عندما يرمي ماكرون على "النهضة" التونسية

10 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

في خطابه يوم 2 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري في مدينة "لي ميرو" في ضواحي باريس عن "قانون الانعزال" الذي سيعرض للنقاش أمام البرلمان الفرنسي يوم 15 الجاري، ومحوره الأساسي مقاومة الإسلام الراديكالي، استحضر الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، النموذج التونسي لدولةٍ كانت، حسب رأيه، أفضل قبل ثلاثين سنة. وبحسبه، فإن نظرة التونسيين إلى الإسلام وطرق فهمه وتطبيقه كانت قبل ثلاثة عقود مغايرة جذريا لما هي عليه اليوم، على الرغم من أن التونسيين يعتبرون شعبا متعلما ومثقفا، مضيفا أن التوترات التي تعيشها فرنسا اليوم هي نفسها الموجودة في تونس. وقال إن الإسلام دين يعيش اليوم أزمة في كل أنحاء العالم، وهي أزمة ناتجة من توترات بين مفاهيم أصولية ومشاريع دينية وسياسية في كل العالم، تفضي إلى تشنج قوي كذلك في بلدانٍ الإسلامُ فيها هو دين الأغلبية، مثل "البلد الصديق تونس". وهو ما يسمح، حسب رأيه، بالقول إن الإسلام يعيش في مجمله أزمةً من جرّاء "هذه الظواهر الراديكالية والنزعة إلى إحياء الجهاد من أجل القضاء على الآخر"، وهي الظاهرة نفسها التي تواجهها فرنسا في الشام وفي الساحل الأفريقي. 

يعدّ خطاب ماكرون هذا تاريخيا، فلأول مرة يعبّر رئيس الدولة الفرنسية عن عزمه على شن حرب منظمة على "أسس ديمقراطية"، أي باللجوء إلى قوانين الجمهورية ضد الإسلام السياسي في فرنسا، ويقدّم في الخطاب نفسه التوجهات الكبرى والإجراءات العملية الدقيقة التي ينوي اتخاذها لتحقيق الهدف المعلن، وهو إعلاء القانون الجمهوري على أي اعتبار ديني في تنظيم المجتمع. ويشير بوضوح إلى الحركات الإسلامية التي تستغل الدين الإسلامي لشق المجتمع الفرنسي. وينطلق تصور الرئيس الفرنسي من النظام اللائكي الذي يضمن حرية المعتقد، وحق ممارسة الشعائر في إطار احترام النظام العام. مع إلزامية حياد الدولة، ولا يعني ذلك انسحاب الديانات من الفضاء العام، بل إن اللائكية "هي التي تحقّق وحدة فرنسا"، وطالب ماكرون الجميع باحترام قوانين الجمهورية، من دون الخلط بين المسلمين والإسلاميين الراديكاليين.

يبدو الإسلام السياسي في فرنسا، كما يرى الفرنسيون، متأثرا بشكل كبير بالمرجعية المغاربية، وخصوصا النموذج الجزائري الذي هيمنت عليه في سنواتٍ خلت الجبهة الإسلامية للإنقاذ

وقد شدّد ماكرون، في خطابه، على دور المدرسة التي تتكفل بتلقين مبادئ الجمهورية، لا مبادئ الدين، قائلا "المدرسة تكوَن المواطنين لا المؤمنين"، معلنا أن ظاهرة الإسلام الراديكالي استفحلت في البلاد منذ عقود، وحان الوقت "أن تستفيق الجمهورية، وأن تحقق وعودها في التحرّر، لأن الروحانيات تبقى من الشؤون الشخصية، في حين تظل اللائكية قضية الجميع". وقد بدا ماكرون وفيا، في خطابه، لمبادئ الثورة الفرنسية وقيم الجمهورية ولولع الفرنسيين بنسج الأفكار الجديدة، ونحت المصطلحات على طريقة فلاسفة التنوير. ولذلك حاول شرح ما يعنيه بمفهوم "الانعزال الإسلامي" سدّا لتطويح الفرنسيين المعتاد وذهابهم في جدل عقيم لا آخر له، فقد بين بأنه أيديولوجيا "تهدّد جمهوريتنا وقدرتنا على العيش المشترك"، وهي تعمل على "رفض حرية التعبير وحرية الضمير وحق الكفر" كما قال، ومن ثمّة "تفضي إلى التخلص من قوانين الجمهورية والتسامح مع العنف والانضمام إلى الإرهاب".

