يوم المرأة: "مي تو"... أغنيتان ونصف

08 مارس 2020
الصورة
تمثال للناشطة إيميلي بانكهورست (أولي سكارف/ فرانس برس)
+ الخط -
شكّلت الملاحقة القضائية لهارفي وينستين، ذاك المُنتج الهوليوودي المُخضرم الذي حصد كثير من أفلامه الجوائز كـ"البافتا" والأوسكار، مُحرّكاً محوريّاً لانبعاث حركة نسوية دؤوبة، عالية الصوت وحادة النبرة على أعتاب العشرية الثانية من القرن الحادي والعشرين. مآلات أودعت الأخير السجن لمدّة قد تصل إلى ربع قرن بعد ثبوت تهمة "السلوك الجنسي الإجرامي" و"الاغتصاب من الدرجة الثالثة" جراء اعتدائه واستغلاله جنسياً ممثّلات صاعدات لقاء وعدهن بأدوار سينمائية. قضيةٌ توّجت في المحصّلة نضالات الحركة بقدر ما سلّطت الضوء على ذكورية مُفترسة تحرس أبواب سوق الفن الموصدة في وجه كل امرأة لا تهب جسدها كلّه، أو القليل منه، كتذكرة لدخولٍ عالم الشهرة والمال.

كمرآة عاكسة للتاريخ، يمكن النظر إلى النسوية الجديدة "مي توو" (معناها؛ وأنا أيضاً، كنايةً عن اشتراك كثير من نساء العالم بقصص تحرش جنسي تعرضوا لها في مراحل الحياة ومرافقها المُختلفة) على أنها صورة للحراك النسوي في الغرب مطلعَ القرن العشرين الذي نهض تحت شعار "أصوات انتخابية للنِسوة"، وتصدّرته حركة "سفراغيت" بقيادة الناشطة البريطانية إيميلي بانكهورست 1858-1928، والتي اشتُهرت بتنظيم مسيرات واعتصامات نسائية، وإضرابات عن الطعام، وحتى انتحارات احتجاجية، فتحت أمامهنَّ أخيراً أبواب المشاركة السياسية.

وكما تمثلّت الحركة النسائية السابقة بأدب نسائي، كأعمال الروائية الأميركية شارلوت باركنس غِلمان 1860-1935، والبريطانية فرجينيا وولف 1882-1941، وموسيقى نسائية كالتي قدّمتها المؤلفة الأميركية إيستر آلان 1914-1998. وشهدت الساحة الفنية الراهنة، الرفيعة والشعبية، صخباً نسويّاً شمل كل القطاعات، ضم مختلف الثقافات، وعمّ سائر أنحاء العالم. صارت الأفلام السينمائية الطويلة والتسجيلية، والأغاني المسجلة والمصورة، إضافة إلى الحفلات الجماهيرية، منابرَ تُطلق الرسائل وتردد الشعارات تنادي بلاسقفيّة المساواة التي ينبغي أن تتمتع المرأة بها، مهما كانت هويتها ودينها وملبسها أو لون جسدها.

بما أن للثقافة الشعبية حضوراً مؤثراً في العصر الراهن، تلعب أغاني نجوم البوب ومسلكيّاتهم، من خلال قراراتهم الفنية ومبادراتهم النشاطويّة، الدور الأهم في حمل وتوصيل الرسالة السياسية والاجتماعية التي تنادي بها الحركة النسوية إلى قطاعات جماهيرية واسعة وشرائح مجتمعية عليا ودنيا تشمل الراشد الكبير، واليافع الصغير، بين أنثى وذكر.

أهم القضايا النسوية التي تشغل الساحة الفنية هو تسليع المرأة، حضوراً وقيمة، من خلال اختزالها جسداً باعثاً على الشهوة الجنسية ومصبّاً لها. من هذا المنطلق تُقرأ أغنية "جوس" (عصير) للفنانة الأفرو أميركية المُلقبة بـ "ليزو"، التي تربعت على عرش المائة أغنية وحصدت ثماني جوائز "غرامي". الأغنية تتناول التسليع في مستويات عدّة، وإن بأسلوب بسيط مرح؛ فليزو تجعل من جسمها المُمتلئ من ناحية، وذي البشرة السوداء من ناحية أخرى، وعبر وسيط الغناء والرقص، أداةً للسخرية والنقد إزاء ثقافة رجالية عنصرية تحضّ النساء على القلق المُستمر على أجسادهن والهوس المُفرط بأوزانهنَّ، والإنفاق المُستمر على مستحضرات التجميل والتنحيف، بغية إدراك صورة نمطية لطالما سعت وسائل الإعلام والصناعة الترفيهية منذ عقود إلى بثها في عقول الناشئة وزرعها في نفوسهم المضُطربة المتعبة جراء الجري المستمر على بساط متعة الشراء.

