مواجهة السلطة وكتائب التزوير

25 يوليو 2019
الصورة
ناجي العلي
+ الخط -

المثقف اليوم لا دور له سوى دوره في مواجهة السُّلطة، هذا يصدق على نطاق عالميّ في مواجهة الشكل الاقتصادي الرأسماليّ-التسليعيّ-الهيمنيّ المسيطر، وفي مواجهة أشكال السّلطة الوظيفيّة والتابعة التي تحكم على أطراف العالم بالتبعيّة والرّضوخ من خلال تناسخات مختلفة من الاستبداد والاحتواء والتوظيف.

المثقّف اليوم هو "الحلقة الأضعف" بعد أن تحوّل من نقد السّلطة إلى استجدائها، من مواجهة السّلطة إلى التسوّل على أبوابها: تسوّل الاعتراف والجوائز والنجوميّة والمكانة والحظوة، تسوّل المنابر الإعلاميّة للظهور والانتشار، وتسوّل أعطيات النشر والمِنح وغيرها. المثقف اليوم "صغير"، تافه، كائن هلاميّ متحوّل يقبع على هامش التحوّلات وفي مركز التّسليع.

في السابق، كان يمكن القول إن بعض الكتّاب والمفكّرين كانوا يمثّلون حالة ضميريّة و/أو تحريضيّة و/أو نقديّة جذريّة، من يمثّل هذه المكانة اليوم؟ أي مفكّر عربيّ نقديّ يمكن الحديث عنه اليوم؟ هذا الشكل النقديّ انتقل إلى الميادين العامّة والانتفاضات المتتالية، هناك يمكن استكشاف آفاق نقديّة وتجريبيّة جديدة، هناك يأخذ الضمير الأخلاقي والفعل النقديّ شكلاً تغييريّاً خلّاقاً، ويتطوّر كما بتنا نرى في تعلّم الانتفاضات العربيّة من أخطاء سابقاتها.

إن كان ثمّة دور للمثقف اليوم فهو انخراطه في هذا المختبر التاريخيّ التغيريّ المجتمعيّ المنتفض، وأن يشحذ كلّ أدواته المعرفيّة في مواجهة السلطة وتفكيك أدوات تسلّطها، لا في استجدائها.

في ما يتعلّق بفلسطين، ما يسمّى بـ"صفقة القرن" هي استمرار منطقي للتنازلات الكارثيّة التي سبقتها، والتمكّن المتسارع للمشروع الصهيونيّ على حساب التراجع الرسميّ العربي الذي لا حدود لانحطاطه. بدأت "صفقة القرن" منذ حقبة الاستعمار والتقسيمات التي خلّفتها، واستمرّت في سلسلة التراجعات التي أدّت للاعتراف بقرار التقسيم، ومن ثم قرارات الأمم المتحّدة التي ثبّتت "إسرائيل" ووسّعت من مساحتها الجغرافيّة، ومن ثم دخول أصحاب القرار الفلسطينيّين أنفسهم، ومعهم المجموعات الحاكمة العربيّة، في هذه الشرعنة بشكل سريّ، ثمّ علنيّ في معاهدات كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة، وصولاً إلى المشهد اليوم.

مطلوب من المثقف (إن بقي شيء من استقلاليّته وأخلاقيّته ونقديّته اليوم) هو العودة بالموضوع إلى أسسه، والخروج من السفاسف والتفريعات: قضية فلسطين هي ليست سؤالاً يتعلّق بالفلسطينيّين، بل هي سؤال الاستعمار الاستيطاني الصهيوني ومشروعه التوسّعي الهيمنيّ في المنطقة، ذلك هو السؤال الذي يبحث عن حل، عن إنهاء. بدلاً من تسوّل الحلول الوسط مع الاستعمار الاستيطاني، على المثقف العربيّ النقدي الدخول في مواجهة مباشرة معه، معرفيّاً، وفي التأسيس لحركة مواجهة وإنهاء الظّلم الذي يمثّله.

هذا الشكل المواجه غير المعترف بتسوية مع الظلم الاستعماريّ الاستيطانيّ ليس غريباً ولا جديداً: قدّمه مفكّرون من طراز فرانز فانون وألبير ممّي فيما يختصّ بأفريقيا، وتابعه آخرون ليس آخرهم حركات "الشعوب الأولى" في كندا على سبيل المثال. هناك أفق، لكنّه يتضمّن المواجهة مع المستقرّ والثابت، ومع مصالح المجموعات الحاكمة ووظيفيّتها، ومع عقود من التخاذل والمصالح التي تأخذ اليوم أسماء مثل: السلطة الفلسطينيّة التي استيقظت جزئيّاً بعد انضمام الولايات المتّحدة إلى "إسرائيل" لسحب آخر ورقة توت عن عورتها بعد سنوات من لعب دور كاذب هو دور "الوسيط".

ميزة هذه المرحلة وضوحها الشديد، لكن: هل يتحرّك "المثقّف" بعد كل هذا الوضوح، أم يبدأ بتزوير وتخفيف وتجميل هذا الوضوح؟ أغلب الظنّ أن "المثقّف" سيكون على رأس كتيبة التزوير، أمّا الرّهان، فيظلّ قائماً على شارع سينفجر من القهر يوماً لن يكون بعيداً.


* كاتب أردني

المساهمون