رمضان والفن والسياسة

رمضان والفن والسياسة

08 مايو 2021
الصورة
+ الخط -

أصبحت مشاهدة مسلسلات الدراما التليفزيونية ومتابعتها في شهر رمضان في مصر من عادات المصريين، وربما العرب بشكل عام. وفي موسمها الحالي، هناك اختلافات عن الأعوام السابقة، فالإعلانات التجارية أصبحت أكثر كثافةً واستفزازاً، والوقت المخصص للإعلانات التجارية يزيد عن ضعف المخصص للمسلسلات والأعمال الدرامية نفسها، وعلى المتضرر اللجوء إلى منصّات المشاهدة المدفوعة على الإنترنت التي أصبح لها جمهور كبير يزداد لمواكبة العصر. أما محتوى الإعلانات فهو الأكثر استفزازا، عدة إعلانات مصوّرة يشارك بها نجوم عرب، تتحدّث عن المعجزات والإنجازات من "الكومباوندات" الفخمة والمنتجعات السياحية التي أنشأها القطاع الخاص على أرض مصر، حيث السعادة والجو النظيف والنوادي والملاعب والأماكن الخضراء، وهي الأماكن التي لا يستطيع أكثر من 80٪‏ من المصريين مجرّد التفكير بالمرور من أمامها، ثم يتلو ذلك إعلان أو أكثر لطلب التبرع للفقراء والمعدومين، وما أكثرهم في مصر، أو لحث المواطنين على دفع الضرائب.

يشبه هنا، إلى حد ما، نظرية الـ80 /20، أي أن 80% من الكادحين الذين يعملون ليلا ونهارا لكي يعيش 20% في رفاهية أكثر، و80% من الإعلانات التجارية موجهة لخدمة (ومتطلبات) طبقة الـ20% الذين هم على أعلى الهرم الاجتماعي، فـ80٪‏ من الإعلانات التجارية التليفزيونية هذا العام موجهة للترويج للأماكن الفخمة والمنتجعات السياحية التي لن يستخدمها سوى 20٪‏ من الشعب وربما أقل، أما 20٪‏ من الإعلانات التجارية التليفزيونية في رمضان فهي موجّهة للتبرعات والزكاة ومناشدة الناس وأصحاب القلوب الرحيمة لمساعدة الفقراء ومحدودي الدخل الذين هم الأغلبية من الشعب. والـ20% من الميسورين والأغنياء الذين تزداد ثرواتهم عن طريق زيادة فقر الـ80% ومعاناتهم، حتى في السياسة والانتخابات والاستفتاءات، يكون الـ80٪‏هم الذين يصوّتون للـ20٪‏ الذين يعملون لمصالحهم الخاصة بعد ذلك.

الإعلانات التجارية أصبحت أكثر كثافةً واستفزازاً، والوقت المخصص للإعلانات التجارية يزيد عن ضعف المخصص للمسلسلات والأعمال الدرامية نفسها

أصبحت دراما رمضان اقتصادا مستقلا بحد ذاته، إلى جانب دورها في تشكيل الوعي العام وتوجيه الرأي العام. وهذا ما يفسر أيضا لماذا أصبح هناك جهات أمنية تحتكر إنتاج تلك المسلسلات الدرامية، وتتحكّم في المحتوى والسيناريو. وقد صار يثور كل عام جدل بشأن المحتوى والرسالة الموجهين من الأجهزة في كل المسلسلات، وإن كان الجدل هذا العام أكبر بسبب حساسية القضايا وكثافة المسلسلات والدراما الموجهة. وقد بدأ مبكراً قبل رمضان بشأن مسلسل تاريخي، يحكي قصة أحمس، أحد أشهر ملوك التاريخ المصري القديم، والذي حارب الغزاة الهكسوس القادمين من شمال شرق مصر. وقد ثار جدل تاريخي على "السوشيال ميديا" بشأن المسلسل أولا عن تلك الفترة والمقارنة بينها وبين قصة سيدنا موسى وخروج اليهود من مصر. ولماذا يوجد توثيق في الجداريات المصرية القديمة عن فترة حكم الهكسوس القادمين من بلاد الشام وفلسطين، بينما لا يوجد توثيق في التاريخ المصري القديم عن قصة نبي الله موسى، وهل الفراعنة هم الهكسوس كما يقول من يقول، أم هم ملوك المصريين القدماء. وثار جدل فني آخر، كان الأشهر في الشارع المصري، بشأن شخصية الممثل الذي يمثل دور القائد المصري أحمس، حيث الممثل ذو عيون خضراء وملامح قد تكون غير مصرية، فرفضت حملاتٌ على "السوشيال ميديا" المسلسل، حتى توقف تصويره قبل رمضان.

جدل من نوع آخر عن ممثلين كان لهم مواقف سابقة لدعم ثورة يناير، لكنهم يؤدّون الآن أدوارا في مسلسلات رمضانية، تحاول بث رسالة أن الثورة كانت مؤامرة خارجية على الوطن، أو ذلك المسلسل المثير للجدل الذي أعاد فتح الجراح بشأن فض اعتصام ميدان رابعة العدوية في القاهرة صيف عام 2013، متبنيا وجهة نظر السلطة فقط. وفي كل المسلسلات تظهر شخصية ضابط الشرطة ملائكية، حيث لا صياح ولا تجاوزات ولا تعذيب ولا تلفيق للقضايا، فالتاريخ يكتبه المنتصر.

