المعالجات النقديّة الجديدة تُفقر اللبنانيين

27 ابريل 2020
الصورة
احتجاج ضد مصرف لبنان (حسين بيضون/ العربي الجديد)
+ الخط -

خلال الأشهر السبعة الماضية، خسرت الليرة اللبنانيّة أكثر من نصف قيمتها الفعليّة في الأسواق. ومع كل هبوط في سعر الصرف، يهبط بالتوازي المستوى المعيشي والقدرة الشرائيّة للغالبيّة الساحقة من اللبنانيين، في ظل اعتماد الأسواق على السلع المستوردة بنسبة مرتفعة.

ومع توقّف معظم الأنشطة الاقتصادية بعد إعلان الحكومة التعبئة العامّة، أصبحت الأزمة مضاعفة بما ينذر بانفجار اجتماعي كبير.

الأسباب التي أدّت خلال الفترة الماضية إلى ظاهرة ارتفاع سعر الصرف باتت معروفة من ناحية القطاع المالي. فالشرارة الأولى كانت توقّف المصارف اللبنانيّة عن بيع الدولار ثم فرضها لقيود على سحوبات أصحاب الودائع بالدولار، لتصل الأزمة إلى ذروتها مع إقفال المصارف وإيقافها لجميع عمليّات السحب بالعملة الصعبة.

أمّا المصرف المركزي فتشدد في الحفاظ على ما تبقى من احتياطات بالعملة الصعبة بعدما وصلت إلى مستويات حسّاسة.

لكنّ الأيّام الأخيرة حملت أخبارا جديدة غير سارّة، تنذر بالمزيد من الارتفاع في سعر الصرف. وهذه المرّة، جاءت الأخبار من المعالجات التي قرر مصرف لبنان اللجوء إليها في سياق التعاطي مع الأزمة الحادّة التي تعصف بالوضع النقدي والقطاع المالي.
بمعنى آخر، يبدو أن المصرف المركزي قرر في النهاية اللجوء إلى معالجات من النوع الذي يلقي بالكلفة الأخيرة على عموم اللبنانيين وخصوصاً محدودي الدخل، من خلال تحمّل التدهور في سعر صرف الليرة اللبنانيّة.


مصادرة دولارات التحويلات


المصدر الوازن الأخير المتبقي لتدفّق الدولار النقدي إلى السوق اللبنانيّة كان شركات تحويل الأموال، والتي كانت تسدد بالعملة الصعبة قيمة التحويلات التي يرسلها المغتربون إلى ذويهم في لبنان.

لكنّ المصرف المركزي أصدر مؤخّراً قراراً قضى بموجبه بسداد قيمة هذه التحويلات لمستحقيها بالليرة اللبنانيّة وفق "سعر السوق"، على أن يشتري المصرف المركزي بدوره هذه الدولارات من قبل شركات تحويل الأموال.

بهذا القرار، قرّر المصرف المركزي خنق آخر مصدر متبق للدولار النقدي، وعمليّاً تحوّلت هذه التحويلات من مصدر للعملة الصعبة إلى مصدر لضخ المزيد من السيولة بالليرة اللبنانيّة في الأسواق، والتي ستتحوّل بطبيعة الحال إلى طلب على الدولار إمّا لدى ادخارها أو بعد إنفاقها للغايات الاستهلاكية.

والكتلة النقديّة التي نتحدّث عنها هنا تُعد وازنة قياساً بحجم الاقتصاد اللبناني، حيث يبلغ معدّل قيمة تحويلات وكيل شركة "ويسترن يونيون" وحده حوالي الـ100 مليون دولار شهريّاً.

وبالتالي، فالأثر المتوقّع سيكون حكماً المزيد من الضغط السلبي على سعر الصرف الفعلي في الأسواق.

لكنّ المشكلة الأكبر هي أن القرار الذي يهدف إلى مصادرة دولارات المغتربين الواردة وضمّها إلى احتياطي المصرف المركزي، سيؤدّي عملياً إلى خفض قيمة التحويلات ككل إلى أدنى حدود، وهو ما سيعني خفض استفادة الاقتصاد المحلّي منها حتّى ضمن نطاق زيادة احتياطي المصرف المركزي. 

