زيتون فلسطين في مواجهة المستوطنين

رام الله
سامر خويرة
رام الله
محمود السعدي
25 أكتوبر 2020
+ الخط -

ما بين نارين، يمشي المزارع الفلسطيني في أرضه خلال موسم الزيتون ليقطف ثمارها؛ نار اعتداءات المستوطنين والاحتلال الإسرائيلي من جهة، والخوف على الأرض التي يحبها ويحاول الاحتلال والمستوطنون حرمانه منها من جهة أخرى. لكنه على الرغم من كل العقبات، مصرّ على البقاء فيها. 
قبل فترة، اشتبك المزارع سبع عودة من بلدة حوارة، في جنوب نابلس بشمال الضفة الغربية المحتلة، مع عصابة من المستوطنين جاؤوا إلى أرضه من مستوطنة "يتسهار" المقامة على أراضي البلدة والبلدات والقرى المجاورة، لمنعه من قطف ثمار الزيتون، واعتدوا عليه، إلا أنه صمد في أرضه.
الحادثة أدت إلى إصابته بكسر في يده ورجله اليمنى، ورضوض في بقية أنحاء جسده وثقتها كاميرا مصور هاو صودف أن كان في المكان. عندما حاول الرجل الخمسيني التقدم نحو أرضه، لحق به جندي إسرائيلي وضربه، ما جعل توازنه يختل. وما كاد يستقيم حتى كان المستوطنون قد أحاطوا به وانهالوا عليه ضرباً، فوقع بين الصخور والأشواك مضرجاً بدمائه.
حدث الأمر في أول أيام موسم قطف الزيتون في الضفة الغربية أي بداية الشهر الجاري، ما أدى إلى التحذير من هجمات ممنهجة لتلك العصابات التي تتحرك بحماية جيش الاحتلال، وتطاول كافة الأراضي القريبة من المستوطنات أو المحاذية لجدار الفصل العنصري. يقول عودة لـ "العربي الجديد": "خرجت إلى أرضي وأنا أدرك تماماً ما ينتظرني، لأن ما جرى كان يتكرر في كل عام تقريباً، وتحديداً منذ أن توسعت مستوطنة يتسهار وباتت بيوتها على مقربة وتماس مباشر مع بيوتنا وأراضينا. لكن هل نترك الزيتون لقمة سائغة لهم؟ طبعاً لا".

وما كاد عودة يصل إلى أرضه على قمة جبل حوارة، حتى كان جنود الاحتلال والمستوطنون الملثمون قد سبقوه إلى هناك. حاول جندي ثنيه عن متابعة طريقه فحدث جدل بينهما استغله المستوطنون للاقتراب أكثر، وهم يحملون الحجارة الكبيرة التي كانوا يرشقونها على الشبان الذين حاولوا حماية عودة. وفي لحظة، دفع الجندي المزارع بكل قوته، فاختل توازنه. 
يقول عودة: "كدت أقع لكنني قاومت. وما إن رفعت رأسي حتى هاجمني عدد من المستوطنين مباشرة، ودفعني أحدهم فوقعت بين الصخور والأشواك. أحسست بآلام شديدة، لكنني نهضت ودافعت عن نفسي. هبّ الشبان لنجدتي، فما كان من الجندي نفسه إلا أن أطلق قنابل الغاز المسيلة للدموع نحوهم"، مشيراً إلى أنه ليس الفلسطيني الوحيد الذي يقدم روحه لحماية أرضه. "كفلسطينيين، تربينا على حب الأوطان، ورضعنا الكرامة من الآباء والأجداد الذين تركوا الزيتون عهدة وأمانة في أعناقنا. سنحافظ عليها ونربي الأجيال المقبلة للحفاظ عليها".
  
