نادرة مجدلاني صاحبة "أزهار" في ليما

08 مارس 2020
الصورة
وجدت نفسها في ذلك المكان (العربي الجديد)
+ الخط -

من المغرب وتركيا وتشيلي، تستورد الفلسطينية ــ البيروفية نادرة مجدلاني مياه زهر البرتقال والطحينة وزيت الزيتون. رحلتها كسيدة أعمال بدأت من مطبخ أمها الفلسطينية المتحدرة من مدينة بيت لحم. هجرة بدأها الجد منذ القرن التاسع عشر، لتسري اليوم في عروقها دماء فلسطينية ولبنانية برازيلية من جهة أبيها نصف الأرجنتيني.

عموماً، يصعب أن تقابل موظفة من أصل عربي في أميركا اللاتينية. فهن إما مستقلات في أعمالهن أو يتولين مناصب مرموقة في كبريات الشركات ومعظمها مملوكة لعرب. مفارقة تربطها النساء من أصول عربية بموروث عمل الأجداد حين بدأوا كفاحهم قبل نحو 150 سنة.




بلغة إسبانية وإنكليزية وبعض العربية بمساعدة صديقتها التشيلية - الفلسطينية سيسيليا، تحكي نادرة قصة كفاحها منذ كانت في التاسعة من عمرها في البيرو. فهي ابنة مهاجرين غادرا البلاد في القرن التاسع عشر. ولدت وشقيقتها من أم فلسطينية وأب لبناني الأصل ولد في البرازيل وعاش في الأرجنتين. الأم والأب التقيا في ناد عربي في تشيلي، وتزوجا في خمسينيات القرن الماضي في أراكيبا. جدّها لأمّها كانت قد أرسلته حكومة البيرو ليصبح قنصلها في فلسطين خلال بدايات القرن العشرين، ليعود الجد متزوجاً بعد سنوات إلى ليما.

"في التاسعة من عمري، تعلمت من أمي المطبخ الفلسطيني، وفيه رائحة المطبخ العثماني، خصوصاً البقلاوة والحلويات، ومن المطبخ اللبناني أيضاً بحكم أن أبي كان يحب الطعام اللبناني على الرغم من أنه لم ير لبنان. انخرطتُ رويداً رويداً في عملها وكنت أراقبها خلال إعدادها الطعام"، تقول نادرة لـ"العربي الجديد"، وهي تشير إلى صورة جدها وأسرته في كتاب صادر بالإسبانية عن عرب البيرو. وتتابع: تحول كفاح أمي وعمل والدي إلى عمل احترافي، فتوسع مطبخهما العربي ليصير منذ ستينيات القرن الماضي الوحيد والأشهر. منه، كانت تخرج المأكولات التي كانت أمي تطهوها وحيدة. وحين كنت طفلة، كنت أساعد في لف ورق العنب وحفر الكوسا وحشو الخضار وتنظيف المصارين (أمعاء الخراف) لتطهى وتقدم ساخنة لعرب ليما في كل مناسباتهم".



لم تشعر نادرة يوماً أنها غريبة في هذا البلد، "على الرغم من أنني كنت أحمل اسماً عربياً صرفاً، وكنت فخورة أن يقال البنت العربية". في فترة مراهقتها، راحت نادرة تستلم زمام المبادرة إدارياً، مصرّة على النجاح والاستقلال في عملها. ووجدت ما تصبو إليه في المطبخ، هي التي أرادت نشر الطعام العربي. "صرتُ أُدخل تعديلات وإضافات وبدأت جاليات أخرى كالألمان والإسبان والفرنسيين، يطلبون لأنديتهم وتجمعاتهم ما نطهوه. لم يكن في ليما أحد يطهو طعاماً عربياً من مطبخين فلسطيني ولبناني سوى نحن. أمي، على الرغم من تحدثها لغات عدة، لم تكن تجيد الكتابة. صرت مسؤولة عن التواصل مع الزبائن" على حد تعبير نادرة.

