سياسات الكراهية

سياسات الكراهية

21 ديسمبر 2018
الصورة
+ الخط -
في حراك السترات الصفراء شيء أكبر قليلا من الغضب الشعبي، ومن التمرّد على السياسات. يبدو ذلك بطريقةٍ مشهديةٍ في تصريحات الفرنسيين البسطاء، وهم يقولون كلماتهم المنفعلة، والمختلفة، في حرارة المضمون وبناء اللغة، عما تعودت عليه استوديوهات التلفزة وأعمدة الصحافة، حيث تخرج الجمل كقذائف عارية، بلا أدنى زخارف البلاغة، بدون استعاراتٍ ولا شاعرية .
شيء أكبر من الغضب، لأنه يذهب بلا مواربة إلى الرئيس إيمانويل ماكرون، ليس باعتباره رمزا مؤسساتيا، ومسؤولا أول عن السياسات والبرامج. ولكن وأساسا باعتباره شخصا، حيث الانتقادات توجه إلى عجرفته أكثر من مما توجه إلى قراراته، وحيث يتهم في جوانب من سلوكه بالقدر نفسه الذي يحاسب على أدائه العمومي.
الشيء الأكبر من الغضب ليس سوى الكراهية! نعم عرف رؤساء فرنسيون سابقون أدنى عتبات انحدار مؤشرات الشعبية، لكن الأمر مختلف مع حالة ماكرون. إنه لا يواجه هبوطا حادّا في معدلات التعاطف والشعبية، بل يواجه ما هو أكبر: مزاجا عاما يكاد يجعل من كراهية الرئيس عقيدة مشتركة لهذا الحراك الاجتماعي غير المسبوق، تتفوّق على ما دونها من قضايا القدرة الشرائية والعدالة الجبائية والإصلاح الاجتماعي.
التقطت الصحافة من قلب يوميات الحراك مفارقة محيرة، ذلك أن الحشود المحتجة لا تعترف 
داخل الهندسة المؤسساتية المعقدة للجمهورية الخامسة سوى بقاطن قصر الإليزيه مخاطبا وحيدا وممكنا، في الوقت الذي تضعه، هو نفسه، في فوهة بركان غضبها، وفي البؤرة المركزية لخطابها الذي لا يحمل مجرد دفتر مطالب نقابية أو سياسية، بل يعلن، في شعاراته ومفردات تواصله ونمط حضوره داخل الإعلام والوسائط الاجتماعية الجديدة، عن انزياح واضح نحو استهداف ممنهج لشخص الرئيس، من خلال ما لا يُحصى من الشتائم المباشرة والعنف اللفظي والازدراء المعلن والتعبيرات المشينة التي تمتح من قاموسٍ بعيد عن مشمولات النقاش السياسي، حتى في أقصى حالات سجاليته وحدّته.
انتبهت متابعات إعلامية لهذا الحراك إلى التصاعد المثير للكراهية المناهضة لماكرون، والتي تعلن نفسها في ما يعبر عنه حاملو السترات الصفراء من شحنات العاطفة السلبية والاستهجان والتذمر تجاه شخص الرئيس، وهو ما جعل برامج تلفزية تخصص محاور لهذه الظاهرة، كما دفع أسبوعيةً مثل "ليكسبريس" إلى تخصيص غلافها الرئيسي لمحاولة تفكيك خلفيات هذا الطلاق العاطفي والنفسي بين الرئيس وقطاعات واسعة من الرأي العام، وتحليل هذه الخلفيات وفهمها.
في قراءة العناصر المغذية لهذه الحالة، يورد المتتبعون قائمة من الفرضيات المفسرة، تتوزع بين الإحالة على تاريخ عميق وتراكم سابق عن العهدة الانتخابية الحالية مليء بسوء الفهم وغياب الثقة واتساع القطيعة بين النخب والشعب، وبين التركيز على الطريقة التي تمثل بها ماكرون الوظيفة الرئاسية، ما جعله يبني، بشكل إرادي ومفكّر فيه، حجابا جليديا بينه وبين الناس، ويحول فضاء الحكم إلى مكان منزوع من العاطفة، ما أسهم في غلق ممرات القرب الإنساني التي ظلت تحمل تيارا من الانفعالات المتبادلة بين حكام الجمهورية وشعبها، سواء من خلال رؤساء احتفظوا بعفوية كرمهم الإنساني، وهم يعبّرون أقسى جغرافيات العزلة الحديدية التي تفرضها الجدران العالية للسلطة، أو من خلال من اختار فعلا أن يكون "رئيسا عاديا".
في بيان الأسباب، يميل محللون كذلك إلى التفكير في موجة الكراهية المناهضة لماكرون، كأثر معكوس للعبة "الجمل القصيرة" التي ظل الرئيس الشاب مفتونا بها، كجزء من حضوره العمومي والتواصلي، والتي كثيرا ما كانت تقرأ في الأوساط الشعبية تعبيرا عن الاستعلاء، وغياب الإحساس بالهموم الصغيرة للبسطاء.
ما يبدو كراهية فاقعة بالملاحظة المباشرة التي لا تحتاج إلى عين خبيرة، قد يتحوّل، في خطابات بعض السياسيين من أقصى تيارات اليسار واليمين، إلى مواقف شعبية من الظاهرة 
"الماكرونية"، وليس من ماكرون نفسه، بما تمثله هذه الظاهرة من تعالٍ إيديولوجي ومقاربة مقاولاتية للحكم تجعل السلطة في خدمة الأقوياء، والسياسات في خدمة الأثرياء. لكن الواقع أن محاولات أدلجة موجات الكراهية المعلنة لا تبدو موفقة دائما، فالاختلافات بين التعبير عن الموقف السياسي المناهض لتجربة التدبير الحكومي وحالة انتشار الكراهية المعممة في الأوساط الشعبية وداخل حراك الاحتجاجات فارقة من حيث الدرجة و الطبيعة، بل وفي السجل أيضا.
يحيل التفكير في موقع الكراهية ضمن العملية السياسية إلى ما سماه عالم السياسة المغربي، عبد الحي المودن، في مناسبة ثقافية حديثة، بسياسات المشاعر، حيث ظلت العواطف والانفعالات والأحاسيس جزءا أساسيا من الفعل السياسي والتعبئة ورهانات السلطة واستراتيجيات التواصل، وحيث "المواطن العاطفي" يجاور دائما "المواطن العقلاني".
لا يجب أن يحجب استحضار أثر المشاعر في بناء العالم السياسي منذ زمن قديم، في الوقت نفسه، تصاعدا ملحوظا، في سياقنا المعاصر، لخطابات الكراهية بأبعادها العنصرية والاجتماعية والجنسية والدينية والشوفينية، على النحو غير المسبوق الذي تصفه الصحافية والمفكرة الألمانية، كارولين إيمكي، بأنه عصر الافتخار بالإعلان عن كراهية الآخر وباستعراض القسوة والاستياء، حيث تحولت الكراهية أمرا طبيعيا وشائعا، ولم تعد محتاجة إلى أقنعة للاختباء وراءها. ما يخيف في مشاعر الكره ليس تحولها إلى عادة عمومية، بل ارتقاؤها إلى رتبة الرأي والعقيدة، يخلص الفيلسوف التونسي، فتحي المسكيني.