هارفي وينستين قبل الفضيحة: مقتطفات من سيرة "المنتج الذي لا مفرّ منه"

17 أكتوبر 2017
الصورة
وينستين وزع أفلام أجنبية في الصالات الأميركية (Getty)
لم تتمكّن هوليوود من البقاء على الحياد، إزاء فضيحة تُطارد أحد أبرز المنتجين السينمائيين المستقلّين فيها، هارفي وينستين (كوينز ـ نيويورك، 1952)، المتّهم بسلسلة تحرّشات واعتداءات جنسية على ممثلات عديدات. فبعد إعلان رسمي أصدرته شركة الإنتاج الخاصّة به وبشقيقه روبرت، المتضمّن تأكيداً بإيقافه عن العمل وإبعاده عن الاستديو والشركة معاً؛ أعلنت "أكاديمية فنون الصورة المتحرّكة وعلومها"، مانحة جوائز "أوسكار"، إبعاده عنها، بعد اجتماع طارئ عُقد يوم السبت، 14 أكتوبر/تشرين الأول 2017. 

كما أكّدت معلومات صحافية متفرّقة عن دعوة "قصر إليزه" الرئاسي "المستشارية الكبرى" في فرنسا، لإجراء نقاشات حول سحب "ميدالية الشرف" منه، تلك التي منحها إياه الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، في 7 مارس/آذار 2012، لتوزيعه "الفنان" (2011)، للفرنسي ميشال هازانافيسيوس، في الصالات الأميركية.

لكن، من هو هارفي وينستين، ابن صائغ يهودي، المولود في نيويورك، والطالب الجامعي (جامعة بوفالو)، الحائز على دكتوراه في العلوم الإنسانية، قبل انتقاله، في الربع الأخير من سبعينيات القرن الـ20، إلى عالم السينما، إخراجاً وإنتاجاً؟

لائحة الأفلام المُنتجة عبر شركة "ميراماكس للأفلام" ـ التي أنشأها عام 1979 مع شقيقه روبرت ـ طويلة وغنيّة بعناوين سينمائية، تنضمّ إلى لائحة الأفلام الأهمّ، جمالياً ودرامياً وبصرياً، والأنجح تجارياً ونقدياً، في التاريخ الحديث لصناعة السينما في هوليوود. بعض تلك العناوين منتمٍ إلى "السينما الأميركية المستقلّة"، التي عرفت حضوراً لافتاً للانتباه داخل الولايات المتحدّة الأميركية وخارجها، في ثمانينيات القرن الـ20 وتسعينياته تحديداً، بفضل أفلامٍ أنتجتها الشركة، ولا تزال تُعتبر لغاية الآن مرجعيات سينمائية في مفاهيم صناعة صورة تجديدية في مقاربة الحالات والحكايات، حقّقها مخرجون عديدون، أبرزهم كوانتن تارانتينو وستيفن سودربيرغ، الذي أنجز "جنس، أكاذيب وأشرطة فيديو" عام 1989 (بلغ إنتاجه مليوناً و200 ألف دولار أميركي، بينما بلغت إيراداته الأميركية 24 مليوناً و742 ألف دولار)، ونال جائزة "السعفة الذهبية"، في الدورة الـ42 (11 ـ 23 مايو/أيار 1989) لمهرجان "كانّ" السينمائي، وتولّى الألماني فيم فاندرز، حينها، رئاسة لجنة تحكيم مسابقتها الرسمية.



وهي المرة الأولى التي تحصل فيها الشركة على هذه الجائزة، علماً أن "المريض الإنكليزي" (1996)، للبريطاني أنتوني مانغيلا، منح الشركة أول "أوسكار" لها، بنيله الجائزة الهوليوودية الدولية الأهمّ من الأكاديمية، في فئة أفضل فيلم، إلى جانب 8 جوائز في فئات أخرى، أبرزها فئتا أفضل إخراج وأفضل ممثلة في دور ثان (الفرنسية جولييت بينوش).
لاحقاً، حصل الأخوان وينستين على جوائز كثيرة، إنْ بفضل "ميراماكس للأفلام"، أو باسم "شركة وينستين"، التي أسّساها عام 2005، بعد فشل المفاوضات مع "شركة والت ديزني"، التي كانت قد اشترت "ميراماكس" مجدّداً عام 1993؛ بالإضافة إلى Dimension Films، التي أصبحت "شركة فرعية" تابعة لـ "شركة وينستين". غير أن هذه الأخيرة بدأت تواجه مشاكل مالية جمّة منذ عام 2016، وعرف بعض إنتاجاتها السينمائية فشلاّ تجارياً، كما حصل مع Gold (2016) للأميركي ستيفن غاغان؛ إلى صعوبات عديدة في إيصال أفلامها إلى التصفيات النهائية لـ "أوسكار".

