عن ثلاثة وجوه لتغيير 1952 في مصر

30 يوليو 2020
الصورة

محمد نجيب يحيي حشودا من المصريين في القاهرة (20/6/1953/Getty)

مرّ 68 عاماً على أحداث ليلة 23 يوليو / تموز 1952 في مصر، لكن الجدل لا يزال قائما بشأن توصيف تلك الأحداث، ما إذا كانت ثورة حقيقية، غيرت وجه الحياة في مصر، وهو التوصيف الرسمي الذي تتبناه الدولة، وعلى ذلك فإن 23 يوليو ذكرى قومية يتم الاحتفال بها رسميا، باعتبارها العيد القومى للبلاد، بينما تعتبر وجهة نظر أخرى، أكثر تحفظاً، أن ما جرى في تلك الليلة كان مجرّد "حركة" قامت بها مجموعة من شباب الضباط، شكلوا تنظيماً سرياً داخل الجيش باسم الضباط الأحرار، بهدف إجراء إصلاحات جوهرية فى بنية الجيش بعد هزيمة حرب فلسطين عام 1948، وما كشفت عنه من قصور فى بنية الجيش، وفساد وترهل في قياداته، على حد ما جاء في بيانات الحركة وقتها. وبعد نجاح الحركة في السيطرة على قيادة الجيش، وجدت الطريق أمامها ممهداً لفرض إرادتها على كل مؤسسات الدولة، ثم تداعت الأمور. وترى وجهة النظر الثالثة، الأكثر حدّة، ما جرى تلك الليلة انقلاباً عسكرياً. غير أن الحقيقة الثابتة أن ما جرى ليلة 23 يوليو 1952 أحدث تغييراً سياسياً جوهرياً في مصر، ترك آثاراً عميقة على كل مناحي الحياة. وكانت لذلك التغيير ثلاثة وجوه رئيسية، يدور حولها الجدل المستمر، المشار إليه، وهى ما إذا كان ما جرى ثورة أم حركة أم انقلابا. وتأتي أهمية الفهم الصحيح لطبيعة ما جرى أنه أحدث تأثيراً عميقاً ليس فى مصر فقط، بل امتد تأثيره إلى كل العالم العربي وأفريقيا، وكان له صدى عالمي. ويقودنا هذا الفهم إلى فهم الحاضر في مصر، وفي المنطقة بشكل عام، والأهم أنه يمكّن من استشراف المستقبل، وما يمكن أن يحمله لشعوبنا.

كانت البداية في صباح ذلك اليوم، عندما استيقظ الشعب المصري على إذاعة بيان صادر باسم الجيش، يعلن فيه أن مجموعة من الضباط، يقودهم اللواء محمد نجيب استولوا على قيادة الجيش، وأن هدفهم إصلاحه، وتخليصه من الفساد الذي استشرى فيه على يد قادته. وقد عبروا عن ذلك في نص البيان أنه أمر الجيش تولاه "جاهل أو فاسد"، وأكد البيان على احترام الحركة للدستور. وواكب ذلك وجود عناصر من وحدات الجيش فى الشوارع الرئيسية للقاهرة، وكان الجيش قد سيطر على الإذاعة والمرافق الرئيسية فى العاصمة، بينما كان الملك فاروق، وحاشيته، وحكومته، في الإسكندرية. 

سقط الوجه الثالث للتغيير السياسي ليوليو 1952، الثورة الاجتماعية، كما سقط الأول، الحركة المباركة، ولم يبق واقعا سوى "الانقلاب العسكري"

