"البترول الأخضر" فرصة لشباب تونس العاطلين من العمل

"البترول الأخضر" فرصة لشباب تونس العاطلين من العمل

تونس
بسمة بركات
22 يناير 2020
+ الخط -

موسم قطاف الزيتون في تونس الذي بدأ في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، وينتهي مع نهاية الشهر الحالي، يشكّل فرصة عمل للعديد من الشباب العاطلين من العمل، وللعائلات التي تسعى إلى كسب بعض المال. لكنّه عمل موسمي

شارف موسم قطاف الزيتون في تونس على نهايته، وهو الذي يعدّ مصدر رزق للعديد من العائلات. "البترول الأخضر" كما يصفه كثيرون، يُدخل الفرحة إلى العديد من البيوت التونسية. وفي ظل ارتفاع نسبة البطالة، يلجأ عدد من الشباب من أصحاب الشهادات العليا إلى قطاف الزيتون، إضافة إلى بعض التلاميذ والطلاب خلال العطل، علّهم يدّخرون بعض المال لتأمين مصروفهم اليومي ومتطلبات الدراسة.

ولأن الموسم الحالي استثنائي، وقد بلغت المحاصيل أرقاماً قياسية ناهزت الـ350 ألف طن، فإنه ساهم في تحريك العجلة الاقتصادية وتأمين فرصل عمل. هكذا يستيقظ العاملون في قطاف الزيتون فجراً، حاملين معهم فطورهم وما تيسّر من غذاء ليقضوا يومهم في جني المحصول وحمل الأكياس وفرز الزيتون.

بدا نعيم محمدي (28 عاماً) منهمكاً خلال قطاف الزيتون. وعلى الرغم من البرد وصعوبة العمل أحياناً، إلا أنه اعتاد العمل في ظروف مناخية صعبة. يقول لـ"العربي الجديد": "لا شيء يوقفنا عن العمل غير الأمطار الغزيرة. لكن أسعى جاهداً إلى الاستمرار وتأمين مصروفي. وكلّما عملت أكثر، أحصل على أجر أفضل، لأنه مرتبط بالكمية، ويصل إلى نحو خمسة دولارات".



محمدي حاصل على شهادة دراسات عليا في تخصّص التربية البدنية من محافظة القصرين. لكنه، كغيره من الشباب، لم يتمكن من الحصول على عمل، على الرغم من إجرائه عشرات المناظرات، ما دفعه إلى العمل في قطاع الزراعة وقطاف الزيتون. ويؤكد أنه اعتاد العمل في قطاف الزيتون منذ صغره. كان يستغل أيام العطل لقطاف الزيتون وتوفير مصروفه اليومي، مضيفاً أنه يعمل برفقة والدته وجدته وخالاته. جميعهم ينتظرون موسم قطاف الزيتون للعمل وتوفير مصروفهم بعد أشهر من الركود، لتأمين مؤونتهم من الزيت. ويشير إلى أنّ العمل برفقة العائلة له نكهته الخاصة. يستيقظ جميع أفراد العائلة عند الساعة الخامسة صباحاً حاملين طعامهم، ويقضون يومهم في تقاسم الأعباء والعمل الذي لا يتطلب مهارات مسبقة، لكنه يحتاج إلى صبر كبير. ويشير إلى أن مكان العمل يتغير كلّما انتُهي من جمع الزيتون في إحدى القرى.

في المكنين، وسط تونس، تشاركت العديد من الأسر في قطاف الزيتون. وتقول الطالبة ثريا لـ"العربي الجديد" إن ظروف أسرتها الاقتصادية صعبة. والدتها عاجزة عن توفير نفقات دراستها، وخصوصاً بعد وفاة والدها. لذلك، يُعَدّ هذا الموسم فرصة لها لتأمين بعض المصاريف للدراسة وغيرها. وتوضح أنها تعمل أيام العطل بسبب دراستها، مشيرة إلى أنها وآخرين ينتظرون هذا الموسم بفارغ الصبر، إذ إن والدتها وجميع شقيقاتها اللواتي يدرسن في أحد المعاهد يعملن أيضاً، مشيرة إلى أن والدتها لا تعود إلى البيت إلا مع حلول المساء.

