10 سنوات من صمود التجربة التونسية رغم المصائب

17 ديسمبر 2020
الصورة
خلال الاحتفالات بالذكرى التاسعة للثورة، يناير الماضي (شاذلي بن إيراهيم/Getty)
+ الخط -

يحيي التونسيون اليوم الخميس ذكرى اندلاع الثورة التونسية التي انطلقت شرارتها من مدينة سيدي بوزيد وسط البلاد، بعد أن قام الشاب محمد البوعزيزي في 17 ديسمبر/كانون الأول عام 2010 بحرق نفسه احتجاجاً على الظلم ومنعه من كسب رزقه بكرامة (بعدما صادرت السلطات البلدية في سيدي بوزيد عربة كان يبيع عليها الخضار والفواكه)، لتنطلق الاحتجاجات في كل أرجاء تونس وتولد الثورة التي غيّرت مجرى تاريخ البلاد والمنطقة. وفيما لا يزال النقاش قائماً في تونس حول تاريخ اندلاع الثورة، وإذا ما كانت يوم 17 ديسمبر 2010 يوم حرق البوعزيزي لنفسه، أو 14 يناير/كانون الثاني 2011، تاريخ بلوغ الاحتجاجات ذروتها واضطرار الرئيس حينها زين العابدين بن علي إلى الهروب، إلا أنّ المحلل السياسي، قاسم الغربي، يرى أنّ ما وقع في تونس ثورتان؛ ثورة 17 ديسمبر2010، وثورة 14 يناير 2011. فالثورة الأولى ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية وتنموية، والثانية سياسية عندما انتقلت التحركات من الأرياف والمناطق الداخلية إلى المدن، واكتست أبعاداً سياسية.


واجهت الثورة التونسية الأزمة تلو الأخرى

وعلى امتداد السنوات العشر الماضية، واجهت الثورة التونسية الأزمة تلو الأخرى، وهي وإن استطاعت تجاوز الشق السياسي بأقل الخسائر، إلا أنّ التحدي الأبرز لطالما تجسّد بتلبية الطموحات الشعبية من خلال حصد ثمار الثورة تنموياً واجتماعياً، لا سياسياً فقط. وقد اصطدمت هذه الآمال التي بلغت ذروتها عقب الثورة، بحقيقة صعوبة تحقيقها، وفي كل مرة تبرز معضلة جديدة تعطّل هذا التوجه، وأحدثها فيروس كورونا الذي كان من نتائجه توقف الإنتاج في الداخل والدفع نحو مزيد من الديون الخارجية. ووسط كل ذلك، كان على الثورة التونسية أن تواجه معاول الهدم من الداخل والخارج في محاولة لتقليم أظافر التجربة الوليدة، من خلال شحن الساحة السياسية بكل أنواع الصراع المتاحة، وتعطيل عمل المؤسسات المنتخبة وزرع الشقاق بينها، فضلاً عن الاعتداءات الإرهابية التي شهدتها البلاد وكان من نتائجها ضرب أهم مورد للعملة الصعبة المتمثل بالسياحة.

ووفر انعدام الاستقرار الحكومي وانعكاسه على عمل الإدارة والاستثمار، إلى جانب الوضع الإقليمي المضطرب، تحديداً في ليبيا التي كانت تعتبر منفذاً ومتنفساً اقتصادياً وعمّالياً أساسياً لتونس، عوامل غير مساعدة اشتغل عليها مناهضو التجربة وأعداؤها. ومع ذلك، فإنّ الثورة صامدة، بل إنّ عدم اهتزازها على الرغم من كل ذلك، يعكس مدى صلابتها، ويؤكد أنها لم تقم على فراغ أو أنها صدفة تاريخية عابرة، وإنما تستند إلى أرضية شعبية صلبة وحد أدنى من الوعي الجماعي الذي حدّد خياره بشكل نهائي لا رجعة فيه؛ الديمقراطية والصراع السلمي على السلطة. إلا أنّ القلق الأكبر يبقى دائماً من الداخل، خصوصاً مع تصاعد الصراع السياسي بشكل ينذر بالخطر، ويؤكد أنّ السنوات العشر لم تنه مرحلة الانتقال الديمقراطي على الرغم من استعجال الساحة الوطنية للاستقرار المؤدي إلى التفرغ لعملية التنمية.

وتؤكد نظرة سريعة على الساحة الحزبية أنّ كل الأحزاب الرئيسية لا تزال تعمل على حسم صراعاتها الداخلية وتحديد هوياتها وترتيب تموقعها الفكري والسياسي، ولا تزال جميعها تبحث عن نفسها في محيط متحرك، تتقارب وتتباعد، تتوافق وتتصارع، بعضها ينتقل من وسط اليمين إلى اليمين المتطرف أحياناً، وأخرى تتأرجح بين اليسار الاجتماعي والراديكالي. أحزاب تصعد فجأة وأخرى تختفي تماماً، وهو ما يؤكد أن مرحلة الانتقال لم تنته بعد وأن المشهد لا يزال مقبلاً على متغيرات كبيرة في المستقبل.


