سياسيو العراق عندما يلعبون "الشوملي"

سياسيو العراق عندما يلعبون "الشوملي"

17 نوفمبر 2021
الصورة
+ الخط -

ذكّرتني التوترات الناشبة بين أطراف "العملية السياسية" في العراق بحكاية شعبية عن خصام بين اثنين من الرعاة على ملكية عصا تستخدم في رعي البقر، يطلق عليها اسم "الشومة". وكلّ منهما يزعم أنّها ملكه، ويكرر صيحة "الشومة لي" وقد اندمجت الكلمتان بفعل تقادم الزمن لتصبحا كلمة واحدة. ومن هنا جاءت تسمية مدينة الشوملي في محافظة بابل التي يقال إنها شهدت الواقعة أيام زمان. وتضيف الحكاية أنّ كلّاً من الطرفين جمع أنصاره، وشرع يقدّم أدلته على ملكيته، حتى ضاق متابعو الخلاف ذرعاً بما يحدث أمامهم، وطلبوا من شيخ العشيرة التدخل لإيجاد حل، وعندما عجز نصح أتباعه أن يدعوا الطرفين يتخاصمان، وألّا يزجّوا أنفسهم في المشكلة، لأن النتيجة بالنسبة لهم واحدة، ربح هذا الطرف أم ذاك.

ومشكلة العراقيين مع ساستهم من زعماء المليشيات وقادة الكيانات السياسية هي مشكلة أبناء العشيرة مع طرفي الخصام في الحكاية الشعبية، إذ إنّ كلّاً من هؤلاء السياسيين يسعى إلى مواصلة الاستحواذ على السلطة والمال والقرار، فيما يتفرّج مواطنوهم على اللعبة الماثلة أمامهم، والتي ستكون نتيجتها واحدة، انتصر هذا الطرف أو ذاك، وسوف يظل العراقيون يبحثون عن شربة ماء وحبة دواء وفسحة أمن وأمان، حتى يقضي الله أمراً.

سوف يظل العراقيون يبحثون عن شربة ماء وحبة دواء وفسحة أمن وأمان، سواء انتصر هذا الطرف أو ذاك

وإذ احتكم أولئك الزعماء والقادة إلى "صناديق الاقتراع" وفق ما تقتضيه اللعبة الديمقراطية التي يزعمون إيمانهم بها، فإنهم عندما شعروا، عند ظهور النتائج، أنّ حسابات الحقل لا تطابق حسابات البيدر، وأنّ الأمر قد يجرّ إلى خسارة سلطتهم، ومحاسبتهم عما جنته أيديهم عقدين، تنكّروا لما وعدوا به واستلوا سيوفهم وراحوا يضربون يميناً وشمالاً، ويتبادلون الاتهامات والتهديدات بالقتل والتصفية بعضهم لبعضهم الآخر. وفي هذا السياق، لم يتورّعوا عن تدبير محاولة لاغتيال رئيس الحكومة، مصطفى الكاظمي، لينفضح هذا النمط من السياسيين الذين ساقتهم الولايات المتحدة من الأزقة الخلفية لدول الغرب والجوار، حيث كانوا "يجاهدون" لتقذف بهم في عاصمة الرشيد، كي يحكموا بلداً عمر حضارته أكثر من ستة آلاف سنة، وقد فقدوا الآن أعصابهم لمجرّد خسارتهم بعض المقاعد في الانتخابات البرلمانية التي أرادوا منها أن تعيد إنتاج سلطتهم على نحوٍ يرضي أحلامهم، وكشفوا عن إيمانهم المزعوم بالديمقراطية وحقوق الإنسان، وحتى عن عدم احترامهم للدستور الذي فصله على مقاسهم الأميركي نوح فيلدمان.

لحقت بكل هذه التداعيات، وكمحصلة طبيعية لها، حالة استعصاء قد تقود إلى العجز عن إنضاج عملية تشكيل حكومة فاعلة في وقت قصير، علق عليها ابعضهم ممن يُحسنون الظن بالأيام آمالهم الموؤودة.

حالة استعصاء قد تقود إلى العجز عن إنضاج عملية تشكيل حكومة فاعلة في وقت قصير

ويدور الصراع الآن بين ما يسمّونه "الاطار التنسيقي"، وهذا يضم زعماء المليشيات والمصطفّين معهم الذي يسعون إلى إعادة انتاج "العملية السياسية" التي حكموا البلاد من خلالها طيلة السنين الماضية وقيام "حكومة توافقية" تعتمد المحاصصة الطائفية وتحافظ على امتيازاتهم وأرباحهم، و"التيار الصدري" الذي يدعو إلى تشكيل "حكومة أغلبية"، باعتباره الطرف الذي أحرز النسبة الأعلى من المقاعد في الانتخابات. ويعِد مقتدى الصدر زعيم التيار المساندين له بأنها ستكون "حكومة وطنية" لا تعتمد المحاصصة، وبأن يكون لها برنامج إصلاحي يركّز على محاربة الفساد، وتوفير الخدمات العامة، ورفض التدخلات الخارجية، ووضع السلاح بيد الدولة. ويبدو أن التوفيق بين الرؤيتين أصبح غير ممكن، في الحال الحاضر على الأقل. يُضاف إلى ذلك أن إيران، الراعية للأحزاب الشيعية، ليست في وضع يسمح لها بالانحياز المعلن لمعسكر المليشيات لأسباب عديدة، كما أنها لا تريد أن تنفض يدها من "التيار الصدري"، على الرغم من طروحاته التي لا ترتاح لها، ولأنّ قراءتها له توحي بأنّه أخذ يحتل حيزاً أكبر في الفضاء السياسي، إذ عرض التوافق مع ممثلي السنة، كما استقطب عدداً من الفائزين في الانتخابات من المستقلين، وحتى ممن يقدّمون أنفسهم من ثوار تشرين (أكتوبر 2019)، الذين لا يجدون ضيراً من التحالف مع الصدريين، على قاعدة أن "ليس بالإمكان أفضل مما كان".

ومهما يكن، سوف تكون الأيام المقبلة حبلى بالمفاجآت التي قد تعيد الوضع إلى المربع الأول، وقد تتصاعد التوترات والصراعات، لتأخذ طابعاً أكثر حدّة، ربما يفضي إلى استخدام السلاح، خصوصاً أنّ فصائل المليشيات ومعظم الكيانات السياسية تضع في أيديها مختلف أنواع السلاح، ومن ضمنه السلاح الثقيل، إلى درجة أنّ لدى بعضها طائرات مسيرة وصواريخ زودتها بها إيران، لاستخدامها عند الضرورة، وهذا ما يخشاه كثيرون.