ولا يخفي صابر السبوعي (32 عاماً)، الحاصل على شهادة باللغة العربية والعاطل من العمل، صعوبة قطاف الزيتون. "النهوض باكراً في مثل هذا الطقس مرهق". يشعر بأن يديه قد تتجمدان من شدة البرد. ويؤكد أن العمل ليس سهلاً على الإطلاق، وقد تعبت سواعد كثيرة وتحملت مشقة العمل لساعات لجني المحصول. يضيف أنه ينتظر الموسم بفارغ الصبر، الذي يبدأ من شهر نوفمبر/ تشرين الثاني وحتى نهاية شهر يناير/ كانون الثاني، لأنه يمثل الفرصة الوحيدة لتوفير بعض المصاريف. وكلّما كان المحصول وافراً، حصل على أجر أفضل. "لكن للأسف، فإن هذا العمل موسمي".

وبحسب وزارة الزراعة، يتوقع أن يكون الإنتاج للموسم الحالي 350 ألف طن من الزيت، ما يتجاوز ما تحقق خلال الموسم الماضي، إذ بلغ الإنتاج 140 ألف طن. وتأتي ولاية صفاقس، وسط تونس، في صدارة قائمة المناطق المنتجة للزيتون وزيت الزيتون بنسبة 17 في المائة من الإنتاج الوطني، تليها المهدية بنسبة 14 في المائة، ثم سيدي بوزيد وسوسة والقيروان في وسط البلاد. ويوجه 20 في المائة فقط من الإنتاج إلى السوق الداخلي، فيما تُصدَّر الكمية الباقية إلى دول عدة، وتحديداً إلى دول الاتحاد الأوروبي التي تحصل على 70 في المائة من صادرات تونس من زيت الزيتون.



إلى ذلك، يقول نائب رئيس النقابة التونسية للفلاحين فوزي الزياني، إنّ الموسم الاستثنائي يدخل الفرحة إلى البيوت التونسية، نتيجة للأمطار وارتفاع نسبة المزروعات. يضيف لـ"العربي الجديد" أن ارتفاع الإنتاج يعني فرص عمل أكثر، خصوصاً أن عملية الجني يدوية. ويشير إلى أن الموسم الحالي يقدّر بـ350 ألف طن، ما يعني زيادة بنحو مرتين ونصف مرة مقارنةً بالموسم الماضي، وما ينعكس إيجاباً على العائلات التونسية، ويفسّر توجّه عائلات في القرى إلى العمل والحصول على مورد مالي.

ويوضح أن الفتيات أكثر حضوراً خلال قطاف الزيتون، مقارنةً بالذكور، في ظل ارتفاع نسبة الفتيات والنساء في القرى، مشيراً إلى أن الأجر يكون إماً يومياً أو بحسب الكمية التي جُمعت. ويؤكد أن الأسعار تختلف، لكن بشكل عام تتقاضى النساء نحو 20 ديناراً (نحو سبعة دولارات) والرجال 30 ديناراً (نحو 10 دولارات)، باعتبار أن هناك أعمالاً إضافية يقوم بها الرجال، كنقل المعدات وحمل الأكياس وتنظيف بقايا الجني.

ويُوضح أن فترة القطاف الزيتون مهمة، لأنها تُساهم في دفع العائلات إلى العمل. ويستفيد الفلاحون مما يحصلون عليه من مال لاقتناء حاجيات جديدة، على الرغم من أن سعر البيع انخفض كثيراً. ويلفت إلى أن الاستفادة من هذه المحاصيل الهامة كان يمكن أن تكون أفضل، إلا أن الحركة الاقتصادية تراجعت بسبب تراجع التصدير والترويج في ظل انكماش الأسواق الخارجية. كذلك تسعى الدولة إلى احتواء المحاصيل الهامة، مشيراً إلى أنّ المحاصيل الهامة لم تُستغل جيداً.

