عشر سنوات .. الثورة والحنين

01 فبراير 2021
الصورة
+ الخط -

بعد بدء الثورات والانتفاضات العربية بفترة، وبعد تحول بعض الانتفاضات إلى حروب أهلية، كانت أنصار الحكام العرب المخلوعين يحاولون ترويج رواية أن تلك الثورات العربية حيكت في الغرب لتدمير الجيوش العربية ولخدمة إسرائيل، وأن المستفيد الوحيد من تلك الثورات هو الكيان الصهيوني. لذلك، أطلق بعض أبواق الديكتاتوريات والسلطويات العربية مصطلحاً قبيحاً، "الربيع العبري". ومع الوقت، انضمت إلى تلك الإساءات أصوات أخرى، محسوبة على التيار القومي والناصري، يبدو أن بعضهم أصابه الارتباك من فكرة أن جزءاً كبيراً من الثورات والانتفاضات العربية كان ضد نموذج الدولة شديدة المركزية والسلطوية، أو نموذج الدولة التي يكون للعسكريين فيها امتيازات غير مقيدة، ذلك النظام الذي أنشأه جمال عبد الناصر ثم تبعه كثيرون بعد ذلك في الوطن العربي.
كان أنصار مبارك وفلوله الأوفياء الذين دافعوا عنه علانية، ولم يتنكّروا له بعد ثورة 25 يناير عام 2011، يستخدمون ذلك التعبير القبيح (الربيع العبري). ثم زاد استخدامه بكثرة بعد النصف الثاني من عام 2013، عندما تنكّر كثيرون للثورة، وعادوا إلى قواعدهم أو ساندوا المنتصر وقتها. هدف نعت الربيع العربي بأنه عبري خداع البسطاء، وتنفيرهم من فكرة الثورة، والإيحاء بأنها مؤامرة من العدو الصهيوني، ولكن لسخرية القدر تجد أن الهرولة إلى التطبيع مع ذلك العدو الصهيوني كانت من طريق تلك الحكومات والأنظمة التي حاربت الربيع العربي، وزعمت أنه عبري، أبرزها الإمارات التي أنفقت مليارات الدولارات من أجل وأد الثورات العربية والإساءة إليها، في حين أنها كانت أسرع المهرولين إلى علاقات حميمية مع "إسرائيل"، ثم تلتها البحرين والسودان والمغرب، بخلاف العلاقات السرية القديمة بين الحكومات العربية و"إسرائيل". أما الشعوب العربية، فكانت بعد الثورات تسعى إلى تكامل حقيقي بينها وبين بعضهم، وكانت الثورات فرصةً هائلة للتواصل والتكامل والتقارب بين الشعوب العربية، بدلاً من النعرة القُطرية، أو القومية، التي تثيرها الحكومات كل فترة لتوسع الخلافات العربية. كانت الانتفاضات والثورات العربية منذ عشر سنوات فرصة كبيرة لبناء نظام عربي جديد، يقوم على المصالح المشتركة للشعوب، لا الأطماع الشخصية للحكام.

أصبحت الأوضاع أسوأ مما كان قبل 2011، تضييق شديد على من بقي خارج السجن ومن لا يزال مقتنعاً بثورة يناير وأهدافها وأفكارها

مرت عشر سنوات على الثورة، وماذا بقي؟ لم يبقَ الكثير، وأيضاً ما بقي ليس قليلاً. الرفاق في السجون، يتجدّد لهم الحبس بشكل روتيني. أصبحت الأوضاع أسوأ مما كان قبل 2011، تضييق شديد على من بقي خارج السجن ومن لا يزال مقتنعاً بثورة يناير وأهدافها وأفكارها. وهناك أيضاً أعداد كبيرة في المنفى الاختياري واللجوء خارج البلاد، يقتلهم الحنين، ولا يستطيعون العودة، تجنباً للملاحقات الأمنية والسجن.
إحساس كبير باليأس والإحباط بعد مرور عشر سنوات، إحساس مرير بالهزيمة وضياع الآمال. نسبة كبيرة ممن شاركوا أصبحوا عازفين عن أي نوع من المشاركة السياسية، أو الاهتمام بالشأن العام. وهناك أيضاً نسبة ضئيلة أو كبيرة انتقلت إلى صفوف السلطة، أصبحت مهمتهم الكذب والنفاق وموالاة السلطة من أجل الفوز بمنصب أو مقعد، وهناك أيضاً من يحاول اختيار طريق وسط إصلاحي في المنتصف، قد يكون له تأثير في أحيان قليلة.
ولكن الذكرى كل عام تظل مثاراً للحنين والرثاء. نتذكّرها ونتذكّر حلم الديمقراطية والحريّة والكرامة، ولكن بَعضنَا يعتبر أن الاحتفاليات والرثاء والذكريات على مواقع التواصل الاجتماعي كل عام تشبه الكربلائيات، أو أن ثورة 25 يناير أصبحت صنماً للعبادة. ولمَ لا؟ إنها تستحق كل ذلك الرثاء، وكل ذلك التقديس، وأكثر من ذلك، فالحلم لم يكن هيناً، فقد كان يمثل تطلعات الملايين منذ سنوات طويلة إلى حياة أفضل، فلم تعش شعوبنا العربية حرية حقيقية أو ديمقراطية وحكماً رشيداً منذ نشأة الدول العربية، إلا في تجارب نادرة ومحاولات مغدور بها. كان حلماً في مصر بأن يجري تغيير منظومة حكم استمرت حوالى 30 عاماً في حكم حسني مبارك، نظام شديد المركزية أسّسه عبد الناصر منذ 57 عاماً، ومن حقنا أن نشعر بالفخر ونظل نحكي لأولادنا عنه أمام آلة إعلامية جبارة، ومجهود كبير يبذل، ومليارات الجنيهات التي تُنفَق لتشويه التجربة وتزييف الحقائق وتخويف الناس وتنفيرهم منها. ومن حقنا أيضاً أن نحزن لإخفاقها، ونحاول تذكر ودراسة كيف أضعناها وكيف تمكن الخصم منا وتلاعب بنا جميعا.