المهم، طبقاً للبيان، أن حركة عسكرية داخل الجيش، قام بها تنظيم سرّي من شباب الضباط (تنظيم الضباط الأحرار) كما تم الإعلان عنه بعد ذلك، واختاروا ضابطاً ذا رتبة رفيعة يثقون فيه ليترأسهم، اللواء محمد نجيب. وتمكنت الحركة من السيطرة على قيادة الجيش، بواسطة كوادرها من شباب الضباط في مختلف الوحدات. والأهم أن كل بيانات الحركة أكدت على "احترام الدستور"، ولم تتطرّق إلى نظام الحكم الملكي الذي كان قائما، بل تقدمت بأول مطالبها إلى الملك فاروق، أن يكلف رئيس وزراء جديدا بتشكيل الحكومة، ثم جاءت الخطوة الرئيسية التالية، بعد ثلاثة أيام، في يوم 26 يوليو، عندما طلبت قيادة الحركة من الملك فاروق التنازل عن العرش إلى ولي عهده الرضيع أحمد فؤاد، ومغادرة البلاد، أي أن توجّه الحركة، حتى ذلك الوقت، كان الحفاظ على نظام الحكم الملكي، وتم تعيين مجلس وصاية على العرش، باعتبار الملك كان طفلاً. كان ذلك الوجه الأول للتغيير السياسي في مصر في 1952، حركة عسكرية قام بها تنظيم سرّي لشباب الضباط داخل الجيش، عُرفت بالحركة المباركة، أخذت طابعاً إصلاحياً داخل الجيش، وطالبت بالإصلاح العام للدولة التي بقي نظامها السياسي كما هو ملكياً. ولاقت "الحركة المباركة" قبولاً شعبياً من قطاع واسع من الشعب المصري، وهو ما شجع قيادتها على تطوير توجهاتها، كما تداعت الأحداث. 

وفي 18 يونيو/ حزيران 1953، حدث التطور الجوهري، عندما فوجئ الشعب المصرى بصدور قرار مجلس القيادة بإنهاء حكم أسرة محمد علي، وسقوط الملكية، وإعلان الجمهورية، وتعيين اللواء محمد نجيب أول رئيس للجمهورية، والذي كان أول قراراته تعيين الصاغ عبد الحكيم عامر قائداً عاماً للقوات المسلحة، بعد ترقيته إلى لواء. وكانت تلك الخطوة الإعلان الرسمي عن تغيير نظام الحكم بالقوة المسلحة، أو ما يمكن تسميته "الانقلاب العسكري" الصريح، حيث تولت قيادة الجيش، بشكل مباشر، كل أمور الحكم، من رئاسة الدولة بعد تغيير النظام، الى السلطة التنفيذية برئاسة الحكومة، إلى السيطرة على كل مؤسسات الدولة. وكان ذلك هو الوجه الثاني للتغيير السياسي، والذي جاء ليحل محل الوجه الأول. ولم يعد هناك مجال للحديث عن "الحركة المباركة"، وبدأ مصطلح "الثورة" يتردّد، على حياء، في دعوات تصدر عن رجال فكر ومثقفين.

ما جرى ليلة 23 يوليو 1952 أحدث تغييراً سياسياً جوهرياً في مصر، ترك آثاراً عميقة على كل مناحي الحياة

شهدت مصر بين إعلان الجمهورية في يونيو/ حزيران 1953 وحتى أحداث العام 1956 بعد تأميم قناة السويس، وحرب السويس (العدوان الثلاثي) تطورات حادّة بدأت بأزمة مارس 1954، وما أعقبها من عزل محمد نجيب من رئاسة الجمهورية، وبقاء المنصب شاغراً، حيث تولى السلطة جمال عبد الناصر باعتباره رئيساً للوزراء، ومحاولة اغتيال عبد الناصر واتهام الإخوان المسلمين بها، وما أعقب ذلك من محاكمات واسعة، ثم تنفيذ اتفاقية الجلاء عن مصر، ومباحثات إنشاء السد العالي، حتى وصل الأمر إلى حرب السويس، وكلها أحداث شغلت الرأي العام عن التفكير في شكل النظام وتركيبته. بعد تلك الحرب، أصبح عبد الناصر زعيماً شعبياً بلا منازع، وأجرى استفتاء على الدستور وعلى رئاسة الجمهورية. وبالطبع، تم إقرار الدستور واختيار عبد الناصر رئيساً للجمهورية، وبدأ يحمل لقب الزعيم وقائد الثورة. ولكن حتى ذلك الوقت، لم تكن تغيرات جوهرية في البنية الأساسية لتركيبة المجتمع المصري، سوى في حدود ضيقة، غلب عليها الطابع التعبوي.