من جهته، يرى رئيس منظمة الدفاع عن المستهلك سليم سعد الله، أن مجموع الأسر التونسية التي تنتعش خلال فترة الجني كبير، وكلّما كان الإنتاج أفضل، كانت الحلقة المستفيدة أكبر. بالتالي، من الجيد أن ينتفع التونسيون بمنتجات بلادهم، وأن تتحرك العجلة الاجتماعية والاقتصادية.



ويوضح لـ"العربي الجديد" أن الكميات الاستثنائية من زيت الزيتون لهذا الموسم كانت متوقعة، وبالتالي كان يجب الاستفادة منها على أحسن وجه، وربّما بشكل أفضل، من خلال فتح أسواق جديدة، ما يساهم في تأمين العملة الصعبة للبلاد. يضيف أن أجور العمال لم تتغير مقارنةً بالعام الماضي، لكن أسعار البيع تغيرت. وكان يجب الاهتمام بالفلاح ليواصل الاهتمام بمنتجاته، ويسعى إلى زيادة الإنتاج، لكونه الحلقة الأهم في المنظومة.

ويقول عضو المكتب التنفيذي للاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري المكلف الزراعات الكبرى محمد رجايبية، لـ"العربي الجديد"، إن الفلاح التونسي ليس جشعاً، وهو يعمل عاماً كاملاً لإنجاح هذا الموسم. ويأمل أن يجني ما تكبده من خسائر وتسديد ديونه وتأمين أجور اليد العاملة. ويؤمن موسم قطاف الزيتون فرص عمل للعائلات والشباب. وبطبيعة الحال، يرغب الفلاحون في إيصال منتجاتهم إلى الأسواق. ويؤكد رجايبية أن التأخر في جني المحصول يؤثّر بالأشجار. يجب أن تكون لديها فترة للراحة وتحضيرها للموسم المقبل. بالتالي، كلّما تأخر الجني، يتراجع موسم الزيتون في المواسم المقبلة. ويشير إلى أن الفلاح يطمح فقط إلى الحصول على هامش من الربح لتأمين نفقاته وأتعاب ما صرفه في أثناء القطاف والجمع والعصر. لكن للأسف، الدولة لا تدعم الفلاح، ولا تفكر في حلول مفيدة للمستقبل، بما يضمن استمرارية الموسم.

ذات صلة

الصورة
المركز العربي للدراسات ينظم ندوة حول تداعيات الحرب في أوكرانيا على تونس (العربي الجديد)

سياسة

نظم المركز العربي للأبحاث والدراسات – فرع تونس، مساء اليوم الجمعة، ندوة تناولت الحرب الروسية في أوكرانيا وتداعياتها الجيوسياسة على تونس.
الصورة
لجنة الدفاع عن النواب التونسيين المحالين على التحقيق (العربي الجديد)

سياسة

حذرت لجنة الدفاع عن النواب التونسيين المحالين على التحقيق، اليوم الإثنين، من خطورة التهم الموجهة إليهم، داعية إلى توحيد الصفوف، واتخاذ القرارات التي تنقذ البلاد.
الصورة
البحيري

سياسة

نددت هيئة الدفاع عن نائب رئيس حركة النهضة، نور الدين البحيري، بحضور عدد من النواب والشخصيات السياسية، اليوم الجمعة، بالتحقيق مع نواب الشعب الذين شاركوا في الجلسة البرلمانية، مؤكدين أن الانقلاب بصدد ارتكاب عدة تجاوزات تستهدف القانون والحقوق والحريات. 
الصورة
منتدى المدرسة والتحولات في تونس (العربي الجديد)

مجتمع

بحث "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" في تونس موضوع التعليم وكيفية الاستفادة من التجارب المقارنة وفهم المشكلات التربوية، ودعا إلى الإصلاح ووضع السياسات التي تقود إلى تطوير التعليم.

المساهمون