لم تستكمل نادرة دراستها بل التزمت بمساعدة أمها بعدما بدأت تتعب بعد وفاة زوجها اللبناني ــ البرازيلي. وأصبحت أكثر انخراطاً في المطبخ العربي، وحملت على عاتقها توسيع العمل. استقدمت عمالاً بيروفيين، نساء ورجالاً، وعلمتهم تحضير بعض المأكولات، ليتحول المكان إلى ما يشبه معملا صغيراً. وتوضح أنها حتى حين تزوجت من ريكاردو، "أصريتُ على إكمال مشواري في العمل وبالذات في مطبخنا العربي لأبقى سيدة نفسي ومستقلة في عملي".



توفيت والدة نادرة في عام 1991، بعدما أصبحت معروفة في المجتمعين البيروفي والفلسطيني، بفضل طعامها الأصيل، وقد حصلت على جوائز عدة. "كنت أمام خيار صعب. شجعني زوجي ومحيطي على إبقاء المطبخ العربي، وبدأت أعدّ بعضاً مما كانت تعده والدتي، إضافة إلى متابعة الأمور الإدارية للمعمل (المطبخ)". الرغبة القوية لأن تكون مستقلة جعلتها تسافر إلى تشيلي حيث تتوفر بعض المواد الأولية أكثر من البيرو، وقد سافرت إلى تركيا للاستفادة".

لمعت فكرة أخرى في رأسها: "الناس العاديون الذين تذوقوا طعامنا في الأعراس والمناسبات والسفارات أرادوا شراء حصص أصغر لبيوتهم، فبادرت منذ 10 سنوات لافتتاح مطعم، ووظفت فيه نساء بيروفيات، بعدما أطلقتُ عليه اسم أزهار، وهي تسمية ترتبط بزهر البرتقال، وأردت تعريف الناس بالمطبخ العربي".



وعلى يافطة يغلب عليها اللون البرتقالي، يقرأ المار في شارع رئيسي في أرقى مناطق ليما، ميرافلوريس، اسم ذلك المطعم بالإسبانية "أزهار كوسينا آرابي". على جدرانه صور وقطع تعكس الثقافة العربية الواضحة ولم تنسَ الكوفية: "لا مشكلة عندي أن يرى زبائن يهود بيروفيون ذلك. هم يعرفون من نكون".

أصبحت نادرة إحدى نساء الأعمال الرائدات في ليما، وباتت لديها اليوم علامتها التجارية الخاصة: "أزهار". ثمّ وسّعتها وباتت تسوّق زجاجات زيت الزيتون والطحينة وماء الزهر في متاجر المدينة. تقول إن عدم إتمامها دراستها لم يكن عائقاً، ذلك أن "تجربة أكثر من 45 سنة علمتني أن المرأة يجب أن تكون قوية وسيدة نفسها. المساواة بين الجنسين في البيرو تمنح النساء فرصة تمكين وتكوين أنفسهن، وتشعر به نساء من أصول عربية. ولا أخفي أن تفهم زوجي ساعدني كثيراً لأكون ما أريد، بل هو الذي يطبع لي ملصقات بضائع أزهار".

وتشرح نادرة: "بالطبع، ثمة من يمازح زوجي ريكاردو في النادي العربي الفلسطيني حول نجاحي، وأنه يعمل عندي مجاناً بسبب توليه أمور الطباعة والدعاية. لكنها مداعبة لا تحمل ذكورية كما في دول أخرى".



صديقتها سيسيليا التي كانت تزودها بالبقلاوة والكنافة العثمانية القديمة، والتي عاشت وكبرت في تشيلي قبل انتقالها إلى البيرو بعد زواجها من فلسطيني توفي قبل سنوات، تذكر أمراً تراه هاماً: "معظم النساء من أصول عربية وفلسطينية يعملن في الطعام، ويرغبن أن يكن مستقلات مالياً. من الضروري القول إنه في الغالب، لا توجد امرأة من أصول عربية تعمل موظفة لدى البيروفيين أو التشيليين والعكس هو الصحيح. وهذا برأيي مرتبط بتاريخ الهجرة الأولى، حين اعتمدن على أنفسهن لمساعدة أزواجهن الذين عاشوا بداية صعبة كباعة متجولين، بعيداً عن منزل الأسرة لأيام. وهذا أمر استمر حتى بعدما أصبح العرب من أثرى أثرياء دول المهجر في الدول اللاتينية عموماً".

المساهمون