القلق الأكبر يبقى دائماً من الداخل، خصوصاً مع تصاعد الصراع السياسي

إلا أنّ الفترة الزمنية التي تحتاج إليها هذه التحولات الضرورية في حياة الكيانات السياسية، تتعارض مع طموحات التونسيين وتصوراتهم لنتائج الثورة وانتظاراتهم التي لا تصبر، وهم مقتنعون أنّ النخبة السياسية بإمكانها تأجيل صراعاتها وبحث توافقات تحافظ على الحد الأدنى الضروري لإطلاق العملية التنموية. ولكن فشل الأحزاب في عقد هذه التوافقات، حتى تلك التي يطلق عليها أحزاب الثورة التي يجمعها الكثير، زاد من حدة الصراع حول الحكم، فيما دفع تزايد الضغط الشعبي إلى بروز دعوات في الفترة الأخيرة لعقد حوار وطني اقتصادي واجتماعي باتت الحاجة إليه أكيدة.

وعلى الرغم من الخلافات الكبيرة، بدأ الفرقاء يقتنعون أكثر فأكثر بجدوى الحوار بل بضرورته، وهو ملاذ التونسيين كلما تأزمت الأوضاع، والآلية الديمقراطية غير المؤسساتية التي يلجأون إليها لبحث حلول عجزت عنها المؤسسات القائمة، وهو ما منح القائمين على ذلك في السنوات الأخيرة اعترافاً دولياً، تمثّل عام 2015 بمنح الرباعي الراعي للحوار الوطني (الاتحاد العام التونسي للشغل، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعة التقليدية، والهيئة الوطنية للمحامين في تونسي، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان) جائزة نوبل للسلام. وربما بدأت عدوى الحوار تتسرب إلى الساحة الليبية التي أنهكتها الصراعات.

ويطرح التونسيون والمتابعون لتطورات الثورة، أسئلة كثيرة حول مآلات هذه الثورة وتداعياتها على النسيج المجتمعي والسياسي في تونس. ويوضح المحلل السياسي، قاسم الغربي لـ"العربي الجديد"، أنّ "ما حصل في تونس خلال هذه السنوات العشر هو تقدّم محترم في المجال السياسي والحريات والديمقراطية عموماً، في مقابل فشل ذريع في ما يتعلق بمطالب ثورة 17 ديسمبر، أي في الأبعاد التنموية والاجتماعية والاقتصادية". ويشير إلى أنّ "نجاح التجربة التونسية مقارنة ببلدان الربيع العربي، راجع إلى كون الثورة التونسية لم تعسكر، بينما بقية التحركات في البلدان العربية تمت عسكرتها وبالتالي فشلت". ويشير المتحدث إلى أنّ "الدعوات التي أطلقت أخيراً للعسْكرة من قبل بعض الأحزاب التونسية، تمثّل خطراً كبيراً على الدولة والثورة، وخطراً على كل ما كسبناه طيلة السنوات العشر". وعلى امتداد السنوات العشر الماضية، شهدت تونس سلسلة انتخابات متتالية، من مجلس تأسيسي صاغ دستور الجمهورية الثانية، ثمّ برلمانين، وانتخابات رئاسية في مناسبتين وبلدية، ثبّتت تقاليد التوجه إلى الصندوق في المواعيد المحددة والاحتكام إليه وقبول نتائجه من طرف الجميع، والتداول السلمي على السلطة.


بدأ الفرقاء يقتنعون أكثر فأكثر بضرورة وجدوى الحوار

ويؤكد الغربي أنّ "الانتخابات أدت دوراً مهماً على الرغم من التعثرات والانتقادات والحديث عن تدخل المال السياسي، ولكن التدليس مثل ما كان يحصل قبل الثورة وفي بعض البلدان، لم يحدث". ويعتبر الغربي أنّ "العملية الانتخابية حمت المسار السياسي في تونس، ولكن المخاطر تبقى قائمة وأبرزها عدم قدرة الثورة على تلبية المطالب التنموية والاجتماعية لثورة 17 ديسمبر، وأكبر تهديد أننا قد نفقد ما تحقق وأنجز في المجال السياسي والحريات إن لم ننجح في تحقيق المطالب التنموية".

