لماذا يريد بوتين مصادقة السيسي؟

لماذا يريد بوتين مصادقة السيسي؟

08 فبراير 2015
الصورة

وجه يمثل بوتين في كرنفال فرنسي (29 يناير/2015/أ.ف.ب)

+ الخط -
يعيد التقارب السريع بين موسكو والقاهرة بعد إطاحة حكم "الإخوان المسلمين" إلى الأذهان ذكريات من زمن جمال عبد الناصر. ومع أن العودة إلى الماضي غير ممكنة، إنما لروسيا بالفعل مصالح استراتيجية وتكتيكية في مصر. فموسكو ترى أن في العالم مجموعة بلدان تعبت من الهيمنة الأميركية، فراحت تبحث عن مراكز قوة بديلة. وفي ظروف المواجهة مع الغرب، لا تفوّت موسكو فرصة حرمان أميركا من حليف مهم، مثل مصر، أو على الأقل إضعاف موقفها في الشرق الأوسط، ولو قليلا. ومن أجل ذلك، تقدم عروض أسلحة لمصر بأسعار مخفضة، وتعرض عليها صواريخ إس 300 التي كان بشار الأسد موعوداً بها، وتوافق على إحداث منطقة تجارة حرة معها.
يدركون في موسكو أن تحالف مصر مع روسيا الاتحادية لن يبلغ مستوى تحالفها مع الولايات المتحدة الأميركية في عهد حسني مبارك، أو مع الاتحاد السوفيتي في عهد جمال عبد الناصر. فالسيسي براغماتي، وهو يسعى إلى تنويع علاقاته السياسية الخارجية، إلا أن بوتين يكفيه ذلك. إضافة إلى ما سبق، فإن تطور علاقات روسيا مع مصر، التي تبقى، على الرغم من كل شيء، إحدى أهم الدول في العالم العربي، يسمح بتأكيد أن موسكو ليست في عزلة دولية، الأمر الذي يحاول الغرب ترويجه. علماً أن موسكو صادقة تماماً، في القول إنها صاحبة مصلحة في مصر قوية. فالكرملين قلق جدياً من تزايد عدم الاستقرار في الإقليم، ويخشى من انتقاله إلى آسيا الوسطى والقوقاز.
إلا أن روسيا ليست الولايات المتحدة الأميركية، ولا تملك الموارد التي تملكها واشنطن، للتدخل العسكري المباشر. ولذلك، يحتاج الكرملين إلى أن ترسي بلدان المنطقة نفسها النظام في ليبيا وسورية والعراق واليمن.. ومصر، بهذا المعنى، بجيشها القوي الذي يلقى تقديراً عاليا في موسكو، تعد حلقة مفصلية في منظومة الأمن الإقليمية الجديدة.
إضافة إلى ما سبق، هناك أهداف تكتيكية لتقارب روسيا مع مصر، تقوم على مكافحة الإرهاب، وحاجة روسيا إلى استخدام الموانئ المصرية. وتشكل مكافحة الإرهاب، على الأرجح، أحد أهم الموضوعات في المباحثات بين بوتين والسيسي. فالكرملين يخشى من أن يتسلل المقاتلون الذين يحاربون، الآن، في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) إلى شمال القوقاز، وغيره من الأقاليم المسلمة في روسيا. لذلك، من المهم لموسكو التي تفتقر إلى شبكة واسعة من العملاء في الشرق الأوسط إقامة علاقات ثقة مع الاستخبارات المصرية، لتبادل المعلومات عن الإرهابيين.
المسألة الأخرى المهمة، هي القواعد العسكرية البحرية. فالأسطول الحربي الروسي عاد إلى نشاطه في منطقة البحر الأبيض المتوسط والمحيط الهندي. وعلى الرغم من أنه لم يبلغ بعد
مستوى انتشاره، ونشاطه الذي كان عليه في العهد السوفيتي، إلا أن حضوره، اليوم، أقوى بكثير مما كان عليه في تسعينيات القرن الماضي. وهذا يعني أن روسيا تحتاج موانئ صديقة لإمداد السفن بالوقود والماء واستراحة البحارة. مع العلم أن استخدام الموانئ الأوروبية لا يمكن ضمانه، بعد تدهور العلاقات مع الغرب بسبب الأزمة الأوكرانية. والموانئ السورية يمكن أن لا تبقى متاحة بسبب نجاحات تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). ولذلك، عاد أميرالات البحرية الروسية إلى الاهتمام بالإسكندرية ومرسى مطروح.
ومن أجل التقارب مع القاهرة، هناك دوافع اقتصادية مهمة لدى موسكو. فالمنتجون الروس مهتمون بالسوق المصرية، المستمرة في نموها. ومصر، هي المستورد الأكبر للقمح الروسي. والصناعيون الروس مستعدون لعرض سيارات خفيفة وشاحنات وتقانات زراعية، ومعدات للمصانع ومحطات الكهرباء. وإلى ذلك، يمكن لمصر، في وقت قريب، أن تصبح مستهلكة للغاز الروسي. وعلى خلفية تراجع الطلب على الغاز الروسي في أوروبا، يغدو فتح أسواق جديدة أمرا فائق الأهمية بالنسبة لشركة "غاز بروم".
جمهورية مصر العربية قادرة على دعم الأمن الغذائي الروسي، بعدما اضطرت روسيا إلى الاستغناء عن شراء المنتجات الغذائية من الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها. وهكذا، يمكن للمزارعين المصريين أن يبيعوا منتجاتهم من الحمضيات (الموالح) والبصل والبطاطا في السوق الروسية بكميات أكبر بكثير مما هي عليه اليوم. علماً أن المباحثات لإنشاء منطقة تجارة حرة بين البلدين بدأت فعليا.
ويمكن لمصر أن تتحول إلى سوق كبيرة للسلاح الروسي. ويبدي العسكر المصريون، الآن، الاهتمام الأكبر بمنظومات الدفاع الجوي والطيران، ويمكن أن يحتاجوا، مستقبلاً، إلى غواصات ومنظومات مضادة للدبابات ومدفعية. علما أن منتجي السلاح الروس سيحصلون على المال، ليس فقط لقاء بيع المعدات الحربية، إنما ولقاء عقود خدمتها وتحديثها على مدى 20-30 عاما.
ولكن، تحتاج مصر قروضاً واستثمارات، ولا تستطيع روسيا، في ظرفها الراهن، أن تعرض أيا من الأمرين. وفي هذا المجال، يبدو الشريك الصيني واعداً أكثر بالنسبة للقاهرة، إلا أن روسيا يمكن أن تعرض على مصر ما لا تنتجه الصين بعد، أي تكنولوجيات متقدمة عسكرية ومدنية. ومنها، على سبيل المثال، بناء أول محطة نووية لتوليد الطاقة الكهربائية في مصر، وهي يمكن أن تصبح معنوياً بمثابة أسوان ثانية، ورمزا للصداقة الجديدة بين البلدين.