الفلسطينيون والخيارات الصعبة

24 سبتمبر 2020
الصورة
+ الخط -

كان 15 سبتمبر/ أيلول 2020 يوماً فاصلاً في تاريخ ما اصطلحنا على تسميتها القضية الفلسطينية. فيه، وفي الحديقة الخلفية للبيت الأبيض الأميركي، أدار الرئيس الأميركي، ترامب، احتفالية "مفتعلة"، ضمّت رئيس حكومة العدو الإسرائيلي، نتنياهو، ووزيري خارجية الإمارات والبحرين، عبدالله بن زايد وعبد اللطيف الزياني (أخطأ ترامب في اسمه أكثر من مرة). كان عنوان الاحتفالية توقيع اتفاقيتي تطبيع وسلام "تاريخيتين" ما بين دولة العدو الإسرائيلي وكل من الدولتين العربيتين الخليجيّتين، تحت شعار "السلام مقابل السلام" وسلام القوة، كما عبّر عن ذلك نتنياهو.

كان المشهد عبثياً، خصوصاً في غياب تام للطرف الفلسطيني، صاحب القضية الأصلي، والذي أعلن رفضه تلك الاتفاقيات، ونعتها بخيانة القضية وثوابتها وحقوق الشعب الفلسطيني التاريخية في الأرض والقدس وحق العودة. كان الحدث فاصلاً في تاريخ القضية، لأنه انتقل بها من قضية العرب المركزية والأولى، ومن كونها قضية عربية قومية، تقع مسؤولية التعامل معها على الأمة العربية كلها، إلى قضية فلسطينية وطنية، فمنذ تصدّت الجيوش العربية للمشروع الصهيوني عند إعلان قيام دولة إسرائيل في مايو/ أيار 1948 على الأرض الفلسطينية، منذ ذلك التاريخ، والفلسطينيون قد سلّموا قضيتهم للأمة العربية.

على مدى 72 عاماً، شهدت منطقة الشرق الأوسط، في إطار ما يُعرف بالصراع العربي - الإسرائيلي، أربع جولات من الحروب الرئيسية

على مدى 72 عاماً، شهدت منطقة الشرق الأوسط، في إطار ما يُعرف بالصراع العربي - الإسرائيلي، أربع جولات من الحروب الرئيسية، بالإضافة إلى حرب استنزاف طويلة ما بين حربي 1967 و1973. وكانت، حتى 1967، تنتهي عادة بهزائم عربية أشدّها وقعاً هزيمة يونيو/ حزيران ذلك العام، والتي احتلت فيها إسرائيل كل فلسطين التاريخية، بما في ذلك القدس الشريف، الأمر الذي أضفى على القضية طابعاً إسلاميّاً، بسبب القيمة المعنوية للمسجد الأقصى لدى المسلمين فى كل الدنيا. ثم كانت حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973، وحققت فيها مصر إنجازاً عسكرياً ملموساً، كان من نتيجته الدخول فيما عُرفت بعملية السلام، والتي انتهت باتفاقية سلام مصرية – إسرائيلية، انسحبت بمقتضاها إسرائيل من الأراضي المصرية في سيناء، وكان هناك اتفاق ضمني باستمرار عملية السلام مع الفلسطينيين والأردن وسورية، وانتهى الأمر باتفاقية سلام أردنية - إسرائيلية، سبقتها اتفاقيات حكم ذاتي مؤقتة مع منظمة التحرير الفلسطينية (أوسلو). وجرت في نهر عملية السلام مياه كثيرة، لعل أبرزها "مبادرة السلام العربية" التي قدّمتها العربية السعودية، وأقرّتها القمة العربية فى بيروت عام 2002، وتنصّ على وضع حد للصراع العربي الإسرائيلي وعلى الانسحاب الإسرائيلي من كل الأرض العربية المحتلة في 5 يونيو/ حزيران 1967، وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود 4 يونيو، وعاصمتها القدس الشريف، في مقابل الاعتراف العربي بإسرائيل، وتطبيع العلاقات معها، وكان ذلك هو التوافق العربي الذي أقرّه الجميع.

حدث تطور جوهري في مسار القضية الفلسطينية، مع وصول ترامب إلى البيت الأبيض، حاملاً مشروعه الصهيو أميركي لتصفية القضية

إلى ذلك الحدّ والقضية الفلسطينية كانت تحتفظ بطابعها القومي، سواء من الأطراف التي وقّعت اتفاقيات وتفاهمات مع إسرائيل؛ مصر والأردن ومنظمة التحرير، أو من باقي الأطراف العربية. وهكذا كان للفلسطينيين ظهير عربي، يتحرّكون في إطاره، على الرغم مما يعانون من انقسامات داخلية وضغوط خارجية، وكان ذلك الظهير العربي سنداً لهم أمام المجتمع الدولي، وفي مواجهة العدو الإسرائيلي، ولو بدرجة محدودة. 

حدث تطور جوهري في مسار القضية الفلسطينية، مع وصول ترامب إلى البيت الأبيض، حاملاً مشروعه الصهيو أميركي لتصفية القضية. بدأ يتحرّك خطوة خطوة. أعلن، في البداية، تفعيل قرار الاعتراف بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل، وقرّر نقل السفارة الأميركية إليها، ونفّذ قراره. ثم أتبع ذلك بالاعتراف بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان السورية المحتلة. واعترف بشرعية المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس المحتلة، ثم طرح مشروعات التمويل الاقتصادي في مقابل القبول الفلسطيني بالخطة، ثم كشف عن مشروعه بضم إسرائيل أراضي في الضفة الغربية، وإقامة دولة فلسطينية من دون حدود ولا أجواء ولا مياه إقليمية ومنزوعة السلاح، وتختار منطقة/ قرية قريبة من القدس الشرقية لتقيم عليها عاصمة. 

سقط الظهير العربي للفلسطينيين، وعادت القضية إلى طبيعتها، قضية وطنية فلسطينية

جرى ذلك ويجري وسط صمت عربي مخزٍ، ما شجّع ترامب على توجيه الضربة القاضية أخيراً، وهي ليست مجرّد تطبيع علاقات الإمارات والبحرين مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، ولكن تفريغ القضية الفلسطينية من مضمونها، ووضع نهاية لما يعرف بالصراع العربي الإسرائيلي، عن طريق الاعتراف العربي بإسرائيل، وتطبيع العلاقات معها خارج إطار القضية الفلسطينية. والأمر، كما ذكر نتنياهو وترامب، أن باقي الدول قادمة، أو كما قيل "الحبل على الجرّار". وهكذا، سقط الظهير العربي للفلسطينيين، وعادت القضية إلى طبيعتها، قضية وطنية فلسطينية، فما هي الاختيارات الصعبة التي على الفلسطينيين مواجهتها؟ ليس مطلوباً تقديم النصائح للفلسطينيين، فكفاهم نصائح على مدى 72 عاماً؟ فهم أقدر الناس على تقييم موقفهم، والموقف الإقليمي، والدولي المؤثر، ولا تنقصهم الكفاءات، ولا الخبرات، ولا القدرات، وإذا كانت هناك كلمة لا بد من أن تقال فهي "عليكم أن تتحدوا على موقف وطني واحد. ومن خلاله عليكم اتخاذ ما يناسبكم من قرارات، لأن الأرض أرضكم، والحق حقكم، والشعوب لا تموت، طالما بقيت إرادة المقاومة".