جهات أمنية تحتكر إنتاج المسلسلات الدرامية، وتتحكّم في المحتوى والسيناريو

يذكّر هذا بمرحلة ما بعد يوليو 1952 عندما كان تتم إضافة (شخبطة) أو تشويش على كل نسخ الأفلام التي بها صورة الملك فاروق، ملك مصر والسودان، حتى ينساه المصريون كأنه لم يكن موجودا بالأساس، ثم بدأ إنتاج أفلام سينمائية في الخمسينيات والستينيات تصوّر ما معناه أن مصر تأسست في يوليو 1952، وأن كل ما كان قبل ذلك كان فسادا شديدا وقهرا وذلا واستبدادا وإقطاعا وظلما لكل المصريين. على الرغم من أن من يقرأ الكتب التي صدرت بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر سيكتشف أن الوضع قبل عام 1952 لم يكن بهذا السوء، ولم تكن تلك المرحلة شيطانية كما صوروها. كما أن ضباط "يوليو" لم يكونوا ملائكة كما صوّروا أنفسهم، بل سمعنا وقرأنا عن عشرات ومئات التجاوزات الكبرى التي ارتكبها هؤلاء، وكيف أن بعضهم استولى على ثروات الأسرة المالكة أو كل من كان مسؤولا قبل يوليو/ تموز 52، وعاش الضباط في حياة رفاهية واستهتار، وأعطوا نفسهم كل الامتيازات بدون رقيب ولا حساب، وبدون وجه حق، حتى كانت هزيمة 1967 المخجلة أمام "إسرائيل".

المضحك في رمضان هذا العام قصة الشابة التي زرعتها الأجهزة الأمنية في الأوساط الحقوقية المصرية منذ عام 2006، حيث كانت تعمل في مؤسسة مجتمع مدني شهيرة، كانت الأكبر في تلقي المعونات والتمويلات الأميركية المخصصة للمجتمع المدني. وتحوّلت مواقف تلك الشابة في عام 2013 بدرجة 180، وأصبحت تدافع عن السلطة الحاكمة بشكل مُلفت ومبالغ فيه، واستخدمت علاقاتها الوثيقة مع الأميركان والأوروبيين التي اكتسبتها من العمل في المجال الحقوقي المصري قبل 2013 في تبرير كل ممارسات السلطة، ونفي كل ما يقال وينشر عن انتهاكات في الملف الحقوقي.

في المسلسلات تظهر شخصية ضابط الشرطة ملائكية، حيث لا صياح ولا تجاوزات ولا تعذيب ولا تلفيق للقضايا

لم تعد تلك الشابة بالطبع محسوبة على جانب الثورة بعد مواقفها المناوئة لها، ولا على من تبقوا من الحقوقيين الذين لا يزالون متمسكين بالدفاع عن مبادئ حقوق الإنسان. والمثير للسخرية والرثاء أن معسكر أنصار السلطة أيضا لم يتقبلها، وظل ينظر لها دوما بارتياب، لأنها من وجهة نظرهم قادمة من جانب الحقوقيين والمعارضة وثورة يناير، فهي لا تستحق شرف الانضمام لهم وليست نقية الدماء مثلهم، فكانت تلك الفتاة تشكو من ظلم أنصار السلطة لها. إلى أن كان أحد مسلسلات رمضان الموجهة التي تعرض حاليا، عن أحداث وأشخاص قبل ثورة يناير (2011)، ولكن بأسماء مختلفة. وكانت إحدى شخصيات المسلسل شابة زرعتها الأجهزة الأمنية داخل الأوساط الحقوقية المصرية، لتبلغ عن كل ما يحدث، فثار جدل جديد على "السوشيال ميديا" بشأن التشابه بين شخصية تلك الشابة التي كانت تعمل في مركز دراسات شهير والشابة التي تحدث عنها المسلسل، وتم زرعها أيضا في مركز دراسات شهير له اسم مشابه. فانطلقت الشابة الحقيقية في حماس شديد، وبكل فخر، لتؤكد المعلومة، وتؤكد أنها فعلا تلك الشخصية في المسلسل التي زرعها الأمن قديما داخل الأوساط الحقوقية. وتعتبر بكل سعادة ذلك دليلا على وطنيتها الشديدة، وينفي عنها كل شبهات التعاطف مع ثورة يناير، وأنها بذلك مثل سابق الأبطال والجواسيس الذين خدموا الوطن، عن طريق زرعهم داخل صفوف أعداء الوطن، مثل رأفت الهجان وجمعة الشوان وأدهم صبري.

المثير للسخرية أيضا أنه على الرغم من ظهور حقيقة عملها لحساب أجهزة الأمن قبل ثورة يناير وبعدها، إلا أن أنصار السلطة لا يزالون ينظرون إليها بتشكك، ولا يرغبون بقبولها وهضمها بسهولة في أوساطهم. وما زالت اللعنات تنصبّ عليها من الطرفين، طرف الثورة والمدافعين عن حقوق الإنسان الذي يراها خائنة كاذبة مخادعة ومضللة، وطرف أنصار السلطة الذي لا يريد أن يغفر لها أنها كانت يوما في معسكر ثورة يناير، حتى لو كان ذلك مجرّد دور مرسوم لها.

يا ترى، كيف يتحدث التاريخ مستقبلا عن هذا كله؟