مثقف غير عضوي في ظل الاستبداد

25 يوليو 2019
الصورة
(ناجي العلي)
+ الخط -

لقد أدّت عقود من الاستبداد السياسي والتي ترافقت مؤخراً مع سعي إلى تعلم لغات العولمة من أطراف ثوبها المهترئ، إلى عزوف كثير من المثقفين عن الالتزام وتحولهم الى مثقفين مكتبيين أو مثقفين تقنيين. وكما شخصية بيريرا في كتاب أنتونينو تابوشي "بيريرا يدّعي"، فهذا المثقف الهلامي التكوين وعديم الالتزام، يمارس عملاً تقنياً أو إنتاجاً فكرياً ينحصر في حقب معينة أو بمواضيع محددة بعيدة عن أية ساحة فعلية للإسقاط ويؤديها بامتياز أحياناً وبعيداً كل البعد عن الانخراط في الشأن العام والالتزام بقضايا المحيط القريب المحلي والبعيد الإنساني. إنه ينفي عن نفسه تعريف غرامشي للمثقف العضوي ويصبح بالتالي عضواً مثقفاً معرفياً فقط.

أما المثقفون الذين ينفون عن أنفسهم، تصريحاً أو فعلاً، هذه الوظيفية في الممارسة، فموقفهم من القضية الفلسطينية عموماً و"صفعة" القرن تحديداً، إن أصابه الصمت أو الغياب، فلا تبرير له إلا الخوف.

والخوف على أنواع ودرجات متفاوتة. فالنوع الرئيسي المرتبط بالإرث القمعي وهو يشمل حتى المثقف المهاجر والمغترب. فإن لم يكن خوفاً من الاستبداد المباشر الذي يمس النفس والجسد، فسيكون خوفاً من الاستبداد المالي الذي يمس مصدر الدخل أو مساحة النشاط. وقد نجح الاستبداد العربي في إنتاج مثقفين، نرى الكثير منهم في سورية وفي مصر، ممن يتقنون ممالأة السلطان، مجبرين أو بمحض إرادتهم، نتيجة لعوامل ذاتية وموضوعية عديدة، ليس أولها الفساد والاستقطاب، ولن يكون آخرها الرهاب من التغيير الذي يسمح برمي الذات بين أنياب المفترس المعروف.

أما الخوف الأشمل والذي يمكن أن يجد له تبريراً أكثر إنسانية مما سبقه، فهو الخوف من الوقوع في سهل الكلام واللغة الخشبية شديدة المحلية. لغةٌ ما فتئت تلتصق كالعلق بخطاب المثقف العربي فيما يتعلق بالمسألة الفلسطينية كالقضية الأساسية التي رافقت الوعي الوطني منذ نشوء الدولة الحديثة في هذه المنطقة. فقد أملت علينا الأنظمة التسلطية وغير الشرعية على أنواعها، نمطاً من الكلام المكرر والسمج، للإعلان عن تضامن كاذب مع قضية صدق وحق وشرعية وإنسانية. فكم حفلت أدبياتنا بالخطابات الرنانة والكلام المعسول والتهديد والوعيد، وكم أجبر مثقفونا على لوك عبارات لم يفكروا في معانيها تحمل الغث من المفاهيم لمجرد ورود أمرها اليومي من الباب العالي في سلطة المستبد.

الحرية، وهي المطلب الرئيسي للفلسطينيين، يفتقدها جُلّ العرب، وبالتالي، فمن يسعى الى حريته في حيّزه الضيق، فهو بالتالي يسعى إلى حرية فلسطين. ولا يمكن لقضية بسمو وشرعية القضية الفلسطينية أن تحصد تضامناً ممن تستعبدهم أو تعتقلهم أو تسيرهم أنظمة لا تؤمن بالحرية لشعوبها مهما كان الخطاب الرسمي كاذباً في هذا الاتجاه.


* باحث سوري