التمسّك بالأرض
في الثاني عشر من الشهر الجاري، تعاهد أهالي قرية برقة شرق رام الله وسط الضفة الغربية، على مساندة المزارعين الذين سيقطفون ثمار الزيتون من أراضيهم الواقعة في المنطقة الشمالية من القرية قرب مستوطنة "جفعات أساف" المقامة على أراضي عدة قرى شرق رام الله، تحسّباً لهجمات محتملة من قبل المستوطنين، وهو ما حدث فعلاً. ورشق المستوطنون المزارعين بالحجارة وحدث عراك بالأيدي، ما أدى إلى وقوع العديد من الإصابات على مدار يومين، على مرأى من قوات الاحتلال الإسرائيلي، كما يقول رئيس المجلس القروي السابق في برقة، أحمد بركات، لـ "العربي الجديد".
ويؤكد بركات أن يقظة الأهالي وتكاتفهم ساهما في حماية المزارعين، بعدما خرج الجميع لحمايتهم والتصدي للمستوطنين، الأمر الذي أفشل مخطّط الاحتلال ومستوطنيه في محاولة السيطرة على نحو 3 آلاف دونماً تقع بين مستوطنة "جفعات أساف" والقرية. ويقول: "دخلنا الأرض وقطفنا ثمار الزيتون وسنبقى إلى جانب بعضنا البعض إلى حين الانتهاء. صحيح أنه بقي مع المزارعين نحو 150 شخصاً، لكن جميع أهالي برقة جاهزون لتلبية النداء في حال حدوث اعتداء من المستوطنين. وصحيح أن الأجواء متوترة وغير مريحة لكن الأرض عنوان وجودنا وإن خسرناها، فإن باطن الأرض خير لنا من ظاهرها".
ويشدد بركات على أن القضية لا تنحصر بقطف ثمار الزيتون، بل تتعلق بحماية الأرض من أطماع المستوطنين والتجذر في الأرض التي هي العنوان والهوية للفلسطينيين، بالإضافة إلى التصدي لأطماع المستوطنين بالسيطرة على الأرض. يضيف: "لا يمكن لنا أن نسمح بالسيطرة على الأرض ما حيينا، ولن نسمح لهم بالتوسع في أراضينا".

قطاف
في الحادي عشر من الشهر الجاري، أصرّ المزارع عاكف جمعة، وهو من قرية كفر قدوم شرق قلقيلية شمال الضفة الغربية، على دخول أرضه القريبة من بوابة القرية المغلقة منذ 17 عاماً، والقريبة من مستوطنة قدوميم المقامة على أراضي القرية، من دون أن ينتظر الحصول على تصريح من قبل هيئة الشؤون المدنية الفلسطينية كما جرت العادة، في ظل ما يسمعه من أخبار عن تعليق القيادة الفلسطينية العمل بالاتفاقيات مع الاحتلال. 
حين دخل إلى أرضه هذا الموسم، وجد 25 شجرة زيتون وقد حُطّمت. بعدها، أحاط به جنود الاحتلال وأخبروه أنه يمنع عليه الدخول وأن ذلك يحتاج إلى تصريح، فأخبرهم أن هذه أرضه ويريد قطف الزيتون. ثمّ سمحوا له بالدخول لكن منعوه من الاقتراب من جهة المستوطنة. يؤكد أنه خلال عمله في الأرض، لا يكاد يمر يوم من دون مضايقات الاحتلال والمستوطنين. يقول: "نعيش حالة من التوتر. همنا قطف ثمار الزيتون، لكن نعيش قلقاً من أي اعتداء مباغت من قبل جيش الاحتلال والمستوطنين. لا نستطيع أن نبتعد عن عائلاتنا لحظة واحدة، ونظل نراقب". 
ويشير جمعة إلى أن المزارعين هذا العام لديهم خشية من دخول أراضيهم الواقعة قرب المستوطنة ومساحتها نحو 5 آلاف دونم، خصوصاً مع توقف التصاريح. ويناشد المزارعين بضرورة قطف ثمار الزيتون، مشيراً إلى أن الأهالي، وحتى في ظل التنسيق لدخول الأراضي، كانوا يخسرون الكثير من ثمار الزيتون، لأن الأيام المسموح فيها بالدخول قليلة ولا تكفي لقطف ثمار كل الأشجار.

