رئيس أوكرانيا وأهون الشرور

رئيس أوكرانيا وأهون الشرور

21 فبراير 2015
الصورة

بترو بوريشنكو متحدثا في كييف (15فبراير/2015/Getty)

+ الخط -

يفتح الاتفاق على وقف إطلاق النار في دونباس، والذي تم التوصل إليه نتيجة مفاوضات مينسك، طريقاً حقيقية إلى الخروج من الأزمة الأوكرانية، فهو يسمح لجميع الأطراف المعنية بالحفاظ على ماء الوجه، فإذا ما تم تنفيذ اتفاقات مينسك، تبقى دونباس أوكرانية، مع تمتعها بقدر كبير من الحكم الذاتي، والأهم وقف نزيف الدم، وهذا أمر يصب في مصلحة الجميع.

الأوروبيون، بدورهم، أصحاب مصلحة في وقف الحرب، وهم المبادرون إلى جولة المفاوضات الأخيرة، فالنزاع في أوكرانيا أدى إلى تدهور كبير في العلاقات الأوروبية مع روسيا، ووضع العالم على شفا حرب باردة جديدة. وفي أوروبا، تلاحظ اللوحة التالية: بولونيا في حالة ذعر، وهي تحشد قواتها على الحدود الشرقية، ودول البلطيق تطالب بإرسال قوات أميركية لحمايتها. فيما ترد موسكو بإجراء مناورات لقواتها النووية الاستراتيجية.

وهناك بالنسبة للأوروبيين مقياس اقتصادي مهم، لمعايرة الأزمة الحالية. فقد خسرت أوروبا، وفقاً لكلام وزير الاقتصاد الإسباني، أكثر من عشرين مليار يورو، نتيجة تردي علاقاتها مع روسيا. كما أن أوساط الأعمال الألمانية التي تعاني الخسائر، نتيجة تراجع التبادل التجاري مع روسيا بدأت تمارس الضغط على المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل. والرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، لا يعرف أين يذهب بحاملتي المروحيات "ميسترال"، اللتين تمت صناعتهما بطلب روسي ومعايير روسية، وتم تسديد ثمنهما. كما أن مزارعي هولاندا وبلجيكا وإسبانيا وإيطاليا وفنلندا مستاؤون.

إلى ذلك، أضرت العقوبات، أيضاً، بالاقتصاد الروسي الذي يتراجع تحت ضغط انخفاض أسعار النفط. وقد بات أصعب على الشركات الروسية الحصول على قروض، كما تقلص حجم الاستثمارات الغربية في روسيا.

للوهلة الأولى، قد تبدو اتفاقات مينسك هزيمة للرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، فهو متهم بمحاولة ضم دونباس إلى روسيا، من أجل تأمين طريق برية إلى شبه جزيرة القرم، إلا أن السلام في دونباس سيكون، في واقع الحال، نصراً لبوتين. ذلك أن موسكو في غنى عن انفصال هذا الإقليم عن أوكرانيا، فيمكن بناء جسر من روسيا إلى شبه جزيرة القرم، على غرار الجسر الذي يربط السعودية بالبحرين.

أكثر ما تحتاج إليه روسيا حليف مخلص في أوكرانيا نفسه، له حضور قوي في البرلمان، ويستطيع محاصرة أي محاولة لانضمام أوكرانيا إلى الناتو، أو محاولة تنشيط العلاقات مع هذا الحلف في غير مصلحة روسيا. إلا أن هناك جملة عوامل، يمكن أن تحول دون تنفيذ اتفاقات مينسك، فيمكن افتراض أن هذا السيناريو لا يرضي زعماء جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك، المعلنتين من جانب واحد، الذين يحلمون بالاستقلال الكامل عن كييف. وبالفعل، كثيراً ما تردد، في دونيتسك ولوغانسك، حديث علني على وسائل الإعلام عن الاستقلال عن كييف، إلا أنهم، في الواقع، سيكونون مرغمين على قبول قرار موسكو، لأنهم، ببساطة، لن يتمكنوا، من دون مساندتها، من الصمود طويلاً.

إضافة إلى ذلك، هناك أسباب اقتصادية، تدعو دونباس إلى البقاء في عداد أوكرانيا، فتجربة القرم ماثلة للعيان. وقد خلقت العقوبات الغربية صعوبات غير قليلة لشبه الجزيرة، علماً أن فحم دونباس الحجري كان يباع لأوكرانيا بالدرجة الأولى.

الحلقة الضعيفة في الوضع الراهن، هي كييف، حيث تعجز المجموعات السياسية المختلفة عن الاتفاق فيما بينها. فالرئيس بيترو بوروشينكو، من جهة، يريد وقف العمليات القتالية، ذلك أن أوكرانيا تفتقر إلى الأموال والموارد البشرية لاستمرار الحرب. والبلاد تتأرجح على حافة الإفلاس، والرجال المدعوون للخدمة العسكرية يتهربون من الالتحاق بالجبهات. وما يزيد الحالة تعقيداً حصار وحدات من الجيش الأوكراني في منطقة ديبالتسيفو. فالحديث يدور عن عدد من الجنود، يتراوح بين ستة وثمانية آلاف. علماً أنها ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها الجيش الأوكراني لمثل هذه الهزيمة، وقد لا يحتمل الشعب مزيداً من الخسائر.

من جهة أخرى، حزب الحرب قوي جداً بين السياسيين الأوكرانيين، وهو يرتكز إلى مساندة الولايات المتحدة الأميركية والمتعصبين القوميين من السكان المحليين. فزعيم الصقور، رئيس وزراء أوكرانيا، أرسيني ياتسينيوك، الذي يقف وراءه بعض طواغيت رأس المال، ويموّلون كتيبة المتطوعين المسماة "الحرس القومي"، قد لا ترضيهم الاتفاقات. وبالتالي، يمكن أن تقود اتفاقات مينسك إلى انقلاب حكومي مدعوم من كتائب المتعصبين القوميين المسلحة، يطيح بوروشينكو عن كرسي الرئاسة. ومع ذلك، قد تنتفي الحاجة إلى الانقلاب. فالرئيس بوروشينكو نفسه قد يعجز عن تنفيذ التعهدات التي أخذها على عاتقه في مينسك، إذا ما امتنعت الحكومة والبرلمان عن القبول بها. فيكفي، مثلاً، لتعطيل الهدنة فرملة إقرار قانون عن الوضع الخاص لدونباس في البرلمان، أو الامتناع عن تبادل الأسرى أو عرقلته. لذلك، يحتاج إنهاء الحرب إلى إرادة سياسية، وإصرار كثير.

وهكذا، سيكون على الرئيس الأوكراني اختيار الشر الأصغر بين الشرين التاليين: الاستمرار في الحرب، وبالتالي تنامي الاستياء الشعبي، أو الصدام مع الصقور. ولا سبيل أمامه إلا الاختيار، فبه يتعلق نجاح خطة السلام ومصير البلاد.