظهرت ملامح التوجس الأميركي من التدخل الروسي واضحة في مناقشة مجلس النواب الأميركي

 

ويتوقع التواتي بشأن سيناريوهات الوضع الروسي في ليبيا أن "يصل المجتمع الدولي إلى عزل مناطق الطاقة ومحيطها الاستراتيجي في سرت والجفرة عن الصراع والسلاح، خصوصا أنها المناطق التي تلوي روسيا بها أيدي تلك الدول".

 ومن بين السيناريوهات المتوقعة أيضا، أن "تنجح روسيا في فرض نفسها كأمر واقع وتتقاسم مناطق النفوذ مع الدول صاحبة المصالح في الملف الليبي".

لكن كل ذلك مؤجل حسب ما يراه التواتي، حيث لن تسمح واشنطن بالوصول إلى نتائج نهائية في الملف الليبي كغيره من ملفات التوتر في البحر المتوسط والشرق الأوسط إلى حين حسم أمر الانتخابات الأميركية، مؤكدا أن الحلول السياسية "مؤجلة تماما، ومرجعيات مخرجات قمة برلين واتفاق الصخيرات تجاوزها الزمن بسبب مستجدات الميدان".

ويؤكد أستاذ العلوم السياسية أن انتقال الأوضاع العسكرية بشكل كبير من طرابلس إلى تخوم سرت والجفرة وقريبا من مواقع الطاقة والنفط، وسط انهيار كبير لمعسكر حفتر، كلها مستجدات تجعل مخرجات برلين لا قيمة كبيرة لها كمرجعية للحل السياسي، مشيرا إلى أن ذهاب بعض الأطراف إلى إحياء اتفاق الصخيرات يؤكد ذلك بشكل كبير.