إسماعيل ياسين في تشريح الهزيمة

إسماعيل ياسين في تشريح الهزيمة

04 يوليو 2021
الصورة
+ الخط -

لا يتوقف واحدنا عن الضحك أثناء مشاهدة سلسلة أفلام الفنان الكوميدي الفريد إسماعيل ياسين، الذي كان سبباً في إطلاق ضحكات ملايين العرب عقوداً.

وكان إسماعيل ياسين يؤدي فيها دور جندي في القوات المسلحة، مثل إسماعيل ياسين في الطيران، إسماعيل ياسين في الأسطول، إسماعيل ياسين في الجيش، وفي البوليس الحربي، وباقي تلك السلسلة التي تعتمد على فكرة إسماعيل ياسين، المواطن البسيط المهمّش المظلوم من المجتمع وممن حوله، بسبب فقره وقلة حيلته وبساطة حياته، إلى أن يلتحق بالبحرية أو الطيران أو البوليس، حتى يتحوّل إلى شخصٍ آخر شجاع مقدام، مرغوب فيه من محبوبته ومهاب من الأشرار، وسط مواقف كوميدية وحبكات مضحكة طوال الفيلم.

 عرضت إحدى قنوات الأفلام، أخيراً، بعض هذه الأفلام، وأعدت مشاهدتها، فيما كنت متأثراً بقراءة مقالات تحليلية عن خفايا هزيمة حرب يونيو 1967، فكان لتلك الأفلام طعم آخر هذه المرة للأسف. وتذكّرت أيضاً مقالة قديمة، عن دعم دولة يوليو وجمال عبد الناصر تلك النوعية من الأفلام التي تشجع الناس على التطوّع والالتحاق بالقوات المسلحة، بهدف بناء جيش قوي يستطيع الدفاع عن مصر ضد العدو في حالة المواجهة.

ولم تكن الأفلام الكوميدية التي تشجع الناس على الالتحاق بالجيش بدعة، أو جديدة على العالم وقتها. في الحرب العالمية الثانية وما بعدها، كانت تلك الفكرة مستخدمة في السينمات الأميركية، والبريطانية، والفرنسية، بل والسوفييتية أيضاً، وهناك مئات الأفلام بكل اللغات تحمل الفكرة نفسها التي تشجع البسطاء على التطوّع والانضمام للقوات المسلحة، ويتم وضعها في إطار كوميدي محبوب، يثبت في ذاكرة الناس.

 كانت تلك الفترة نفسها استعراضاً لأسلحة الجيش المصري، استعداداً لإلقاء إسرائيل في البحر، كما كان الإعلام المصري يروج وقتها، وكانت تلك هي الفترات نفسها التي يتحدث فيها الإعلام المصري عن صواريخ الظاهر والقاهر، مصرية الصنع، والفريدة من نوعها، والتي توشك على دكّ تل أبيب، وهي الفترة نفسها التي كان الإعلام المصري وقتها يتحدّث عن الاكتشافات التكنولوجية والعلمية العظيمة والإنجازات الصناعية الكبرى والتفوق والتقدم الذي تحققه مصر في ظل قيادة الزعيم الأوحد، ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة، و"تمام يا فندم"، و"كله تمام".

 لن أضحك، في أثناء مشاهدتي فيلم إسماعيل ياسين في الطيران، مثل كل مرة أشاهد فيها حبكات الفيلم الكوميدية، بل تذكّرت مقالات وأجزاءً من كتاب في تشريح الهزيمة، عن علم المخابرات الإسرائيلية بأدق التفاصيل الحياتية للطيارين المصريين، وكان لديها معلومات دقيقة عن الطائرات والمطارات. ولذلك استطاعت تدمير كل الطائرات المصرية على الأرض، قبل أن ينتبه المصريون إلى أي شيء، ما عدا بضع طائرات استطاع الطيار حسني مبارك، الذي أصبح رئيساً للجمهورية فيما بعد، النجاة بها، في أثناء القصف.