في مقاربة غنائية جريئة لقضية أخرى كثيراً ما تُثير الحركة النسوية حولها الجدل والسجال في ميدان السياسة وسوق العمل، وذلك في المجتمعات الغربية على وجه الخصوص، ألا وهي قضية الأم العزباء، أي المرأة التي تربّي طفلها بمفردها، حيث تُسمع في أغنية ميلي سايرس المصورة "أم.. ابنة"، نبرة تحدٍّ شرس وإرادة مواجهة في سبيل الحق والخيار الحر الذي ينبغي للمرأة العصرية أن تحوز عليه في الدراسة والعمل بالتوازي مع تربيتها لأطفالها من دون الاتّكال على زوج أو شريك قد لا ترغب في وجوده إلى جانبها، أو أن الظروف اقتضت هجره لها، أو انفصالها عنه.

الرموز الدارجة تبدو ماثلة، سواءً لجهة الفيديو المصور، أو لغة الشارع المحكية. تردد سايرس عبارات كـ"لا تعبث بحريّتي" أو "هي تملك القوة"، في إشارة إلى عزم واستقلالية المرأة. على صعيد الصورة، تُقدم الأغنية أسطورة "السوبر هيرو- ين"، أي المرأة الخارقة، أحد منتجات ثقافة البوب الأميركية من خلال الروايات المصّورة "الكوميكس"، حيث تظهر سايرس ذاتها بوصفها إحدى تلك البطلات المزعومات. علاوة على استحضار الرموز الأنثوية الجنسية والجسدية على مدار الأغنية، يُلحظ إيلاؤها حيزاً لظهور المرأة السوداء في بعض المشاهد واللقطات، كمسعى للتمثيل العرقي، توجّهٌ قد ميّز الخطاب النسوي الراهن، وعلى الأخص عند تبنّيه من قبل ذوي البشرة البيضاء.

عربياً، وفي إطار أغنية البوب ذاته، تظهر بعض الإنتاجات كما لو أنها تركب الموجة العالمية، أو تتردد أصداءً لها. على سبيل المثال، يحمل ألبوم المغنية التونسية لطيفة الأخير اسم إحدى أغنياته "أقوى وحدة" عنواناً له. من خلال الكلمات، التي كتبها عمرو المصري، تصف لطيفة قوّة المرأة العربية كما لو أنها تكمن في ضعفها. على عكس النسوية الغربية، لا تدعو الأغنية المصورة إلى الإمساك بزمام القرار والمبادرة على درب اكتساب المزيد من الحرية والحقوق في مُجتمع موغل في البطركية، وإنَّما تقتصر قوة المرأة على احتمالها القهر والضيم دون إظهاره، وفي كتمانها الوجع والصبر على العذاب دون الخروج عنه والثورة عليه، قوتها إذاً، تتجلى في قُدرتها على حجب الجوهر الضعيف والمُستكين عن الأنظار والمسامع.


وإن حملت تلك الأغاني الشعبية مطالب مُحقة، وعالجت مسائل مُلحّة تتعلق بسيادة قيم الحرية والمساواة بين الجنسين، والأعراق على وجه التكميل والإضافة، إلا أنها وعلى صعيد الشكل والمضمون تبدو كما لو أنها تُعيد إنتاج الأشكال عينها التي داومت الصناعة الترفيهية الذكورية على تصديرها وتدويرها. فتلك الإنتاجات لا تُحدث أي خرقٍ ثوري تقويضي، لا على صعيد الأغنية أو الصورة ولا على درجة الانفعال وطبيعة الاستقبال، كما لو أنها لا تميل إلى، أو لا تقوى على تغيير قواعد اللعبة الاستهلاكية؛ لكونها ربما، مثلها مثلُ النجمات اللاتي يُقدمنها، من صُلب الصناعة نفسها ومن داخل المؤسسة القائمة عليها، تُنتج وتسوّق ثم تُباع بذات الوسائل. وعليه، فإنها، وإن بدت تُقارع التسليع، وتناضل في سبيل مزيد من التحرير، إلا أنه ومن زاوية أكثر تحدّباً، يمكن النظر إليها هي أيضاً، على أنها محض تسليعٍ للقضية النسوية ذاتها، أي مجرد موضة وتقليعة لا أكثر.

المساهمون