سوريّون يرون حياتهم من حياة الزيتون

عامر السيد علي
عبد الله البشير
25 أكتوبر 2020
+ الخط -

يُقال إنّ أصول شجرة الزيتون تعود إلى مملكة إيبلا (ازدهرت في شمال غرب سورية في منتصف الألف الثالث قبل الميلاد)، وقد عُثِر على مخطوطات تثبت تلك الأصول. وكان زيتُها يُقدّم كهدية للملوك، ولطالما كانت ذات مكانة رفيعة. وتعدّ محافظة إدلب شمالي غرب سورية بمثابة خزان لثمار الزيتون، ومنبعاً لزيتها. إلا أن سنوات الحرب وقصف الطائرات الروسية والنظام السوري للمنطقة وأشجارها، ساهم في تدمير الكثير منها وأثّر على المحصول، وإن يُصر الأهالي على حمايتها.
يقول خالد السيد علي، ابن مدينة بنش (محافظة إدلب)، لـ "العربي الجديد": "عمر شجرة الزيتون يعود إلى آلاف السنوات. ورثناها عن أجدادنا وآبائنا. وفي محافظة إدلب شمالي غرب سورية، نعتمد على الزراعة بشكل رئيسي. وفي منطقتنا بنش، وخلال الثورة، لم نكن قادرين على الاعتناء بأشجار الزيتون بسبب الحملات العسكرية. وبعد مغادرة الشبيحة قرية الفوعة، أصبحنا قادرين على العودة والاعتناء بها". يضيف: "عمري من عمر بعض الأشجار في البستان. وهناك أشجار تكبرني سناً. زرعت أشجاراً أخرى واعتنيت بها كما اعتنيت بأولادي. صحيح أن الاهتمام بأشجار الزيتون ما زال مستمراً، لكن ليس كما يجب بسبب ظروف الحرب والأزمة الاقتصادية".

أمّا مرشد السيد عيسى، فيشبّه الشجرة بالأطفال. يقول لـ "العربي الجديد": "شجرة الزيتون كالطفل، تحتاج إلى عناية حتى تكبر وتثمر. نربّيها كما نربي الأطفال، ونهتم بها، فتعطينا الثمار والزيت". يضيف: "يبدأ جني الثمار في 15 نوفمبر/تشرين الثاني، وإن يختلف المحصول من عام إلى عام. الزيتون يعدّ مشهوراً في كل سورية، فنحن ولدنا بين أشجار الزيتون. وكلّما زاد الاهتمام بالشجرة، كان إنتاجها أفضل. بعض الأشجار تحتاج إلى اهتمام وأدوية، ونسمي عملية الاهتمام بهذه الأشجار الشحالة. في المقابل، فإن بعض الأشجار شديدة الخضرة، وتكون ثمارها وافرة".
والزيتون المعروف بـ"المعراوي" كما يقول عيسى، يُزرع في بنش ومعظم مناطق محافظة إدلب. ويقول: "نعتمد على أشجار الزيتون التي لا تحتاج إلى الكثير من المياه. على عكس أشجار الرمان والوشنة والمحلب. لذلك، نزرع الزيتون، ونسقيها أحياناً من خلال الصهاريج. هذا العام، تأخر سقوط الأمطار وبالتالي جني المحصول صعب حالياً. خلال العام الماضي، كان الموسم أفضل وإن كانت الثمار صغيرة بسبب قلة الأمطار".

الصورة
زيتون إدلب
استراحة في ظلّ أشجار الزيتون بإدلب (العربي الجديد)

ويتحدّث عيسى عن إحدى المأكولات التي ترتبط بموسم الزيتون وهي الزنانة، وتعد بعد عصر الزيتون. "مع خروج الزيت البكر من أنبوب عصارة الزيتون، يبلل الخبز والماء تحته، ونأكلها بعد زيادة الرمان والثوم والخبز، وتُعدّ من المأكولات المفضلة لدى أصحاب أشجار الزيتون. أحبّ شجرة الزيتون، وأودّ أن يكون هناك اهتمام أكبر بها. هذا العام، يجب الاهتمام بها كما يهتم الإنسان بطفله. الحرب أثرت علينا وعلى أوضاعنا المعيشية. إلا أن أشجار الزيتون تمنحنا الزيت والثمار والحياة، ولا يجب أن نتخلى عنها مهما كانت ظروفنا قاسية وصعبة، صغاراً كنا أو كبارا، فقراء أو أغنياء. هذه الشجرة تعني لنا الكثير، فهي تاريخ وحياة وأصالة بالنسبة لنا".

