نحن واليمين المتطرّف

نحن واليمين المتطرّف

17 ديسمبر 2015

من يشبه الجبهة الوطنية الفرنسية عربياً؟ (13ديسمبر/2015/Getty)

+ الخط -
بكَثيرٍ من السُهولةِ تَلقفت بعضٌ من الصحافة في السّاحات العربية الانتصار الانتخابي الأوّلي للجبهة الوطنية الفرنسية، في الدور الأول من الاقتراع الجهوي، لتنطلق في رحلة البحث للجبهة الوطنية عن شبيهٍ محلّيٍ يماثلها في الأفكار والمرجعيات. فعلت ذلك، وهي تنقاد إلى إغراء المُقارنات، مدفوعة بشيءٍ من السذاجة المُلفحة بالجهل الفادح للسياقات السياسية والثقافية.
لم يعرف المُنْساقون وراء هذه السُهولة أنهم يُقدمون، في الحقيقة، فرضيةً غارقةً في التفاؤل لقراءة المجتمعات العربية، كمجتمعات لا تعد فيها ظواهر، مثل عداء الأجانب والآخر المُختلف في الدين أو اللغة أو الجنس أو الهوية، وخطابات العنصرية والكراهية، والعقيدة الوطنية الشوڤينية، إلا مُجرد استثناءٍ معزول أمام أغلبية مجتمعية، تؤمن بالعدالة والمساواة والمواطنة، مُتشبعةً بالقيم الإنسية المبنية على التسامح والإيمان بالاختلاف.
الواقع أن هذه المُلاحظة العابرة قد تُشكل ذريعةً مُوفقةً لطَرحٍ إشكاليٍ أعمق، ينطلق من تساؤل عن من يُمثل داخل خرائطنا السياسية والحزبية العربية، فعلاً، الحساسية الأقرب إلى اليمين المُتطرف؟ وهو ما يعني، بمفهوم المخالفة، محاولة التعرف إلى من يُمثل المُقابل المحلي للمُدافعين عمّا يُماثلُ قيم ومرجعيات الميثاق الجمهوري الفرنسي المبني على المساواة والعدل والإخاء، من داخل نُخبنا الفكرية والسياسية والإعلامية؟
وهُنا، أخشى أن أكون صادماً، فجوابي أن المزاج العام لمنظومات القيم المجتمعية العربية لا يبتعد في مُستوياتٍ كثيرة، مع الأسف، عن ردود الفعل التقليدية والمسجلة في خانة ما ينعت في الغرب يميناً مُتطرفاً.
ليس في الأمر غرابة؛ نحن لا نجر وراءنا ثورة ثقافية، ولا قروناً من التنوير، ولقاؤنا العابر والصادم والهش مع قيم المواطنة والسلوك المدني وتراث الإنسانية العالمية، لا يزال يحتاج إلى ما هو أكبر من الاستيعاب الحقوقي والتضمين القانوني: أن يصبح ثقافة يومية، وردود فعل طبيعية وعادية.
من مفارقات التاريخ أنه حتى الذين أنجزوا هذه الثورات، وقادوا معارك التنوير والحداثة
والمدنية، كان عليهم أن يعاينوا اندحاراً تاريخياً وهم يتابعون سقوط الحضارة الغربية في براثن الاستعمار والفاشية والنازية، تم عقوداً، بعد ذلك، انزياحاً نحو العنصرية، وخطابات اليمين المتطرف المبنية على عقيدة كراهية الأجنبي.
لذلك، اعتبر فلاسفتهم أن معركة الحداثة مشروعا غير مكتمل، وأن التنوير ورش مفتوح على المستقبل، إذ تبدو الديمقراطيات الغربية، يميناً ويساراً، في صراع شرس ضد الانزلاقات الفجة ليمينها العنصري.
الفارق بين هذه التجارب والحالة العربية في الدرجة والطبيعة. نحن لم نبن، إلى الآن، مشروعاً مجتمعياً مُناقضاً لمرجعيات اليمين المتطرّف، مشروعاً يجعل من المواطنة الأصل، ومن التّسامح القاعدة، ومن حقوق الإنسان والمساواة طريقةً للحياة.
الواقع أن هذا المشروع يُعد ضحيةً للتيارات السياسية الموجودة داخل مجتمعاتنا، وهي التيارات الموزعة بين أزمة اليمين العربي الحامل للفكرة الليبرالية الذي يعيش وسط العزلة النخبوية وهشاشة الاستقلالية عن الأنظمة السلطوية، من جهة، وأزمة اليسار الذي على الرغم من ريادته التاريخية في معركة استنبات قيم الحرية والمساواة والعدالة، لم يستطع أن يتجاوز كبوات التّكيف مع عالمٍ متحول. ولعل هذه الأزمة المُضاغفة تُعسر وظيفة التحول الفكري الكبير الذي تحتاج إليه الحركات الإسلامية، في تمرينها الضروري لمُصالحة الهوية مع قيم العصر.
مشروعٌ قبل أن يحتاج إلى حوامل أيديولوجية، يحتاج، أولاً وأساساً، إلى مدرسةٍ وطنيةٍ، تجعل، من مهامها وأهدافها الكبرى، بناء المواطنة ونشر قيم الحداثة وفكرة الحقوق.
ليسَ في الأمر أدنى استنباطٍ لفكرةِ المركزية الأوروبية التي قد لا تتصور إمكانياتٍ للانتماء لخلاصات الفكر الإنساني، خارج رقعةٍ محددة بالجغرافية والتاريخ والدين، لكنه إقرارٌ تشخيصيٌ بحالةٍ أيديولوحية عامة، لا تزال معها مُجتمعاتنا تُقاوم مروراً معقداً إلى حداثتها المرجُوة.
ولعل عسر النهضة العربية التي تجر، اليوم، معها أكثر من قرنٍ من المحاولات والإحباطات والرغبة في الإلحاق بالعصر، دليلٌ على ما تقدم من تحليل.
وإذا كانت انفجارات 2011 قد أبرزت حُدود فكرة الاستثناء العربي في مواجهة الديمقراطية والحرية، فإن ما تلاها من تردد وعودةٍ لحالة اللايقين السياسي، أو حتى من مساراتٍ دراماتيكية، عصفت بمقومات الأوطان والشروط الدنيا للدولة، من شأنه أن يعيد التركيز على الحاجة الماسّة للتغيير على مستوى الذهنيات، والأفكار والقيم، التغيير الذي يحمل عنوان الثورة الثقافية التي تستطيع، وحدها، أن تنقل الحالة الأيديولوجية لمُجتمعاتنا من منطقة العصبيات والخطابات الهوياتية المنتجة للكراهية إلى دائرة المواطنة.