قبل الفضيحة الأخيرة، كان هارفي وينستين يُعتَبَر "المنتج ـ الموزّع الذي لا مفرّ منه"، و"الرجل المحترم والمؤثِّر جداً"، إذْ كانت سطوته فاعلة إلى درجة جعلته سبباً في نجاح أحدهم، أو لفشله: "حدسه وإمكانياته وشبكة علاقاته ونفوذه، تسمح له في إيصال فيلمٍ إلى ذروة النجاح، بفضل حملات الترويج المُكلفة جداً"، كما قيل عنه. وكان يُسمّى بـ "هارفي ذو اليدين المقصّين" ـ إشارة إلى "إدوارد ذو اليدين المقصّين" (1990) للأميركي تيم بورتون ـ لامتلاكه كمنتج حقّ "القطع النهائي" (Final Cut)، الذي يمنحه القدرة على اختيار المونتاج الأخير للفيلم، قبل المخرج.

بين عامي 1990 و2016، موّل هارفي وينستين حملات انتخابية كثيرة، وبات معروفاً بكونه أحد كبار مموّلي "الحزب الديمقراطي". داعمٌ أساسي للرئيسين الأميركيين السابقين، بِلْ كلينتون وباراك أوباما، تابع نهجه هذا بدعمه هيلاري كلينتون أثناء حملتها الانتخابية الرئاسية عام 2016، بجمعه الأموال من أجل الحملة تلك، كما قام بترتيب لقاءات وعلاقات للمرشَّحة كلينتون مع مشاهير أميركيين.

في مجال صناعة السينما الأميركية في هوليوود، يعود فضلٌ كبيرٌ إليه في تحقيق أفلامٍ بارزة في المشهد السينمائي الأميركي والدولي، بصفته منتجاً: "شكسبير مُغرماً" (1998) لجون مادن، وعصابات نيويورك" (2002) لمارتن سكورسيزي، الذي سيكون المنتج المنفّذ لفيلمه اللاحق "الطيّار" (2004)، و"9" (2009) لبوب مارشال، و"أسبوعي مع مارلين" (2011) لسيمون كورتيس، وOne Chance (2013) لديفيد فرانكل. وبالإضافة إلى أنه أخرج فيلمين اثنين فقط، هما Playing For Keeps (1986)، الذي حقّقه مع شقيقه، وThe Gnomes’ Great Adventure (1987)، اللذين مرّا مروراً عابراً، تولّى هارفي وينستين منصب المنتج المنفّذ لأفلام كثيرة، بدءاً من True Romance (1993) لتوني سكوت، ووصولاً إلى "دجانغو المحرّر" (2013) لكوانتن تارانتينو، الذي تولّى المنصب نفسه في أفلامٍ لاحقةٍ له، هي "بالب فيكشن" (1994) و"اقتل بِلْ" بجزأيه الاثنين (2003 و2004)، وInglourious Basterds (2009). كما عمل مع وِسْ كرافن (Scream، 1996)، وغاس فان سانت ("ويل هانتنغ"، 1997)، ومايكل مور ("فهرنهايت 9/ 11"، 2004)، وجزأين اثنين (2001 و2002) من سلسلة "سيّد الخواتم" لبيتر جاكسن، وغيرها.

في المقابل، لم يتردّد هارفي وينستين في توزيع أفلامٍ أجنبية في الصالات الأميركية. كما كان سخيّاً في تأمين ميزانيات كبيرة تختصّ بالحملات الترويجية لها، إلى درجة أن حملة الترويج لـ "الفنان" الفرنسي تجاوزت ميزانية إنتاجه (12 مليون دولار أميركي): "سينما باراديزو" (1989) للإيطالي غويسيبي تورناتوري، و"ساعي البريد" (1994) للبريطاني مايكل رادفورد، و"الحياة جميلة" (1997) للإيطالي روبرتو بينيني، و"الملكة مارغو" (1994) للفرنسي باتريس شيرو، و"المصير الرائع لإيميلي بولان" (2001) للفرنسي أيضاً جان بيار جوني، وفيلمان بريطانيان هما "خطاب ملك" (2010) للبريطاني توم هوبر و"المرأة الحديدية" (2011) للإنكليزية فيلّيدا لويد.

إن إعادة مُشاهدة هذه الأفلام كفيلةٌ بتبيان النهج الإنتاجيّ الذي اعتمده هارفي وينستين، كمنتج وكمنتج منفّذ وكموزّع. فغالبيتها الساحقة جمعت جمالية السينما بالحسّ التجاريّ، وكشفت وقائع وحكايات مستوحاة من الحياة اليومية لكثيرين، واستعادت محطّات من التاريخ الدولي المشترك لشخصيات فاعلة في العالم.