عرب فرنسا يفرحون مع غيرهم

31 ديسمبر 2018
الصورة
زينة في الشانزليزيه (ميكايل كانديلوري/ Getty)
ليلة رأس السنة في فرنسا فرصة مميزة للاندماج بين مختلف المجموعات، وهكذا لا يواجه أبناء الجالية العربية أيّ حرج في الاحتفال بها إلى جانب غيرهم من الفرنسيين والمهاجرين. تنتفي الصبغة الدينية عن رأس السنة، وتتميز احتفالات باريس ومختلف المدن بحجوزات المطاعم، إذ إنّ من ليست له عادة في ارتيادها يحرص على اختيار المطاعم الأفضل على الرغم من كلفتها المرتفعة.

عائلة عبد القادر العلوي، من أصول مغربية تقطن في باريس، حجزت قبل أسابيع عدّة طاولةً في مطعم سمك فاخر، غير بعيد عن جادة الشانزليزيه. يقول عبد القادر: "نحرص منذ فترة طويلة على الاحتفال بهذه الطريقة، مع أبنائنا الثلاثة. وهي فرصة نادرة للالتقاء معاً، فهم تركوا المنزل قبل سنوات".

سهيلة مكتوب، جزائرية، تقطن في الضاحية الباريسية، لا تفوّت منذ فترة طويلة هذه الفرصة للمجيء برفقة صديقاتها إلى جادة الشانزليزيه لتناول العشاء في مطعم ثمّ التجول في أجمل جادة في العالم، كما يقول الفرنسيون، والاستمتاع بالانتقال من سنة إلى أخرى على وقع المفرقعات مع مئات الآلاف من المواطنين والسياح. وقد قُدّر عدد زائري الشانزليزيه في ليلة رأس السنة في العام الماضي، بما بين 600 ألف و700 ألف شخص.




بقدر ما يحرص الفرنسيون على البقاء في بيوتهم في ليلة الميلاد، مستقبلين أفراد عائلاتهم ومقتسمين الطعام، فإنّ ليلة الواحد والثلاثين من ديسمبر/ كانون الأول مدعاة للخروج إلى المطاعم وانتظار السنة الجديدة جماعياً في الساحات والشوارع وأماكن السهر. هذه "العدوى" بدأت تصيب حتى العائلات المحافظة من الجالية العربية، فبعض الأبناء يفرضون عليها ذلك. وليس من النادر أن تصادف نساء محجبات يتجولنَ في الأحياء الراقية والسياحية من العاصمة ومن كبريات المدن الفرنسية، قبل ارتياد المطاعم أو بعد ذلك، في ليلة رأس السنة.

تعترف سارة الناجي، من أصول مغربية، بأنّ بناتها هنّ اللواتي أقنعنَها وزوجها بالخروج للاحتفال، وتقول: "حجزنا في مطعم لبناني. سنتناول طعام العشاء، وبعد منتصف الليل نعود إلى منزلنا. لن نستخدم سيارتنا، فالمترو يعمل حتى ساعة متأخرة من الليل". تقرّ كذلك بأنّها غير معتادة على الخروج، "ليس فقط لأنّ وضعنا المالي لا يسمح كثيراً بذلك، بل لأنّها ليست من عاداتنا، أنا وزوجي. لكنّي لم أشأ أن أخيّب ظنّ بناتنا". تستدرك: "الواقع يتغير، ولا مهرب لنا من ذلك".

في المقابل، ثمّة عائلات عربية تتماشى مع نمط الحياة الفرنسي بسهولة، خصوصاً إذا كانت الاحتفالات معهودة في بلدانها الأصلية. تقول سعيدة هادين، من أصول مغربية: "أعياد رأس السنة في الدار البيضاء لا تختلف عمّا يجري في باريس. فيخرج السكان إلى وسط المدينة ويرتادون المطاعم وينتظرون منتصف ليلة 31 ديسمبر بالحماس والترقب نفسَيهما".

الجالية العربية تتغير، بطريقة لا رجعة فيها، بحسب الباحث الفرنسي علي بوكبوس الذي يؤكد أنّ "مشاركة العرب أو الفرنسيين من أصول عربية مواطنيهم في هذه المناسبات الوطنية والاحتفالية، هي من دون شك دليل على أنّ الاندماج يجري على قدم وساق. ولن تنفع الدعوات، مهما كانت، لثنيهم عن الخروج لمشاركة مواطنيهم الاحتفالات بأيّ مبرر". ويرى بوكبوس أنّ توافد الآلاف من أبناء الضواحي، من عرب وأفارقة وفرنسيين، إلى العاصمة، خصوصاً شوارعها الكبرى والسياحية، في هذه المناسبة، دليلٌ على رغبتهم في أن يحظوا باعتراف الدولة بهم وفي إدماجهم في عجلة الاقتصاد. فالظروف التي يعيشون فيها سيئة، باعتراف مختلف الحكومات.




ليس سراً أنّ هذه السنة تختلف عن سابقاتها، فقد مرت حركة السترات الصفراء من هنا، وما زالت تتظاهر كلّ سبت في جادة الشانزليزيه وأماكن أخرى كثيرة. ومثلما شقّت الحركة كلّ البيوت واخترقتها، إذ إنّك تجد في البيت الواحد من يؤيد الحراك ومن يعارضه، لم تسلم العائلات العربية من ذلك، بل إنّ ناطقين كثيرين باسم الحركة هم من أصول عربية. يظهر هذا جلياً في بيت جواد العلمي المختلط، فالزوج مغربي والزوجة تونسية. الزوج متقاعد، ترك خلفه سنوات من العمل النقابي، ونادراً ما يتخلف عن حراك اجتماعي. يرغب في أن يتواصل حراك السترات الصفراء، حتى خلال فترة الأعياد، لأنّ "الفقر والحاجة لا يختفيان في الأعياد". أمّا الزوجة، عزيزة، فتريد التجوّل ليلاً في جادة الشانزليزيه وزيارة فندق. الابن، وهو مهندس، يؤمن من جهته بأنّ الدولة تمنح مساعدات كثيرة، بينما تتباهى أخته الممرضة بسترتها الصفراء، فهي تشارك في كلّ احتجاجات هذه الحركة.