وتلتقي أغلب التقييمات المختلفة بشأن مسار الثورة في تونس، عند تأكيد النجاح السياسي والفشل الاجتماعي. وبرزت في الآونة الأخيرة إشارات إيجابية وتحولات إقليمية ودولية قد تخفف من حدة التوتر في البلاد وتفتح نافذة على بداية الانفراج. وتأتي التطورات في الجزائر على رأس هذه التحولات، لأن "الشقيقة الكبرى"، كما يسميها التونسيون، كانت متوجسة من الحراك التونسي في بداياته، على الرغم من عدم انقطاع دعمها لتونس اقتصادياً وأمنياً وسياسياً، ولكن التجربة الجزائرية على فرادتها، لا يمكن إلا أن تشكّل تقارباً إضافياً بين البلدين، وتنعكس إيجابياً على تونس وتقلّص من توجّسات التطورات التونسية.

وربما تشكل التحولات الجديدة في ليبيا، إذا توصلت إلى حالة من الاستقرار، انفراجاً اقتصادياً كبيراً لتونس، وتخفيفاً من عبء العمالة، وتقليصاً مهماً لرحلات الموت إلى إيطاليا، فضلاً عن الحدّ من الإنفاق والجهد الأمني والعسكري المضني الذي تبذله تونس جنوباً بسبب حالة اللا استقرار التي تعيشها الدولة الجارة. وعلى الرغم من محدودية التبادل الاقتصادي بين تونس والولايات المتحدة الأميركية، إلا أنّ فوز جو بايدن بالرئاسة أخيراً، خلّف موجة تفاؤل تونسية كبيرة، عبّرت عنها شخصيات كثيرة من بينها الرئيس الأسبق منصف المرزوقي. وكتب الأخير على صفحته الرسمية بموقع "فيسبوك": "فوز بايدن مؤكد وكذلك تبعاته علينا، إنه فوز الديمقراطية على الشعبوية، فوز الإنسانية على العنصرية، فوز المبادئ على المصالح، انتصار الذكاء على الخبث، لطمة موجعة على وجه الفساد".

ويأمل التونسيون بأن يؤدي صعود بايدن والديمقراطيين للحكم، إلى مزيد من الدعم الأميركي لتونس، وتخفيف الضغوط الخارجية السلبية عليها وتقليص التدخل الخارجي المناهض للديمقراطية، الذي لا يهدأ ويستثمر في كل ارتباك تونسي، خصوصاً أن الديمقراطيين كانوا، وبايدن بالذات، داعمين بحماسة واضحة للتجربة التونسية.

قبل أيام، اعتبر الأمين العام لـ"الحزب الجمهوري"، عصام الشابي، في تدوينة على حسابه الشخصي بموقع "فيسبوك" أنّ ما سماها ''غرفة العمليات قد قررت المرور إلى السرعة القصوى، وذلك عبر تسريب قناة الحدث من الإمارات لمكالمة هاتفية للديكتاتور الراحل (زين العابدين بن علي) وتقديمه في ثوب الحامي والراعي لمعارضيه، ونفي ما تعلق بفترة حكمه من فظاعات التعذيب ومصادرة الحريات ورعاية الفساد''.

التونسيون في حاجة إلى حد أدنى من الاستقرار المؤسساتي

وربما تقود كل هذه التطورات الإقليمية والدولية إلى تحسّن الأوضاع في تونس، خصوصاً إذا ما تقلصت تداعيات أزمة كورونا، وعادت عجلة الإنتاج إلى نسق معقول، إلا أنه يبقى أنّ التونسيين بحاجة إلى حد أدنى من الاستقرار المؤسساتي. فقد شهدت تونس منذ اندلاع الثورة أربعة رؤساء هم فؤاد المبزع والمنصف المرزوقي والباجي قائد السبسي وقيس سعيّد، وتسعة رؤساء حكومات هم محمد الغنوشي والسبسي وحمادي الجبالي وعلي العريّض ومهدي جمعة والحبيب الصيد ويوسف الشاهد وإلياس الفخفاخ وهشام المشيشي، من دون احتساب حكومة الحبيب الجملي التي لم تنل ثقة البرلمان، ولا التحويرات (التعديلات) التي شهدتها بعض الحكومات، ما يدل على هشاشة البناء الحكومي وضعف التحالفات الحزبية القائمة عليه. ولعل فترة التوافق بين حركة "النهضة" وحركة "نداء تونس" كانت نسبياً الأكثر استقراراً على المستوى الحكومي، إلا أنّ نتائج الانتخابات الأخيرة أبرزت مشهداً برلمانياً متشظياً يصعب معه تشكيل تحالف واسع داعم للحكومة، ما يؤكد الحاجة إلى نظام انتخابي ينتج أغلبية قادرة على توفير أرضية لاستقرار حكومي. إلا أنّ حجم الصراعات الحالي لا يمكّن من البحث بهدوء عن إصلاحات جوهرية في النظام السياسي، ولا استكمال بقية المؤسسات الدستورية وأهمها المحكمة الدستورية.

المساهمون