كان ميدان التحرير نموذجاً لما هو أفضل، طابع تعاوني ملائكي نادر، حيث كان الجميع على قلب رجل واحد

ولكن بعد عشر سنوات، هل تعلمنا من الخطأ، ولنفرض أن المعجزة تحققت مرة أخرى فجأة، هل سيكون الوضع أفضل؟ بعد خروج الجماهير واحتلال الميادين وبدء اعتصام الـ18 يوماً، كان ميدان التحرير نموذجاً لما هو أفضل، طابع تعاوني ملائكي نادر، حيث كان الجميع على قلب رجل واحد، ولم يكن هناك فارق بين إسلامي وعلماني، أو ليبرالي واشتراكي، أو ذكر وأنثى ولا مسلم ومسيحي. ولكن سرعان ما بدأت الخلافات في الظهور، حتى حول الشعارات المتفق عليها، فهل الحرية للجميع أم للجماعة أو الحزب أو الفصيل، وهل العدالة الاجتماعية تعنى العودة إلى الاشتراكية، وتحكم الدولة في الاقتصاد، أم هي إجراءات للتخفيف من آثار السوق الحر، ثم كانت النقطة التي كانت ولا تزال مربط الفرس، والتي استغلّها المجلس العسكري في مصر وقتها، لتفتيت قوى الثورة من الداخل، هل هي دولة دينية أم مدنية؟ وهل كان هناك حقاً من يرغب في إلغاء المادة الثانية من الدستور، وأن يجعل النساء عرايا في الشوارع، ويبيح زواج المثليين، كما زعم إسلاميون في دعايتهم ضد باقي قوى الثورة؟
المؤسف أنه لم ينهِ أحد تلك التوافقات والجهود النظرية، ولم تصدر صياغة رؤية موحدة قابلة للتطبيق. ستظل تلك النقاط جوهر تفجير أي مبادرات أو محاولات مستقبلية. وبالتالي، ليس متوقعاً أن يكون هناك في الوقت القريب حدث مشابه لما حدث في 2011، وإنْ حدث شيء، فسيكون مختلفاً بأشخاص مختلفين، فالسلطة الحالية هي الطرف الوحيد الذي درس جيداً وتعلّم من درس ثورات 2011.

لا يمكن طمس وإخفاء أنه كانت هناك انتفاضة شعبية قوية ومزلزلة غيرت أوضاعاً كثيرة في المنطقة، وكشفت العديد من هشاشة مجتمعاتنا

ولكن على الرغم من تلك القتامة التي يبدو عليها المشهد، هناك أشياء مضيئة وإيجابية، فذلك الرابط بين أهل ثورة يناير، باختلاف توجهاتهم وانتمائهم، شيء عظيم. وأهل يناير كثيرون، حتى إن تفرقت بهم السبل، فلا يزال هناك من هو راديكالي لا يزال الحلم في داخله مشتعلاً، وهناك من يحاول أن يكون أكثر هدوءاً أو أكثر ميلاً إلى الوسائل الإصلاحية، وهناك من عزف وابتعد قليلاً أو كثيراً، وهناك أيضاً من اقترب أكثر من السلطة، أملاً في الحماية أو المكاسب. ولكنهم جميعهم يجمعهم رابط يناير وحب تلك المحاولة العظيمة واحترامها وتبجيلها، في مواجهة من يكيلون لثورة يناير والثورات والانتفاضات العربية كل الاتهامات، ويحاولون طمسها طول الوقت. وهناك أيضاً مكسب عظيم في أجيال جديدة لم تشارك في الثورة، كانوا أطفالاً صغاراً منذ عشر سنوات، ولكنهم سمعوا عن ثورة يناير، ويفتخرون بها، ولا يصدقون ما يقال عنها.
وفي نهاية الأمر، لا يمكن طمس وإخفاء أنه كانت هناك انتفاضة شعبية قوية ومزلزلة غيرت أوضاعاً كثيرة في المنطقة، وكشفت العديد من هشاشة مجتمعاتنا وهشاشة حكومات كثيرة مستبدّة، وأثارت الثورات العربية قضايا ومشكلات كثيرة كانت منسيةً، لكنها جوهرية، ولا تزال موجودة، وتعوق تطور المنطقة، تلك الهبّة الشعبية لا تزال تقلق الحكام في منطقتنا، فيبذلون الكثير لتشويهها وتجنب تكرارها. فتحية لكل من شارك في ذلك الحلم وحاول التغيير، وتحية لشهداء الثورة المصرية والثورات العربية وكل الأبطال، وتحية للمعتقلين الذين لا يزالون يدفعون الثمن بسبب اقتناعهم بمبادئ الثورة من حرية وعدالة، وكرامة، وتحية لأهالي المعتقلين وزوجاتهم، الذين لا يقلون بطولةً بسبب صبرهم وتحمّلهم.