لغة التأنيب والتهديد الحكومية تستفز الأردنيين

23 يناير 2021
الصورة
هدّدت الحكومة بالعودة إلى تدابير كورونا (خليل مزرعاوي/فرانس برس)
+ الخط -

اعتبر كثيرٌ من الأردنيين، اللغة التي خاطبتهم بها حكومتهم عبر سبعة وزراء، في إيجاز صحافي يوم السبت الماضي حول فيروس كورونا، بأنها استقواء على المواطنين، وذلك عندما هدّدت بأسلوب فجّ بالعودة إلى فرض الحظر الشامل جرّاء الوباء. وقالت الحكومة التي يرأسها بشر الخصاونة، إنها لمست "تجاوزات واستهتاراً" لدى شرائح من الأردنيين، إثر تخفيف تدابير الحظر الصحّية التي كانت مفروضة لأيام الجمعة من كلّ أسبوع، وذلك للمرة الأولى منذ 14 أسبوعاً. ومن بين الوزراء الذين شاركوا في الإيجاز الصحافي، وزير الصحة نذير عبيدات، والعمل معن القطامين، والداخلية سمير مبيضين.
لغة الخطاب في الإيجاز الصحافي، وعلى الرغم من أنها كانت مرتبطة بشكل مباشر بمواجهة الوباء والتشديد على الالتزام بالتباعد الاجتماعي وإجراءات السلامة، لكنها تؤشر إلى اللغة التي أصبحت تحكم العلاقة بين السلطة التنفيذية وعامة المواطنين، حيث اعتبرها البعض "تهديداً" فظّاً وغير لائق بالأردنيين.

يرى البعض أن لغة التهديد أصبحت اللغة التي تحكم العلاقة بين السلطة التنفيذية وعامة المواطنين

ففي 17 مارس/آذار الماضي، وافق العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، على إعلان العمل بقانون الدفاع رقم 13 لسنة 1992، الذي يتم تفعيله في أوقات الحروب والكوارث. ويمنح هذا القانون الحكومة، صلاحيات واسعة تصل إلى تعطيل القوانين، ووضع قيود على حرّية الأشخاص في الاجتماع والانتقال والإقامة، وإلقاء القبض على أشخاص، وتفتيش الأفراد والأماكن والمركبات. كما يمنحها حقّ إخلاء بعض المناطق أو عزلها، وفرض منع التجول فيها، وتحديد مواعيد فتح المحال العامة وإغلاقها كلّها أو بعضها. وفي ذلك الوقت، طلب الملك من حكومة عمر الرزاز أن "يكون تطبيق قانون الدفاع والأوامر الصادرة بمقتضاه في أضيق نطاق ممكن، وبما لا يمسّ حقوق الأردنيين السياسية والمدنية، ويحافظ عليها، ويحمي الحرّيات العامة والحق في التعبير، التي كفلها الدستور".

وانتقد مواطنون عبر مواقع التواصل الاجتماعي ونوابٌ في البرلمان الأردني خطاب الحكومة الأخير. ووصف النائب رائد رباع الظهراوي، في جلسة لمجلس النواب الأردني، عقدت يوم الأحد الماضي، المؤتمر الصحافي للوزراء السبعة، السبت، بـ"مؤتمر وزراء حربي على المواطنين". وقال الظهراوي موجهاً كلامه للحكومة: "أوليناكم أمورنا تكليفاً وليس تشريفاً، أقل من أسبوع على ثقتنا بكم، وبدأتم تشطحون وتنطحون". وتابع: "لا يزيد هذا من رصيدكم إلا خطوات إلى الخلف، والعين الحمراء والأسلوب الهجومي نستطيع استعراضه عليكم كما استعرضتم على الشعب". وأضاف: "نقدر أهمية الالتزام الصحي والحالة الوبائية، لكن لا نقدّر طريقتكم المتعالية على البشر، احترموا البشر، فهم يستحقون، وإذا كانت هناك تجاوزات فعلاً فحاسبوا المتجاوزين ولا تستخدموا التهديد لمعاقبة الشعب كلّه".
وترى الأمينة العامة لحزب "أردن أقوى"، النائبة السابقة في البرلمان، رلى الفرا، في حديث لـ"العربي الجديد"، أنه "ليس من المنطق عند حدوث مخالفات، أن تخرج الحكومة بمؤتمر صحافي تهدد وتتوعد به المواطنين، وهذه لغة غير لطيفة ومستفزة". وتضيف الفرا أن "هذه تصريحات مبالغ بها، فالحكومة كل يوم تخرج لتهدد الشعب بتغليظ العقوبات"، متسائلة "هل بقيت هناك عقوبات أكثر مما يمر به المواطنون حالياً؟".
وتعتبر الأمينة العامة لحزب "أردن أقوى"، أن اللغة التي استخدمت خلال المؤتمر الصحافي الحكومي "استفزت الكثير من المواطنين، ولديهم الحق" بالشعور بذلك، مشددة على أنه "لا داعي للتهديد، فالغالبية من المواطنين ملتزمة بإجراءات الحكومة لمواجهة فيروس كورونا، سواء بارتداء الكمّامات أو التباعد الجسدي، وهناك فئة قليلة غير منضبطة، وهذا يحدث في جميع دول العالم، ومنها المجتمع الأردني، إذ لا يمكن لأي مجتمع أن يكون منضبطاً بشكل تام". وتشرح الفرا أن "الوضع الاقتصادي في الأردن لا يحتمل، والحريات تتراجع، ولا يوجد مؤسسات تشعر بضيق الناس، وفي مثل هذه الظروف الصعبة، على الحكومة استخدام لغة اللين، وليس الشدة". وفي هذا الإطار، تبدي الفرا انتقادها لاستمرار العمل بقانون الدفاع، والأوامر الصادرة بموجبه، مضيفة "نحن الدولة الوحيدة المستمرة في تطبيق قانون الدفاع لمواجهة جائحة كورونا".
وتذهب النائبة الأردنية السابقة إلى اعتبار أن "مخاطبة الناس بهذه اللهجة، هي نتاج لقانون الجرائم الإلكترونية أيضاً، الذي يمنع الجميع من التعبير عن آرائهم بشكل واضح وصريح، فكل من يكتب رأياً مختلفاً عمّا تراه الحكومة، مطلوب في المحاكم، وأنا شخصياً مطلوبة في عدد من القضايا بسبب كتابات على وسائل التواصل الاجتماعي، مضيفة أن "لا أحد يستطيع التعبير عن وجهة نظره بسبب السيوف القانونية المسلطة على الرقاب". وتعتبر الفرا أن اللغة الحكومية في الخطاب "دليل على غياب النضج السياسي، وعدم وجود حنكة لدى بعض الوزراء، وافتقادهم للقدرة على صياغة خطاب يتلاءم مع أحوال الشعب"، متسائلة "هل من المنطق التهديد بإغلاق مصادر الرزق، وعدم المرونة في تطبيق القوانين الخاصة بمواجهة كورونا، وحرمان الناس من لقمة العيش، بالغرامات؟".

