المغرب والانتقال الديمقراطي

المغرب والانتقال الديمقراطي

18 يناير 2019
الصورة
+ الخط -
تعزيزاً لعرفٍ سنويٍّ راسخٍ في المغرب، دأبت عليه مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد للثقافة منذ تأسيسها، نظمت الأسبوع الماضي ندوة سياسية دسمة، تناولت البحث عما إذا كان المغرب لا يزال يعيش مرحلة انتقال؟
المؤسسة التي تعنى بقضايا الديمقراطية والعدالة والمواطنة، وفاءً للقيم الأساسية التي جسدها رجل الدولة، المناضل الوطني والقائد اليساري عبد الرحيم بوعبيد (1922- 1992)، فضلت أن يأخذ تخليد ذكرى وفاة مهندس استراتيجية النضال الديمقراطي، ورائد مدرسة الإصلاح السياسي، شكل مساءلة فكرية لطبيعة المرحلة السياسية الحاملة أوجها بالغة التعدد والتناقض.
استحضر المشاركون في اللقاء كثيرا ندوة تأسيسية كانت قد نظمتها المؤسسة نفسها في يناير/ كانون الثاني 1997 بشأن موضوع "الانتقال الديمقراطي عبر العالم"، وعرفت مساهمة كوكبة من علماء السياسة من قارّات مختلفة، وباحثين وفاعلين مغاربة، لكنها تميزت أساسا بانعقادها تحت رعاية مباشرة من الأمير سيدي محمد، ولي العهد آنذاك، والذي ألقى خطابا سياسيا بالمناسبة.
يسمح النظر اليوم، في سياق هذا الحدث المحاط بكثافةٍ في الرموز والدلالات، وفي متتاليات الأحداث والوقائع، وتطور التمثلات والخطابات والأفكار، خلال الفترة التي تفصلنا عن زمن انعقاده، بالمغامرة في القول إن مقولة "الانتقال الديمقراطي" نفسها، مغربيا، قد خرجت من معطف تلك الندوة المهمة، لتتحول، طوال عقدين بعد ذلك، إلى مقولة مهيكلة للحياة السياسية المغربية، ولجزءٍ مركزي من البلاغة السائدة في التداول العمومي.
كان الحدث تاريخيا بكل الدلالات التي صنعها تضافر السياق ونوعية فاعليه: ولي العهد الذي 
سيصبح ملكا للبلاد بعد عامين يأتي إلى المؤسسة التي تحمل اسم الزعيم الأول لأكبر قوى المعارضة الاتحادية، والوجه الأبرز لكل الحركة الديمقراطية واليسارية المغربية، لكي يتحدّث عن مستقبل الديمقراطية، وعن فرص الانتقال إليها. وذلك على بعد أسابيع معدودة على إقرار دستور جديد، حظي بتجاوب القطاعات الواسعة من قوى المعارضة. وقبيل سنةٍ ونيف من تنصيب حكومة التناوب الشهيرة التي لن يقودها سوى عبد الرحمن اليوسفي، رفيق عبد الرحيم بوعبيد في الكفاح الوطني من أجل الاستقلال، ثم في النضال السياسي من أجل الديمقراطية.
لذلك كله حملت مقولة "الانتقال الديمقراطي" كل الآمال المعلقة على تغييرٍ انتظره المغاربة طويلا منذ خيبات الاستقلال، ومرورا بالسنوات الصعبة التي تسميها الصحافة، بكسلٍ كثير، سنوات الرصاص، وهي الآمال التي غذّتها توافقات اللحظة الأخيرة بين الملك الحسن وامتدادات الحركة الوطنية التي أنجبت دستورا متوافقا حوله وحكومة تناوب، قبل أن يكرسها مجيء ملكٍ شاب بطموح تحديثي، وبأياد بيضاء، لا صلة لها بتجاوزات العهد السابق.
كان خطاب الانتقال الذي تقاسمته الأحزاب والنقابات والصحافة والمؤسسات يحمل رغبةً في
ولوج عهد سياسي جديد، وتحقيق التغيير وبناء المصالحة، وتجاوز الماضي واحترام الحريات وحقوق الإنسان. ولذلك كان خطابا للإرادة والرغبات التي لم تسعفها دائما الشروط الواقعية المعقدة. ولذلك تحول "الانتقال الديمقراطي" لدى الأحزاب المغربية إلى ما يشبه استعارةً برنامجيةً بعيدة عن أن تشكل دائما مقولةً مطابقةً للمرحلة، وتحول لدى الصحافة إلى مصطلحٍ يلتقط كل شيء، يعبّر تارّةً عن التحول إلى عهد جديد، وتارّة عن مشاركة المعارضة في حكومة تناوب، وتارّة عن تحوّل ليبرالي، يهم مجال الحقوق والحريات، وتارة عن مسار تسوية ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
وهكذا سيصبح تقريبا مفهوما فاقدا للمعنى، من فرط الاستعمالات، ثم شيئا فشيئا سيصيبه عجزٌ في المصداقية، ذلك أن فرضياته الأولى لم تتحقق، وبدا كما لو أن زمنيّته قد طاولها تمطّطٌ غير مألوف، جعل الجميع يردّد، وفاءً للعادة، شعار الانتقال، من دون أن يكون لأحد ما القدرة بالضبط على تحديد نقطة انطلاقه أو نقطة وصوله.
بين يناير/ كانون الثاني 1997 ويناير 2019 كثافة في الأحداث، وصعوبةٌ في القراءة لمن ينتظر تحليلا سهلا يكتشف خطيّةً بسيطةً في مسار التاريخ والوقائع. لذلك وقف المشاركون، في ندوة الأسبوع الماضي، على الاتجاهات المتناقضة للتطورات الموزّعة بين التقدّم الدستوري والمعياري وعودة الأساليب السياسية القديمة، بين عناوين التحديث المادي ورجوع التقليد، بين تطور المدينة وتراجع قيم المدنية، بين التقدّم الخارق في الاستعمالات التقنية والرقمية، وبين المضامين المتخلفة التي تحملها كثير من هذه الاستعمالات.
"في ندوة 1997، كنا نعلم أن الانتقال قادم بدون مواربة. وكان من الواضح أن وجه هذا الانتقال ليس سوى الديمقراطية. اليوم نعرف أننا نعيش مرحلة انتقال. لكن لا أحد يملك اليقين للقول إن وجهته الوحيدة هي الديمقراطية". هكذا فضل أن يلخص الحكاية الشاعر والروائي ووزير الثقافة السابق في حكومة التناوب، محمد الأشعري.