الصورة
زيتون إدلب

تختلف أنواع أشجار الزيتون في سورية بين منطقة وأخرى. هناك الزيتون الصوراني الذي يزرع بشكل أساسي في محافظة إدلب، ويُعرف بمردوده الكبير من الزيت. أما الزيتي، فيزرع في منطقتي عفرين وأعزاز في ريف حلب. أما الخضيري، فيُزرع في مناطق الساحل السوري وغرب حمص. وهناك الدعيبلي الذي تشتهر به منطقة تلكلخ في محافظة حمص، بالإضافة إلى الزيتون العيروني. وفي جنوب سورية، وتحديداً في محافظات دمشق ودرعا والسويداء، يزرع الزيتون المعروف بالدان. أما في مناطق الباب وجبل سمعان والنيرب، فيعتمد المزارعون على النوع المشهور بالقيسي لديهم. وفي منطقة تدمر الصحراوية شرقي حمص، يعتمد المزارعون على ما يسمى الجلّط في المنطقة، بالإضافة إلى "المحزّم أبو سطل" و"أبو غبرة" و"الأدغم" و"المهايطي"، وكلها تسميات محلية متوارثة. وبين المحافظات، تشتهر أنواع أخرى منها "الخوخي والتفاحي وأبو شوكة والمعراوي والكبربري والماوي".


يستذكر عبد الله العمر (57 عاماً) أشجار الزيتون التي زرعها في منطقته في ريف حمص الشمالي، ويتحدث عنها وعن سنوات من العمل حتى كبرت وقد اقترب جني محصولها. يقول إن "شجرة الزيتون هي شجرة الحياة القادرة على مقاومة الصعاب، وتنمو في الصخر وكأنها تعبّر عن امتنانها لزارعها وتشكره على جهده لأنه غرسها في الأرض. عملت في أرضي لسنوات مع أبنائي. غرسنا الأشجار وقمنا برعايتها. كبرنا وثبتنا جذورها بين صخور أرضنا في منطقة الحولة في ريف حمص الشمالي".
إلّا أنّ النهاية لم تكن سعيدة. "عندما بدأت ثمار الزيتون تظهر، كان مصير الأشجار القطع والحرق على يد قوات النظام، ليقضي على سنوات من الجهد والتعب. دمّر أشجاراً شهدت على صمودنا وحبنا للحياة. هذا كان مصير أشجار الزيتون لدي ولدى كثيرين. نشعر بالحزن على هذه الأشجار بسبب ذكراها وقد تشققت أكفنا من أثر المعول، والمطرقة التي حطمت الصخور، والشاي على الحطب خلال العمل".

تجدر الإشارة إلى أن عدد أشجار الزيتون في سورية وصل إلى نحو 106 ملايين شجرة، منها 82 مليون شجرة وصلت إلى مرحلة الإنتاج، حتى نهاية عام 2015، وذلك بحسب إحصائية وزارة الزرعة التابعة للنظام السوري.

ذات صلة

الصورة
وقفة في ادلب للتضامن مع أطفال سورية بمناسبة يوم الطفل العالمي (العربي الجديد)

مجتمع

نفّذ عشرات الأطفال في محافظة إدلب، شمال غربي سورية، الجمعة، وقفة للتضامن مع الأطفال السوريين الذين ارتكبت بحقهم انتهاكات من قبل النظام السوري وحلفائه، وذلك بمناسبة يوم "الطفل العالمي".
الصورة
سياسة/وليد المعلم/(لؤي بشارة/فرانس برس)

سياسة

تزامنت وفاة وليد المعلّم وزير الخارجية في حكومة النظام السوري، مع مرور نصف قرن على ولادة نظام الأسدين المتهالك تحت وطأة عقوبات وحصار إقليمي ودولي منذ عام 2011، الذي شهد انطلاق الثورة السورية التي واجهها هذا النظام عسكريا من خلال جيشه وأجهزته الأمنية،
الصورة

سياسة

عدما ولد ضعيفاً، بات اتفاق إدلب الذي تمّ التوصل إليه بين موسكو وأنقرة قبل 8 أشهر، عرضة للانهيار. وفيما تسود تكهنات حول بحث الطرفين تفاهمات جديدة، يكثف النظام القصف، وسط برودة تركية وغطاء روسي.
الصورة

سياسة

ينتظر اللاجئون والمهجرون والنازحون السوريون العودة إلى مدنهم وجبر الضرر باستعادة أملاكهم وتعويضهم عما تدمر منها كجزء من العدالة الانتقالية في البلاد، عند انتهاء الحرب وبداية مرحلة الاستقرار.