جامعة الدول العربية والنداء الأخير

13 اغسطس 2020
الصورة

ترتبت على الانفجار المروّع الذي أصاب مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس/ آب الحالي، كارثة إنسانية شاملة، عمت كل العاصمة اللبنانية، حيث اقتربت أعداد القتلى من مئتين، واقترب عدد الجرحى والمصابين من ستة آلاف. بالإضافة إلى التدمير الذي أصاب المرفأ، وكذا آلاف المنشآت والمرافق والمساكن، وما ترتب على ذلك من تشريد عشرات آلاف الأسر. وذلك كله في ظل أزمات سياسية واقتصادية حادة يعيشها لبنان. كما جاء الانفجار ليضع حداً للجدل بشأن "النظام العربي" بصفة عامة، وجامعة الدول العربية بصفة خاصة.

لنتذكر أن لبنان كان إحدى الدول السبع، المستقلة سياسياً، المؤسسة لجامعة الدول العربية، في مارس/ آذار 1945، ولم يتخل مطلقاً عن التزامه بالقضايا العربية في كل الظروف، ودفع فى سبيل ذلك أثماناً غالية. وليست المقالة هنا بصدد استعراض ذلك، وإنما محاولة لفهم ما جرى ويجري على الساحة اللبنانية في أعقاب الحادث المأساوي.

جاءت المبادرة الأولى، عقب وقوع الكارثة، ليس من القاهرة، حيث مقر جامعة الدول العربية، ولا من أمينها العام، ولا من أي من أعضاء الجامعة، وإنما من باريس، ومن الرئيس الفرنسي، ماكرون الذي بادر إلى الاتصال بالرئيس اللبناني، ميشال عون. وفي اليوم التالي كان في بيروت، حيث تفقد موقع الحادث، ثم تجول في شوارع بيروت، والتقى بجماهير من السكان والأهالي، وقدم وعوده بالوقوف إلى جانب الشعب اللبناني مباشرة لتجاوز المحنة. ليس هذا فقط، بل أيضاً سيحشد دعماً دولياً من أجل ذلك، ثم اجتمع بالقيادات السياسية اللبنانية. وعاد إلى باريس لينظم مؤتمراً للدول المانحة التي رصدت بصفة مبدئية أكثر من 260 مليون يورو، وساهمت قطر بمبلغ 40 مليون دولار، والكويت بمبلغ 50 مليون دولار، بمبادرتين فرديتين من كل منهما. وإلى ذلك، قدّمت دول عربية وإسلامية مساعدات إغاثية عاجلة، بمبادرات فردية.

وصلت الطبقة السياسية اللبنانية إلى درجةٍ من التدنّي، تجعل الانتداب، أو الاستعمار الأجنبي، خيراً منها

وفي الأثناء، ثمة حدث شديد الأهمية، في زخم الحراك الشعبي في الشارع اللبناني، تمثل في إعداد عريضة شعبية عليها قرابة 36 ألف توقيع، تم تقديمها إلى ماكرون، تطالبه بعودة الانتداب الفرنسي على لبنان.

بعيداً عن اتهامات الخيانة والحنين إلى الاستعمار، والتي سارع بعضهم إلى إطلاقها، علينا أن نتوقف طويلاً أمام الواقعة، في محاولة لفهم الدوافع الحقيقية التي أدت إلى هذه الحالة من الشعور بالمرارة والإحباط، إلى حد إشهار هذه العريضة. وبالتأكيد، يعرف جيداً من وقّع عليها أنه لا مجال لعودة الانتداب (الفرنسي)، وأن لا أحد سيأخذها مأخذ الجد. وبالتالي، المعني بها ليس هو الرئيس ماكرون، وإنما هي رسالة مزدوجة، شديدة القسوة، وشديدة الوضوح، موجهة، أساساً وأولاً، إلى القوى السياسية اللبنانية الجاثمة على صدور الشعب اللبناني، والتي أوصلته إلى الحالة المزرية من الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. رسالة فحواها أن يرحلوا "كلّن يعني كلّن"، فقد وصلت تلك الطبقة السياسية إلى درجةٍ من التدنّي، تجعل الانتداب، أو الاستعمار الأجنبي، خيراً منها. 

المشهد مليء بالمشكلات، من العراق إلى الخليج إلى المغرب العربي، أين الجامعة منه؟

والرسالة موجهة أيضاً، وبالقدر نفسه من القسوة والوضوح، إلى النظام العربي وجامعته القائمة في القاهرة، وهي رسالة قد تكون في شكل "النداء الأخير"، فما جدوى تلك المنظمة بعد كل ما شهده ويشهده العالم العربي من نوازل وكوارث، وهي تقف عاجزة تماماً عن أي فعل، وأقصى ما يصدر عنها بيان أو تصريح هزيل؟ تكفي نظرة سريعة على المشهد العربي العبثي، ونبحث عن دور، أي دور، لذلك الكيان الديناصوري، الكائن على نيل القاهرة، المسمى جامعة الدول العربية... في سورية وطن تمزق وشعب تحول أكثر من نصفه إلى ما بين قتيل ومصاب ومعتقل ونازح ولاجئ. وتتنازعه قوى دولية ما بين أميركا وروسيا وأوروبا وقوى إقليمية ما بين إيران وتركيا ومليشيات متعدّدة الجنسيات والانتماءات، والعدو الإسرائيلي يعلن، في صفاقة، ضم هضبة الجولان، فأين جامعة الدول العربية؟ في اليمن حرب دخلت عامها السادس، أطرافها عربية، يمنية، مع تدخلات إيرانية. ويتعرّض البلد للتقسيم، ويعاني من أكبر كارثة إنسانية، فأين جامعة الدول العربية. في ليبيا حكومتان وجيشان، وصراع أهلي ومليشيات وقوى دولية وإقليمية، ومقدّرات شعب مهدّدة بالضياع فأين جامعة الدول العربية؟ والمشهد مليء بالمشكلات، من العراق إلى الخليج إلى المغرب العربي، أين الجامعة منه؟

لبنان كان إحدى الدول السبع، المستقلة سياسياً، المؤسسة لجامعة الدول العربية، في مارس 1945

وإذا اعتبرنا هذا كله مشكلات سياسية وصراعات جيوسياسية، ووصلنا إلى المواقف الإنسانية، ونظرنا إلى كارثة كالتي حلت بلبنان، أين هي جامعة الدول العربية، بل أين هو النظام العربي، بعيداً عن بعض المبادرات الفردية؟ من هنا جاءت رسالة اللبنانيين المريرة، والتي طلبت من الرئيس ماكرون عودة الانتداب الفرنسي، لتمثل "النداء الأخير" إلى العرب والنظام العربي وجامعته التي كان "النداء الأول" فيها قبل أكثر من 75عاماً، إن جاز التعبير، بمشاركة رئيس الكتلة الوطنية اللبنانية في ذلك الوقت، بشارة الخوري، في أول اجتماع لبحث إقامة الجامعة، بدعوة من رئيس وزراء مصر، مصطفى النحاس باشا، في عام 1944. واليوم، من لبنان، يصدر النداء الأخير، قبل إعلان انهيار هذه الجامعة.