هل يكفي أداء "طالبان" الإعلامي المتميز؟

هل يكفي أداء "طالبان" الإعلامي المتميز لطمأنة العالم؟

22 اغسطس 2021
الصورة
+ الخط -

(1)

عادت أفغانستان لتكون محط أنظار العالم، بسبب تصاعد الأحداث أخيرا فيها، وانتصارات حركة طالبان المفاجئة "والمتوقعة" وسيطرتها على أجزاء كثيرة من البلاد، ودخولها العاصمة كابول والقصر الرئاسي، مع هروب الرئيس الأفغاني، أشرف غني، بذريعة حقن الدماء... كان ذلك متوقعا. وقبل أكثر من شهر، كتبت منشوراً على "فيسبوك" يتوقع ما حدث، بالتزامن مع انسحاب القوات الأميركية والبريطانية من أفغانستان، مع تواتر الأنباء وقتها عن هروب الجنود والضباط  الأفغان ونزوحهم نحو الحدود، خوفا من بطش "طالبان". وقتها أيضا نشرت عدة تقارير في صحف غربية عديدة عن المخاوف من عودة "طالبان".

هل ما حدث كان بتنسيق مع الولايات المتحدة؟ وهل تصدُق التحليلات عن السماح لحركة طالبان بشكل جديد لتمثل إزعاجاً للصين أو لإيران؟ وهل من المنطقي أن ينسحب الرئيس الأفغاني بتلك السهولة، ويتمنى التوفيق لحركة طالبان كما أعلن؟ وهل تم تنسيق ما حدث بشكل مسبق في مفاوضات الدوحة بين طالبان والإدارة الأميركية؟

هناك من يتحدث أنّ طالبان أحدثت في فكرها تعديلاتٍ كثيرة، وتعلمت من خطأ احتضان تنظيم القاعدة والمجاهدين العرب

توقّع محللون كثيرون انتصار "طالبان" على الحكومة الأفغانية، ودخول البلد في مستقبل مظلم، بالإضافة إلى عودة أفغانستان إلى ما يطلق عليه نموذج الحكم الإسلامي، وما يتبعه من مشاهد الجلد والرجم وقطع الرقبة وكل ما يتعلق بالعقوبات، والحدود الخاصة بالشهوات، وهو ما يتم التركيز عليه عموما في كل تجارب الحكم التي تندرج تحت شعار "الإسلامي"، بالإضافة إلى المخاوف من أن تعود أفغانستان قبلة للجهاديين في العالم، فيُعاد إحياء تنظيم القاعدة،  وأنّ هناك من يحاول الطمأنة، بزعم أنّ الحركة أحدثت في فكرها تعديلاتٍ كثيرة، وتعلمت من خطأ احتضان تنظيم القاعدة والمجاهدين العرب، وهو ما أدّى إلى انطلاق هجمات التنظيم من داخل أفغانستان، وما تبع ذلك من غزو أميركي وإنهاء تجربة الحكم الإسلامي في أفغانستان.

(2)

شاهدت أخيرا عدة أفلام وثائقية عن المناطق التي كانت تحت سيطرة "طالبان" كل تلك السنوات، تخضع لتطبيق أحكام الشريعة، من ضرورة الصلاة في أوقاتها وعدم المجاهرة بالمعصية وعدم التدخين، بالإضافة إلى تطبيق الحدود على المخالفين للشريعة، مثل عقوبتي الجلد والرجم. ورصد أحد التقارير أيضا تطبيق العقوبات على أعضاء الحركة المخطئين كذلك، وأن للحركة شعبية كبيرة في المناطق الريفية والجبلية. أفاد كثيرون بأن وقوعهم تحت حكم "طالبان" أفضل كثيرا من الخضوع للحكومة الفاسدة التي تنهب أموال المعونات، ولا تنفقها على تنمية حقيقية. وفي المقابل، كانت مشاهد الهلع والهروب الجماعي من أفغانستان محزنة للغاية، حالة هلع جماعية انتابت عدداً كبيرا من سكان كابول، بعضهم عايش فترة حكم "طالبان"، وبعضهم عاش حياة فيها بعض الحريات الشخصية  بعد زوال ذلك الحكم. ومن الطبيعي أن يسعى هؤلاء إلى الهرب بعد ذلك، وبعدما عادت الفتيات إلى المدارس والنساء إلى العمل ولعب الرياضة أو التجوّل من دون برقع بحرية في الشوارع. وعادت تقارير صحافية إلى الانتهاكات في حق الصحافيين أو مطاردة شخصيات بارزة من المتعاونين سابقا مع الحكومة العلمانية السابقة، وعلت أصوات عالمية تطالب حكومة طالبان باحترام حقوق الإنسان، وتمكينها المواطنين الراغبين في مغادرة البلاد أن يغادروا بأمان.