موسم الزيتون في فلسطين (حازم بادر/ فرانس برس)

 

توجّس 
تنتظر حوارة أيام أشد قتامة، مع إقرار سلطات الاحتلال شق طريق استيطاني سيمر من وسطها. وأخطرت بمصادرة 406 دونمات من أراضي البلدة، على أن تقتلع 4500 شجرة زيتون. لكن في الواقع، اقتلعت أكثر من 7 آلاف شجرة وصادرت 700 دونم، بحسب التوقعات. ليس في حوارة وحدها، فمثل هذه القصص والمواجهات ستتكرر على مدار الشهرين المقبلين، خصوصاً لمن تقع أراضيهم بمحاذاة المستوطنات.
وفي قرية حارس إلى الغرب من سلفيت شمال الضفة الغربية، يحسب المزارع باجس حمدان ألف حساب، قبل أن يتوجه برفقة عائلته إلى قطف الزيتون في أرضهم الملاصقة لمستوطنة "رفافا" المقامة على أراضي سلفيت، خصوصاً بعد وقف القيادة الفلسطينية العمل بالاتفاقيات مع الاحتلال قبل نحو خمسة أشهر، حيث كان الجانب الفلسطيني ينسق مع نظيره الإسرائيلي لمنح المزارعين أياماً محددة للوصول إلى أراضيهم، على أن يوجد بالقرب منهم جنود بحجة حمايتهم من هجمات المستوطنين.

ويقول حمدان لـ "العربي الجديد": "كان وجوداً شكلياً. لكنه على الأقل أفضل من لا شيء. مستوطنو (رفافا) قتلة ومجرمون ولا يتوانون عن إطلاق النار علينا، وقد سقط شهداء وجرحى على مدار السنوات الماضية برصاصهم. لكن هل هذا يعني عدم الذهاب إلى أراضينا؟ طبعاً لا".
ولا يُنكر حمدان أنّه مصرّ على قطف الزيتون بسبب أهميّة الموسم بالنسبة إليه وغيره من المزارعين على الصعيد المادي، إضافة إلى الدور الوطني. ويقول: "نحن ننتظر من السنة إلى السنة لجني المحصول وعصره وبيع الزيت الذي نعتاش منه بقية أشهر السنة. لكن مع هجمات المستوطنين ومصادرة الأراضي وصعوبة الوصول إلى ما بقي منها وحراستها وتهيئتها تتضاءل كميات الزيت، ونتكبد خسائر فادحة. فإذا كنا ننتج سابقاً طنّاً أو أقل من الزيت، فاليوم لن نصل إلى أقلّ من ربعه".

تحديات 
مع بدء موسم الزيتون تصاعدت هجمات المستوطنين بمساعدة وحماية جيش الاحتلال ضد المزارعين وأراضيهم في مختلف أنحاء الضفة الغربية المحتلة، وطاولت الأراضي الواقعة خلف جدار الضم والتوسع العنصري، حيث فوجئ مزارعون وصلوا إلى هناك أن أشجار الزيتون مدمرة ومقطعة وقد سرق المستوطنون محصولها.
ويقول مدير مكتب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في شمال الضفة الغربية، مراد اشتيوي، لـ "العربي الجديد": "اعتداءات الاحتلال والمستوطنين على أشجار الزيتون هذا العام تنوعت بين حرق وقطع واقتلاع، وقد بلغ عدد الأشجار المتضررة المئات". يتابع: "برزت اعتداءات أخرى هذا العام تمثلت بمنع أو عرقلة وصول المزارعين إلى أراضيهم، خصوصاً تلك القريبة من المستوطنات أو الواقعة خلف جدار الفصل العنصري. وأصدرت سلطات الاحتلال أوامر بإغلاق بعض تلك الأراضي، وقد بلغت 143 أمراً عسكرياً في مناطق عدة من الضفة الغربية".
وبهدف دخول تلك الأراضي، كان يتم التنسيق مع الجانب الإسرائيلي من خلال هيئة الشؤون المدنية الفلسطينية، لكن المختلف هذا العام، بحسب اشتيوي، هو أن ذلك التنسيق توقف مع إعلان القيادة الفلسطينية وقف العمل بالاتفاقيات، وهو أمر يتيح للمستوطنين مواصلة اعتداءاتهم التي تستهدف موسم الزيتون.

