أم عمرو المصريّة بَنت منازل

08 مارس 2020
الصورة
اختارت لنفسها اسم "منصور" (العربي الجديد)
+ الخط -

في حارة شعبيّة في أحد الأحياء السكنية القديمة في مدينة السادس من أكتوبر (محافظة الجيزة)، تقطن صباح إبراهيم الشهيرة بـ "أم عمرو". تعمل في مجال البناء، وهي مهنة تعد حكراً على الرجال. وتقول: "نشأت في بيت متوسط الحال. لدي أخوة وأخوات كثر. دخلُ والدي كان بسيطاً، واضطررنا إلى العمل لمساعدته في تأمين المصاريف. اخترتُ العمل في البناء. لطالما أحببت بعض التفاصيل المتعلقة بالصبيان. كنت أقلد والدي حتى في نبرة صورته".​

منذ كانت طفلة، تخلّت صباح عن عالم الفتيات، هي التي لطالما انبهرت بمظهر الصبيان وصوتهم ولباسهم، وقلّدتهم في كل شيء.

ويُفيد تقرير صادر عن البنك الدولي في فبراير/ شباط عام 2019، بأن 70 في المائة من النساء في العالم يضطررن إلى تعديل خياراتهن المهنية، في ظل قوانين تمنعهن من العمل في وظائف معينة. كما أن القوانين في نحو 103 دول في العالم تمنع النساء من العمل في بعض المهن، أو العمل ليلاً، من بينها مصر التي تمنع المرأة من العمل في مجالات البناء والتعدين والزراعة والطاقة وبعض أعمال المصانع ورفع الأوزان الثقيلة وتصنيع المعادن.




وانخرطت أم عمرو في سوق العمل واختارت لنفسها اسم "منصور" لتُنادَى به بين العمال والحرفيين كي لا يكتشف أحد أمرها فتتعرض لمضايقات أو تحرش.



بعدها، أحبت زميلاً لها كان يقاسمها العمل من دون أن يعرف أنها امرأة. كانت تحكي عنه لشقيقتها التي نصحتها أن تعترف له بسرها. ثم تزوجته عن حب، على حد قولها، وأنجبت منه ثلاثة أطفال.

لكن صباح عادت إلى منصور مرغمة بعدما سكب عليها زوجها ماء النار فشوّه وجهها ورقبتها بالكامل، فخلعت. عادت وارتدت ملابس الرجال لتتكفل بمصاريف أبنائها بعد طلاقها. مجدداً، حلقت شعرها وأخفته داخل عمامة ملفوفة بإحكام على رأسها.



وتعمل 33 في المائة من النساء في الدول العربية في مهن غير لائقة بالمقارنة مع 22 في المائة من الرجال. كما تعمل المرأة ساعات أطول من الرجل، قد تصل إلى 17 ساعة يومياً، بحسب إحصائية صادرة عن المكتب الإقليمي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة ــ المكتب الإقليمي للدول العربية. أم عمرو البالغة من العمر 65 عاماً، والتي أصبحت جدة، نموذج لنساء كثيرات امتهنّ أعمالاً لطالما كانت حكراً على الرجال.

من جهة أخرى، فإن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في مصر أجبرت نساء على اختيار أعمال تعد حكراً على الرجال، كقيادة سيارات الأجرة أو حافلات النقل الجماعي. نساء أخريات عملن في مجالات الميكانيك والحدادة وغيرها. صباح تحولت إلى منصور في فترة مبكرة من حياتها، ثم تحولت من أم عمرو إلى أبو عمرو. صحيح أنها اختارت التشبه بالصبيان في طفولتها، لكنها أُجبرت على التشبه بالرجال بعد تشويهها على يد طليقها، فعادت إلى عملها السابق إضافة إلى أعمال أخرى.



وبحسب إحصائية الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وصل إجمالي عدد العاملين في مصر إلى 26.021 مليوناً، 21.290 مليون ذكور بنسبة 81.8 في المائة، في مقابل 4.731 ملايين من الإناث بنسبة 18.2 في المائة عام 2018.

وبحسب البيانات الصادرة عن الجهاز نفسه، تفوقت المرأة على الرجل في متوسط عدد ساعات العمل في عدد من القطاعات، منها القطاع الذي تعمل فيه أم عمرو. ومن أبرز المهن التي يفوق فيها عدد ساعات عمل المرأة الرجل هي قطاعات التعدين والمحاجر، بمتوسط 53 ساعة لعمل للإناث أسبوعياً في مقابل 49 ساعة للذكور. الأمر نفسه ينطبق على قطاعات المياه والصرف الصحي ومعالجة النفايات، فقد بلغ متوسط ساعات عمل المرأة 52 ساعة أسبوعياً، في مقابل 51 ساعة للذكور. وفي مجال البناء، بلغ متوسط ساعات عمل المرأة 52 ساعة أسبوعياً في مقابل 51 ساعة للذكور العاملين بالمجال نفسه.

مع ذلك، ما زالت مساهمة المرأة في النشاط الاقتصادي منخفضة في مصر، وبلغت 18.3 في المائة في مقابل 67.6 في المائة للذكور. وأرجع الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الأمر إلى تدني الأجور وانخراط النساء في الأعمال الهامشية ودخول المرأة سوق العمل في سن متأخرة بالمقارنة مع الذكور، ومحدودية المهن والأنشطة الاقتصادية التي تنافس المرأة عليها.



تعمل صباح المرأة الستينية في مهن صعبة وشاقة من دون أن تحسب متوسط ساعات العمل، أو تفكر في تأثيرها على صحتها، ولا فرص العمل في البلاد أو البطالة. تعمل من دون قانون يحميها من خطورة المهن الشاقة، ومن دون مظلة اجتماعية تركن إليها بعدما تكون قد أفنت عمرها في العمل من أجل أبنائها.

المساهمون