هوليوود أو انفجار كابوس الذكورية والتحرّش والشهرة

17 أكتوبر 2017
الصورة
العارضة أمبرا باتيلانا غوتييريز اتّهمت وينستين بالتحرش (Getty)
في عام 2015، تقدّمت عارضة أزياء إيطالية مغمورة بدعوى ضدّ أحد أباطرة الإنتاج السينمائي في هوليوود، وهو هارفي وينستين (مؤسس شركة ميراماكس للإنتاج)، تتّهمه فيها بالتحرّش بها. كدليل على صحّة الاتّهام قدّمت العارضة، وتدعى أمبرا باتيلانا غوتييريز، تسجيلاً صوتياً، يعتذر فيه وينستين عن التحرّش بها جسدياً، ويطلب منها على الرغم من الاعتذار أن تمارس الجنس معه، وتصعد معه إلى غرفته في الفندق. بشكل سريع رفض القضاء القضية، معتبراً أن هناك نقصاً في الأدلة. وبدل معاقبة ويسنتين بدأت حملة تشهير بحق العارضة غوتييريز، تواطأ فيها وينستين مع عدد من الإعلاميين المقربين منه، ففتحت ملفات لغوتييريز عن مشاركتها في وقت سابق بحفلات جنسية مشبوهة كان يقيمها رئيس الوزراء الإيطالي السابق سيلفيو برلسكوني. أقفل الملفّ إذاً، ودخلت الضحية الإيطالية منطقة الظلّ. هذا التعاطي "الرسمي"، وهذا التواطؤ المرعب بين ثلاثي المال ـ الإعلام ـ السلطة، هو تحديداً ما جعل عشرات النساء يسكتن طيلة عقدين من الزمن عن جرائم وينستين الجنسية، والتي تراوحت بين التحرّش اللفظي وصولاً إلى الاغتصاب، وفق اعترافات عدد كبير من نجمات هوليوود، اللواتي قررن الخروج عن صمتهنّ بعد انفجار فضيحة المنتج الشهير.


كيف بدأت القضية؟ وكيف انفجرت؟ صباح الخامس من أكتوبر/ تشرين الأول نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" تحقيقاً مطولاً تضمّن شهادات لممثلات بينهنّ آشلي جود، وروز ماغوين، حول الجرائم الجنسية التي ارتكبها هارفي وينستين طيلة عقدين. بعد أيام ومع توالي الأحداث، من طرد وينستين من الشركة التي أسسها وصولاً إلى انسحاب عدد من محاميه، نشرت صحيفة "نيو يوركر" تحقيقاً آخر تضمّن شهادات عدة أخرى من ممثلات تحرّش بهن وينستين، إلى جانب نشر التسجيل الصوتي للعارضة الإيطالية، والذي اعتبر قبل عامين "دليلاً غير كافٍ للإدانة".

انفجرت القضية، وتتالت الشهادات: أنجيلينا جولي، غوينيث بالترو وكثير من نجمات هوليوود كسرن حاجز خوف رافقهن لعشرين عاماً. لم تعد التسويات ممكنة، والاسم الذي كان يحكم هوليوود، ويحدّد مصير الفائزين بجوائز الأوسكار، بات أسطورة متهاوية، أعلنت نهاية زمن من الصمت النسائي في عاصمة الفنّ العالمي.

تلاحقت إذاً الشهادات النسائية، بعد انفجار الفضيحة، من ممثلات لم يجدن الكلام عن تعرضهنّ للتحرّش آمناً إلا بعد تحوّل القضية إلى قضية رأي عام. تفاصيل مرعبة، وقصص تبدو قادمة من أكثر الدول احتقاراً للنساء. لكن لا، هذه المرة كل هذا الخوف نسمعه على لسان نجمات، يملكن المال والشهرة والسلطة والقاعدة الجماهيرية الواسعة. فلماذا صمتن كل هذه السنوات؟

الجواب قد يكون واحداً فقط، وقد يكون نتيجة عوامل عدة اجتمعت مع بعضها فدفنت هذا الكابوس لعقدين من الزمن. لكن الأكيد أن سقوط أسطورة هارفي وينستين صانع النجوم، ترافق مع سقوط أسطورة أخرى عن الحرية/ التحرّر في هوليوود. تَحتَ كل هذا البريق، والأضواء والأزياء الخلابة والقصور والسيارات الفاخرة، قصص تشبه قصص أغلب النساء حول العالم. قصص نجمات هوليوود، هي نفسها قصص النساء ضحايا التحرش الجنسي في الصين وأفريقيا والعالم العربي. خوف من البوح بالوجع، وخوف من خسارة الوظيفة، وخشية من تلقي اتهامات وأحكام جاهزة من المجتمع/ الجمهور. أحكام غالباً ما تدين السيدة/ الضحية في مقابل مسامحة وتبرير ودعم للرجل/ المجرم.