فالتعميم نصّ على سداد قيمة التحويلات بالليرة وفق "سعر السوق"، وسعر السوق المشار إليه هنا تقدّره المصارف، بالتفاهم مع المصرف المركزي، عند حدود 2600 ليرة مقابل الدولار عند تطبيقها لتعميم آخر يحمل نفس العبارة، فيما تجاوز سعر الصرف الفعلي مستوى الـ3250 ليرة مقابل الدولار في كثير من الأوقات. 

بمعنى آخر، سينطوي تطبيق التعميم على اقتصاص كبير من قيمة هذه التحويلات، وهو ما سيفرض على زبائن شركات تحويلات الأموال حصر هذه التحويلات ضمن الحدود الدنيا، وبالتالي حرمان الاقتصاد اللبناني من جزء كبير من هذه الدولارات.

سحب الودائع الدولاريّة بالليرة

تعاني المصارف اللبنانيّة من ضغط التزاماتها اتجاه مودعيها وخصوصاً في ما يتعلّق بأصحاب الودائع المدولرة.

وبهدف تخفيف هذا الضغط، أصدر مصرف لبنان تعميما حمل الرقم 148، نصّ في أحد بنوده على تمكين أصحاب الودائع المدولرة التي تقل قيمتها عن 3000 دولار من سحب قيمة ودائعهم بالليرة اللبنانيّة، وفق سعر "صرف السوق". كما نصّ التعميم على آليّة لسحب الودائع الصغيرة بالليرة اللبنانيّة.
وعملياً، اختارت المصارف لهذه العمليّات سعر صرف يفوق السعر الرسمي، لكن بما يقل عن سعر الصرف الفعلي في الأسواق.

في الواقع، يبلغ عدد الحسابات المصرفيّة التي يمكنها الاستفادة من التعميم حوالي الـ1.7 مليون حساب، أي 61.8% من إجمالي الحسابات المصرفيّة الموجودة.

بمعنى آخر، سمح التعميم للمصارف بالتخلّص من عبء التزامها لهذا القدر من الحسابات التي كانت تضغط على سيولة المصارف عبر سحوبات الدولار الدوريّة، وفق القيود التي كانت تفرضها قبل الإقفال.

أمّا أصحاب الودائع المدولرة، فخسروا جزءا من قيمة ودائعهم، بقدر الفرق بين سعر الصرف المعتمد لدى المصارف والسعر الفعلي في الأسواق.
هذه المعالجة التي اختارها مصرف لبنان حملت بالطبع ثمنا كبير، والثمن ليس سوى عمليّة ضخ كتلة نقديّة وازنة بالليرة اللبنانيّة في الأسواق، والتي ستتحوّل أيضاً إلى طلب على الدولار الأميركي، وبالتالي إلى ضغط على سعر الصرف. 

وحجم الكتلة النقديّة المشمولة بالتعميم بحسب إحصاءات مصرف لبنان يتجاوز ال795 مليون دولار، وهي سيولة توازي بحجمها الـ8.7% من إجمالي الكتلة النقديّة المتداولة بالليرة خارج مصرف لبنان، مما يعزز الاعتقاد بالأثر الكبير لهذا الإجراء على سعر الصرف.

بالتأكيد يملك المصرف المركزي أسبابه لهذه القرارات. فمصادرة دولارات التحويلات تهدف إلى تعزيز ما يملكه من احتياطات دولاريّة، ليحافظ على هامش أوسع من الحركة في السوق لاحقاً. 

وعمليّة استبدال دولارات جزء من الودائع بسحوبات نقديّة بالليرة تهدف إلى تخليص النظام المالي من عبء عدد كبير من صغار المودعين الذين يدينون بنسبة قليلة جدّاً من الودائع المصرفيّة. لكنّ ثمن هذه المعالجات النقديّة لن يكون سوى المزيد من الضغط على سعر الصرف، وبالتالي على القدرة الشرائيّة لمداخيل اللبنانيين، وخصوصاً من أصحاب الدخل المحدود.

مازال اللبنانيون في بداية مسار التعامل مع آثار الانهيار المالي، وهذا المسار يفرض –ككل الانهيارات- السؤال عن الفئة التي ستدفع ثمن الأزمة، وعن طريقة توزيع خسائر المرحلة. وحتّى الآن، يمكن القول إن بداية هذا المسار لا تبشّر بالخير للغالبيّة الساحقة من اللبنانيّين.