استغلت المجموعات المؤيدة للسلطة في مصر مظاهر الفرح التي أعلنها الإسلاميون، ليقولوا إن مصر كانت ستتحول إلى أفغانستان جديدة، لو استمرّ الإخوان في السلطة بعد 2013

في أوطاننا، هناك دائما من يخاف من القمع ووصول الفصيل المنافس إلى السلطة، لأنه لا توجد ضمانات كافية لعدم التنكيل بالخصوم. أتذكّر مثلا ذلك الهلع الذي أصاب قطاعاً كبيراً من المسيحيين في مصر عند فوز الإسلاميين في الانتخابات البرلمانية والرئاسية بعد ثورة يناير/ كانون الثاني 2011. وقد نشب، في غضون الحدث الأفغاني أخيرا، صراع إلكتروني بين أطراف عدة، كعادة أي حادث كبير، فأصواتٌ كثيرةٌ محسوبةٌ على الإسلاميين بمختلف توجهاتهم أعلنت عن الفرح والغبطة بالنصر المبين لحركة طالبان، والذي اعتبروه نصراً للإسلام والمشروع الإسلامي، واعتبروا أن الأفغان الذين يحاولون الهرب من بلادهم مجرّد خونة يحاولون الهرب خوفا من العقاب، وشبهوا ذلك بهروب المتعاونين مع الاحتلال الأميركي لفييتنام بعد انتصار الشيوعيين. لكن تلك دعاية غير صحيحة، فقياسا على ذلك، هل يمكن اعتبار من يحاولون النجاة من النظام الحاكم في مصر خونة؟ بالتأكيد، التشبيه غير صحيح.

وعلى الجانب المقابل، استغلت المجموعات المؤيدة للسلطة مظاهر الفرح التي أعلنها الإسلاميون، ليقولوا إن مصر كانت ستتحول إلى أفغانستان جديدة، لو استمرّ الإخوان المسلمون في السلطة بعد عام 2013. وبدأ الإعلام الموالي للسلطة في عرض برامج ولقاءات وأعمال درامية تخلط بين كل الإسلاميين وتضعهم في سلة واحدة. كثيرون من أنصار السلطة ونظرية المؤامرة يحاولون إقناع البسطاء بأن الإسلاميين كلهم الفصيل نفسه، ومتآمرون ضد الدولة، أو أن وصول الإسلاميين إلى السلطة في أي مكان هو نتاج تعاون إسلامي، أميركي، تركي، إسرائيلي، قطري، في الوقت نفسه!

تطوّر أداء "طالبان" الإعلامي كثيراً، فالحركة تحاول الإيحاء أو الزعم أنّها تغيرت، وسوف تكون أكثر تحديثاً من قبل

ولم يبذل الإسلاميون أي مجهود لنفي تلك التهم، بل أكّدها كثيرون من شباب التيار الإسلامي في ردود فعلهم وتعليقاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، بدفاعهم الحماسي العاطفي عن حركة طالبان، والزعم أنها حركة تحرّر وطني تقاوم المحتل. ودافع آخرون عن أسلوب تطبيق "طالبان" الشريعة، مثلما دافع بعضهم من قبل عن أفعال تنظيم داعش وممارساته التي اتسمت بالدموية والوحشية. وزادت الطين بلة تنظيراتٌ توجه اللوم إلى جماعة الإخوان المسلمين، بسبب عدم جنوحها إلى المقاومة المسلحة بعد 3 يوليو/ تموز 2013، فهناك بعض رموز الجماعة الإسلامية في مصر الذين صرحوا أنّ "الإخوان" كان عليهم حمل السلاح وإعلان الجهاد صراحة حتى يتحقق لهم النصر كما حدث مع "طالبان".

(3)

أنشئت أفغانستان في الماضي دولة عازلة بين المصالح البريطانية والإمبراطورية الروسية، وكعادة الاستعمار في إنشاء الدول لا يتم النظر بعين الاعتبار إلى الاختلاف الإثني والعقائدي. وربما كان هذا سببا في مآس كثيرة، والمعاناة على الشعوب والقبائل التي عاشت في تلك البقعة. وحاليا يتعامل العالم بكثير من البراغماتية مع الوضع الجديد في أفغانستان، فهي دولةٌ حبيسةٌ ملاصقة لدول عديدة مؤثرة مثل إيران، وروسيا، والصين، أميركا، وأوروبا بالطبع، سيكونون حريصين على عدم تحوّل أفغانستان إلى قبلة للجهاديين مرة أخرى، كما كانت قبل 11 سبتمبر/ أيلول 2001. فيما تنتشر عدة تحليلات ترصد القلق الصيني من إمكانية تداخل "طالبان" مع أزمة مسلمي الإيغور أو دعم الحركات السلفية الجهادية أو الانفصالية داخل الصين، أو أن تتسبب "طالبان" في إزعاج لروسيا، أو إيران، فيما تحاول تركيا التدخل بصفتها دولةً قائدة لها نفوذ في المنطقة خصوصا مع تلاصق تركمانستان وأفغانستان.

نظريات وروايات كثيرة يتم ترويجها لتفسير ما يحدث. وعلى الرغم من ذلك، الوقت مبكّر لمعرفة كيف سيكون الحال في أفغانستان. لكن، من الواضح فعلا أن أداء "طالبان" الإعلامي قد تطوّر كثيرا، فالحركة تحاول الإيحاء أو الزعم أنها تغيرت، وأنها سوف تكون أكثر تحديثا من قبل، كما أن أعضاء الحركة أصبحوا أكثر براعة في التعامل مع التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي. وفوجئ كثيرون بوجود عدة متحدثين إعلاميين يتحدثون في قنوات إخبارية دولية بعدة لغات. لكن، هل تكفي الوعود وهل فعلا تتغير "طالبان"؟ أم تعود ريما إلى عادتها القديمة؟ هذا ما سيتضح بمرور الوقت.