غابت الرقابة الشعبية، وعاش الناس في وهم كبير استيقظوا منه على هزيمةٍ مخجلة، سقط معها المشروعان، المحلي والإقليمي، وحلم القومية العربية 

 صحيحٌ أن الجيش المصري استطاع العبور وتوجيه ضربة قوية للعدو الإسرائيلي بعد سنوات، وإجبار العدو على قبول شروط التفاوض والانسحاب بعد توقيع معاهدة السلام، أياً كان التقييم واختلاف الآراء بشأن تلك الخطوة، ولكن من المهم أيضاً أن نستمر في تذكّر أسباب الهزيمة ودراستها، وكيف كان لغياب الشفافية والمساءلة والمحاسبة دور كبير في تلك الهزيمة المخجلة، وكيف تفوق مبدأ "أهل الثقة لا أهل الخبرة"، في تلك الكارثة، وكذلك توغّل أجهزة المخابرات داخلياً، وتوحّشها أمام شعبها بحجة الدفاع عن الدولة مقابل ذلك الفشل التام خارجياً أمام العدو الحقيقي، ومعضلة غياب الفرائض المؤجلة دوماً مثل الديمقراطية، وتداول السلطة، في ذلك التكلّس والترهل والفساد والمحسوبية.

 أما الإعلام الموجّه الذي يزيف الحقائق، ويجمّل القبيح، فقد كان له دور كبير أيضاً، حيث غابت الرقابة الشعبية، وعاش الناس في وهم كبير استيقظوا منه على هزيمةٍ مخجلة، سقط معها المشروعان، المحلي والإقليمي، وحلم القومية العربية الذي كان الناس يتنفسونه وقتها، فهل هناك من استفاد من تلك الدروس حتى لا يتكرر ذلك في عهدنا؟ هل هناك فارق جوهري بين ذلك الزهو والتضخيم والتفخيم الذي كان يحدث قبل عام 1967، وما يحدث الآن؟ هل هناك فارق كبير بين إعلام الأكاذيب والتضليل قبل عام 1967، وإعلام الكذب والتضليل الحالي؟ هل هناك فرق جوهري بين نظام الحزب الواحد والصوت الواحد والشخص، وما يحدث الآن من تعدّدية شكلية وأحزاب سياسية على الورق لا تجرؤ على الاجتماع داخل مقارّها؟

تهتم السلطة وأجهزتها بمسألة احتكار الإعلام والسيطرة عليه، وسد كل ثغرة يمكن أن ينفذ منها رأي حرّ

في الأيام التي نحياها الآن، تهتم السلطة وأجهزتها بمسألة احتكار الإعلام والسيطرة عليه، وسد كل ثغرة يمكن أن ينفذ منها رأي حرّ، أو يحاول قول الحقيقة. نرى مسلسلات تنشر الأكاذيب، وتزيف الحقائق، يتم إجبار الممثلين على المشاركة فيها، فمن لن يشارك في أعمال الشركة المحتكرة لكل أعمال الدراما التليفزيونية في مصر لن يجد مكاناً آخر يظهر فيه.

هناك بالفعل فنانون وممثلون متبرّعون دوماً بالنفاق، ومساندة أي سلطة، وقد كانت لهم مواقف معلنة ضد الثورات العربية منذ البداية، ولكن احتكار الأجهزة الأمنية الإنتاج الدرامي وسيلة وسيطرة إجبار لكل من كان له مواقف داعمة للثورة أو حتى مواقف محايدة على العمل الإجباري في أعمال درامية تعادي ثورة يناير، وكل ما تمثلها من قيم.

قد يذكّر هذا الحال ذلك بقصص كثيرة عن رموز وكواكب الفن والغناء العربي الذين قاموا بالغناء لتمجيد الملك فاروق، ثم تمجيداً لانقلاب يوليو 1952، ثم تمجيداً لجمال عبد الناصر، ثم لأنور السادات؛ بدون أي تغيير ملحوظ في الأداء، في مقابل فنانين ومنتجين تم تأميم أموالهم ومصادرتها، أو التضييق عليهم في فترة الستينيات، حتى ماتوا من الحسرة والكمد.

وبالمناسبة، ليس خافياً على أحد أن الفنان العظيم إسماعيل ياسين نفسه عانى كثيراً في أواخر أيام حياته من الفقر والمرض، على الرغم من كل ما بذله من مجهود كبير لإسعاد الجماهير في الوطن العربي كله.