لا بد من الإشارة إلى الأحداث الرئيسية التى أعقبت حرب السويس، ولعل أبرزها الوحدة المصرية - السورية (1958 – 1961)، وكانت تجربة مريرة انتهت بالفشل، ثم كانت حرب اليمن (1962 – 1968)، وكانت أيضاً تجربة مريرة. ولكن المهم الإشارة إلى الوجه الثالث من وجوه التغيير السياسى في يوليو/ تموز 1952، وهو "الثورة"، بمعنى التغيير الاجتماعى الحاد أو الجوهري. ولا يمكن إنكار ذلك الوجه الذي بدا واضحاً في نواحٍ رئيسية، وخصوصا منذ العام 1961، وما عُرفت بالقرارات الاشتراكية، وأهمها مجانية التعليم فى جميع المراحل، والأهم سياسة التوظيف الفوري للخريجين عن طريق ما كانت تعرف بالقوى العاملة، وسياسة التصنيع والتوسع فى القطاع العام والتشغيل وحقوق العمال، والإصلاح الزراعي وتوزيع الأراضي، والإسكان الشعبي، والعلاج، والتغذية في المدارس، وغير ذلك مما قد نتفق، أو نختلف عليه. ولكن لا يمكن إنكار ما حدث من تغيير جوهري، أو ما يمكن أن يكون تغييراً ثوريا. وكان ذلك هو الوجه الثالث ليوليو 1952، والذي جاء متأخراً بعض الوقت. ولكن، وللأسف الشديد، لم يستمر ذلك الوجه طويلاً، فقد جاءت هزيمة يونيو/ حزيران 1967، لتضرب المشروع الناصري في مقتل، ثم أعقبها تغيير التوجهات في السبعينات. وفي أعقاب حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973، ثم سياسات الانفتاح الاقتصادي، والأسواق الحرة والخصخصة. 

جاءت هزيمة يونيو 1967، لتضرب المشروع الناصري في مقتل، ثم أعقبها تغيير التوجهات في السبعينات.  

هكذا، سقط الوجه الثالث للتغيير السياسي ليوليو 1952، وهو الثورة الاجتماعية، كما سقط مبكراً الوجه الأول، وهو وجه الحركة المباركة، ولم يبق واقعا سوى الوجه الثاني، أي "الانقلاب العسكري"، أو تغيير نظام الحكم بالقوة المسلحة من النظام الملكي لأسرة محمد علي، والذي كان آخر حكامه ملك مصر والسودان، فاروق الأول، ثم ولي عهده الطفل أحمد فؤاد، إلى النظام الجمهوري، والذي تم تعيين أول رئيس للجمهورية فيه، وهو اللواء أركان حرب محمد نجيب. 

تلك هى الوجوه الثلاثة للتغيير السياسي في مصر، فى أعقاب حركة الضباط الأحرار، في ليلة 23 يوليو/ تموز 1952، تلك الحركة التي قام بها تنظيم سري لشباب الضباط داخل الجيش، كان يقوده مجلس قيادة من 11 ضابطا، يرأسهم البكباشى جمال عبد الناصر. وكان المجلس يضم ضباطاً من رتب أقل، مثل الصاغ واليوزباشي، وقد اختاروا واجهة لهم أمام الشعب، اللواء محمد نجيب. كانت تلك الليلة صفحة فاصلة في التاريخ المصري الحديث، كتبها 99 ضابطاً، هم من تحرّكوا في تلك الليلة، وصدر بأسمائهم قرار من الرئيس أنور السادات، وتم نشره فى الوقائع الرسمية. .. 

وسيبقى الجدل قائماً بشأن الوجوه الثلاثة للتغيير السياسي الذي شهدته مصر في 23 يوليو/ تموز 1952.