موسم الزيتون في فلسطين (مجدي فتحي/ فرانس برس)

 

ويقول مسؤول ملف الاستيطان في شمال الضفة الغربية غسان دغلس، لـ "العربي الجديد"، إن أعداد المستوطنين المنضوين في إطار منظمات الإرهاب اليهودي تتزايد عاماً بعد عام، وهذه المنظمات تتخذ من البؤر الاستيطانية بشكل خاص ملاذاً آمناً لها، كمجموعات "تدفيع الثمن" و"شبيبة التلال" وأحدثها تنظيم "تمرد"، وهو عبارة عن مجموعة إرهابية ولدت من رحم حركة "شبيبة التلال" اليمينية المتطرفة لكنها أكثر تنظيماً وتشدداً.

تحرك جماعي 
ويعول حمدان على الدعم الذي سيلقاه من الجمعيات الزراعية التي تنظم أياماً تطوعية لمساعدة المزارعين في قطف الزيتون، خصوصاً في المواقع الخطيرة القريبة من المستوطنات ومعسكرات جيش الاحتلال. ويؤكد وزير الزراعة الفلسطيني رياض عطاري، أن هناك العديد من الحملات الشعبية بالشراكة مع وزارة الزراعة لمساعدة المزارعين في قطف زيتونهم، خصوصاً في المناطق المهددة بالاستيلاء عليها، موضحاً أن هناك عشرات المبادرات في قطاع الزيتون أطلقتها وزارة الزراعة وهيئة مقاومة الجدار والاستيطان والهلال الأحمر والقوى السياسية.
ويشدد مسؤول ملف الاستيطان في شمال الضفة الغربية غسان دغلس، في حديث لـ "العربي الجديد"، على وجوب تحرك المزارعين بشكل جماعي، على أن تضم المجموعات شباب وليس فقط كبار السن والأطفال والنساء، ما يشجع المستوطنين على مهاجمتهم. ويشير دغلس إلى ضرورة تنسيق المواعيد بين المجالس البلدية والقروية من جهة، والهيئات الرسمية والتطوعية من جهة أخرى، لحشد المتطوعين من أجل مساعدة المزارعين وحمايتهم.

أما اشتيوي، فيوضح لـ "العربي الجديد" أن الهيئة تعمل على مساندة المزارعين من خلال دعم الأعمال التطوعية، أو تزويدهم بأدوات القطف، خصوصاً في المناطق القريبة من المستعمرات، أو توفير أيد عاملة في تلك الأراضي الواقعة خلف جدار الفصل العنصري.

وألقت أزمة "كورونا" بظلالها على موسم الزيتون، فقد تراجعت أعداد المتضامنين الأجانب هذا العام بشكل لافت، بسبب عدم قدرتهم على السفر من جهة، وتشدد سلطات الاحتلال معهم وعدم منح المئات تأشيرة دخول إلى أراضيها عبر مطار اللد، حيث كان المتضامنون الأجانب يأتون لمساندة المزارعين الفلسطينيين.

ذات صلة

الصورة
ما زالت تقدم استشارات للنساء الحوامل حتى اليوم (محمد الحجار)

مجتمع

حتى اليوم، تعرف الكثير من النساء في مخيمات قطاع غزة الداية حورية. هذه المرأة العجوز (85 عاماً) ما زالت تقدّم المشورة للحوامل
الصورة
فلسطينيون يتظاهرون ضد زيارة بومبيو (العربي الجديد).jpg

سياسة

نظم فلسطينيون اليوم الأربعاء، بعضهم يحملون الجنسية الأميركية، تظاهرة ضد زيارة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو لمدينة البيرة الفلسطينية
الصورة

سياسة

حتى اللحظة ليست واضحة لتجار شارع صلاح الدين في القدس، وهو شريان الحركة التجارية في المدينة المقدسة، طبيعة المخطط التهويدي الاستيطاني الذي تعتزم بلدية الاحتلال في القدس تنفيذه في الشارع المذكور من خلال تحويله إلى ممر مفتوح للمشاة فقط.
الصورة
حي الدرج في غزة (عبد الحكيم أبو رياش) 

منوعات وميديا

يعتبر حي الدرج في مدينة غزّة من أعرق الأحياء التاريخيّة في القطاع. ولكن الحي يتعرّض لإهمال حكومي، إذْ جرِفَت بعض المنازل القديمة، وتحوّلت لمبانٍ سكنية.

المساهمون