وقد فجّر استحضار ماكرون، في خطابه هذا، الحالة التونسية جدلا داخل تونس وخارجها، بشأن انعكاسات هذا القانون الذي يمهد له الرئيس للقطع مع ما سمّاه "التخاذل الفرنسي" إزاء الإسلام السياسي في بلاده، والسيناريوهات المضمرة التي ينوي تنفيذها في بلدان أخرى غير فرنسا، ومنها تونس وباقي الدول المغاربية والأفريقية. إذ يبدو الإسلام السياسي في فرنسا، كما يرى الفرنسيون، متأثرا بشكل كبير بالمرجعية المغاربية، وخصوصا النموذج الجزائري الذي هيمنت عليه في سنواتٍ خلت الجبهة الإسلامية للإنقاذ. وما يقدّمه المغرب من آلاف الأئمة والدعم المالي للمساجد. علاوة على نشاطات الجمعيات ذات المرجعية الدينية في الأحياء المعزولة للمهاجرين، وهي جمعيات كانت تدعو أتباعها إلى الإشتغال في الأعمال الحرّة، وتجنب العمل في مؤسسات الدولة الفرنسية وشركاتها، ما ساعد الحكومات المتعاقبة على تقديم أرقام بطالةٍ أسقطت من حسابها أعدادا معتبرة من شباب الضواحي. وأمام تخاذل الدولة، تبين لها أن الإسلام الحركي في الضواحي بات خارج السيطرة، وأضحى قريبا من التنظيمات المتطرّفة.

لفرنسا تأثير بارز في السياسة الداخلية التونسية، ويمكنها أن تمارس ضغوطها الإقتصادية والثقافية والديبلوماسية متى رأت أن الإسلام السياسي في تونس أصبح يهدّد مصالحها

ويؤكّد مطلعون أن ماكرون يعتمد في معالجة المعضلة الإسلاموية في بلاده على مستشاره الأكاديمي ذي الأصول التونسية، حكيم القروي، الذي عرف بتقريره "صناعة التطرّف الإسلاموي"، وقدّم فيه توصياتٍ للحكومة بهدف وضع حد للخطر الإسلاموي على فرنسا وقيمها. ولعل أهم ما جاء في هذه التوصيات التي تبنّاها ماكرون إنشاء هيئة لمراقبة أموال المساجد والجمعيات الإسلامية، وفرض ضريبة على المنتجات الحلال، من أجل تمويل المساجد، والحد من الهبات التي تقدّمها الدول الأجنبية، وتكوين أئمة فرنسيين لإلقاء الخطب في المساجد وتعليم الدين الإسلامي، وفق قيم الجمهورية ومبادئها، وكذلك تعليم اللغة العربية في المدارس الفرنسية من أجل تقليص عدد التلاميذ الذين يتعلمونها في المساجد. ولا يستبعد مراقبون أن تتسع هذه الإجراءات لتشمل دولا أخرى مثل تونس، للتصدّي للإسلام السياسي حماية لمصالح فرنسا في هذه الدول.

وتأسيسا على ما سبق، يجمع مراقبون على أن حركة النهضة التونسية هي المقصودة بما صرح به ماكرون، بما أنها الحزب الأكثر رسوخا في الحكم منذ اندلاع ثورات الربيع العربي 2010، والأكثر تأثيرا في المنطقة المغاربية والعربية، مقارنة بباقي الأحزاب ذات المرجعية الدينية، نظرا إلى ما أبدته من تماسك وقدرة تنظيمية واستمرارية في الحكم وتمثيلية في الإنتخابات، واستقطاب لأتباع في الداخل والخارج. ولا يُستبعد، في هذا السياق، أن تتأثر "النهضة" مباشرة أو بصفة غير مباشرة بحرب ماكرون على الإسلام السياسي من أوجه كثيرة، فللحركة أنصار عديدون في فرنسا سيتضرّرون حتما من القانون المنتظر، وستتضرّر بالتالي علاقتها بهم، كما تتهدّدها الإجراءات اللاحقة لتنفيذ هذا القانون، إذ لا يُستبعد أن تستنهض فرنسا مكونات المجتمع المدني التونسي ذي التوجهات الليبرالية والعلمانية من أحزاب وجمعيات وشخصيات مؤثرة في صناعة الرأي العام للحدّ من تأثيراتها.

ولا يخفى أن لفرنسا تأثيرا بارزا في السياسة الداخلية التونسية، ويمكنها ان تمارس ضغوطها الاقتصادية والثقافية والديبلوماسية متى رأت أن الإسلام السياسي في تونس أصبح يهدّد مصالحها، ويحد من إشعاعها الثقافي والحضاري. وستتفرّغ فرنسا قريبا للاهتمام بمصالحها في ليبيا، والسعي إلى تقليص الدور التركي، والعمل على إزاحة الأطراف الليبية ذات المرجعية الإسلامية، ما سيكون له تأثير مباشر في تحجيم دور حركة النهضة وامتدادها وتأثيرها وطنيا وإقليميا.