في كتاب مذكراتها "تشايلد ستار" تروي شيرلي تامبل أنها عام 1939 (كان عمرها 11 عاماً)، وكانت وقتها أشهر النجمات الأطفال في هولييود، توجّهت مع أمها إلى شركة "مترو غولدوين ماير" للاتفاق على مشاركتها في فيلم جديد. هناك طلب منها الدخول بمفردها إلى مكتب المنتج آرثر فريد. هذا الأخير طلب منها، على الرغم من صغر سنّها، خسارة الوزن ليليق شكلها بشاشة السينما، ثمّ أخرج عضوه التناسلي وطلب منها لمسه. لم تفهم شيرلي وقتها فضحكت بصوت عالٍ، ما أغضب المنتج المتحّرش، فطردها من مكتبه. أخبرت الطفلة المذهولة تفاصيل الحادث "المضحك" لوالدتها ومسؤولين آخرين في شركة "مترو غولدوين ماير"، فما كان من كل هؤلاء إلا أن سألوها "لماذا لم تخرج مباشرة بعد رؤية عضوه؟". لوم غير مباشر لطفلة في الحادية عشرة، يفسّر ربما سبب صمت كل هؤلاء النساء لعشرين عاماً.
فالمسار التاريخي لقضايا العنف الجسدي والجنسي في هوليوود تكشف أنّ محاكمة المجرم غالباً ما تنتهي بلفلفة القضية بل إنها تذهب أحياناً أبعد من ذلك، فتكافئ المعنّف، وتلمّع صورته، مقابل التنمّر وتشويه صورة الضحية.

عام 1987، أقدم النجم شون بنّ على تعذيب زوجته، أشهر نجمات الغناء في العالم وقتها، مادونا: ربطها بكرسي، وضربها وأجبرها على القيام بممارسات جنسية غصباً عنها، ثمّ هددها بتشويه شكلها. استمرّ ذلك لثماني ساعات متتالية. انتهى الزواج بالطلاق. وماذا عن شون بنّ؟ الحقيقة أنه فاز بعدها بجائزتي أوسكار، وتضاعفت شهرته في السنوات التالية. مثال شون بنّ تكرّر عشرات المرات.

المال والشهرة والعلاقات مع الطاقم السياسي والقضائي، تعطي حصانة تلقائية للنجم، كما أنّ الثقافة الشعبوية تنعكس غالباً بالدفاع عن النجم عند اتهامه بارتكاب جرائم جنسية، تحديداً إن جاء الاتهام من ممثلة مغمورة أو سيدة مجهولة، فتوصم بشكل سريع بأنها تبحث عن الشهرة أو أنها كاذبة. هنا تنتهي أغلب هذه القضايا. وإلا كيف نجح المخرج رومان بولانسكي في النجاة لسنوات طويلة من تهمة اغتصاب قاصر؟ وكيف واصل وودي آلن نجاحاته الباهرة بعد اتهامه بالتحرش الجنسي بابنته؟ موهبة هؤلاء، وإبداعهم، إلى جانب قاعدتهم الجماهيرية الواسعة نجحت في حمايتهم من أي عقاب قضائي يوازي حجم جريمتهم. الجريمة ترتكب في الخفاء أو في العلن، وغالباً من دون خوف من المتحرّش المحمي من كل المنظومة التي ذكرناها سابقاً.
أما الضحايا النساء، فالاتهامات الجاهزة والمسبقة تنتصب في وجههن: أغرت المتحرّش، ارتدت ملابس فاضحة، لها ماضٍ جنسي... كل شيء مباح. وهو ما جعل وينستين يختار ضحاياه بشكل دقيق ومتشابه: فنانات في بداية مشوارهنّ الفنيّ يسعين لإيجاد مكان لهنّ في عالم الأضواء، ولا ظهر أو حماية لهنّ.

فقضية وينستين ليست قضية رجل مضطرب نفسياً وجنسياً، بل هي اختصار للعلاقة البنيوية المعقدة بين الرجل القوي، والذكورة الفاقعة في مكان يفترض أنه يحتضن حركات ثقافية وفنية تحررية، مقابل نساء هنّ العنصر الأضعف مهما زادت شهرتهنّ وكثرت ثرواتهنّ. هي نفسها المنظومة الذكورية التي ساهم جزء منها في وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض على الرغم من فضائح التحرّش الجنسي، وعلى الرغم من احتقاره المعلن للنساء. والمنظومة نفسها جعلت مغني الراب أمينيم بطلاً بسبب غنائه عن العنف المنزلي على الرغم من أن تاريخه حافل بالتعدي على النساء وتعنيفهنّ... كذلك هي المنظومة نفسها التي خلقت الفرق والهوة الشاسعة بين الرواتب التي تتقاضاها النجمات مقابل الأجور الخيالية التي يتقاضاها النجوم الرجال.

في حفل توزيع جوائز الأوسكار الأخير عندما اعتلت ميريل ستريب المسرح وهاجمت دونالد ترامب، لاقت تضامناً وترحيباً كبيراً. لكن في المقابل برزت أصوات تسخر منها، من سنّها ومن خطاب اعتبر نسويّاً، غريباً عن عالم الملابس السكسي، والوجوه الجميلة والبراقة. العالم نفسه الذي حشرت فيه نجمات هوليوود لقرن كامل.

هارفي وينستين ليس شخصاً، ليس فرداً واحداً شاذاً، هو أيقونة هذه المنظومة، أيقونة "الفحولة" و"الذكورية" التي تحكم العالم، من أصغر شارع في قرى الهند النائية التي لا تزال تدفن الفتيات عند ولادتهن إلى أفخم وأشهر شركة إنتاج في عالم هوليوود.