هناك تحفظ واسع من الرأي العام الأردني تجاه الاستمرار في تنفيذ قانون الدفاع 

أما الكاتب الصحافي في جريدة "الغد" الأردنية، ماجد توبة، فيرى بدوره أن التصريحات الوزارية الأخيرة "جاءت مفاجئة ومستفزة للرأي العام الأردني، وتحمل لغة التأنيب والتهديد بالعودة إلى الحظر، وفي طيّاتها استقواء غير مفهوم على المواطنين، وفي غير مكانه". ويتحدث توبة في حديث لـ"العربي الجديد"، عن وجود "مشكلة تتمثل في عقلية الحكومة والخطاب السياسي والإعلامي الذي تقدمه للمجتمع الأردني، رابطاً هذه اللغة بما وصفه بـ"استساغة الحكومة (السابقة والحالية) لتنفيذ قانون الدفاع والبلاغات والتعليمات التي تصدر بموجبه منذ ما يقارب العام".
ويرى الكاتب الصحافي أن "الاستمرار في تنفيذ قانون الدفاع غير مفهوم، وهناك تحفظ واسع من الرأي العام الأردني تجاه ذلك، رغم ما تقدمه الحكومة من مبررات وحجج، في ظلّ تضخمٍ في الأنا للخطاب الحكومي، وكأن المطلوب من الحكومة أن تتصدى لمن يخالفها، كما لو أن المجتمع قاصر، ويحتاج الى التأديب والزجر". ويعتبر توبة أن هذا الخطاب الحكومي "لا يؤسس لإعادة الثقة بين المواطنين والسلطة التنفيذية، وهي ثقة منقوصة ومستنزفة بشكل كبير"، مشدداً على أن هذه الفترة "تحتاج إلى خطاب سياسي يبحث عن الشراكة مع الشعب، لا استفزازه".
وحول أسباب هذا الخطاب ودور المؤسسات الشعبية والأحزاب والنقابات في مواجهته، يشير توبة إلى "الثقة المفقودة من المواطنين بمجلس النواب، لما شاب الانتخابات التشريعية الأخيرة (التي أجريت في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي) من تشوهات بسبب المال الانتخابي وإفرازات قانون الانتخاب". أما بالنسبة لغياب الأحزاب والنقابات، فيقول إن "هناك تغييبا لهذه القوى، فالأحزاب والنقابات دفعت ثمناً غالياً خلال السنة الأخيرة في ظلّ قانون الدفاع والسياسات الرسمية، والقرارات الحكومية التي تحد من قدرتها على الحركة"، مشيراً على سبيل المثال إلى "نقابة المعلمين التي تعرضت لضغوط كبيرة من قبل السلطات، فيما العديد من الحزبيين تم استدعاؤهم وتوجيه تهم لهم". ويختم توبة يقوله إن "كلّ هذه التفاصيل مرتبطة ببعضها، فالتغول الحكومي مرتبط بالإجراءات والسياسات التي تنفذها الحكومة على الأرض، وأهمها مصادرة الحرّيات العامة".

المساهمون