باسمات أكتوبر

05 أكتوبر 2017
الصورة
"من الفظاظة أن أختار شعراً غير أسود" (دان كيتوود/Getty)
+ الخط -
تبتسم لمحدّثيها وتشاركهم تلك الدردشة. تبتسم لهم، غصباً عن ذلك الغثيان المريع وتعرّق رأسها الحليق تحت تلك الباروكة السوداء. لطالما حلمت بشعر أسود تتخلّله خصل تميل إلى الأحمر الداكن، وتَحقّق حلمها أخيراً.

عندما قصدت محلّ الشعر المستعار قبل شهرَين، لم تتردّد وتوجّهت مباشرة إلى القسم الذي عُرضت فيه باروكات من اللون الأسود بتدرّجاته المختلفة، صُنعت إمّا من شعر طبيعيّ أو آخر صناعيّ "باب أوّل". حاول البائع تشجيعها على اختيار ما يشبه لون شعرها الأصليّ، بنيّ كستنائيّ، غير أنّها كانت حاسمة في ردّها. وقالت بشيء من السخرية: "بعدما استجابت الأقدار لآمالي، من الفظاظة أن أختار شعراً غير أسود. لا بدّ من أن أكون ممتنّة. ألا تظنّ ذلك؟! باروكة سوداء. هذا ما أريد". وتبتسم وهي تستعيد الذهول على وجه البائع الشاب.

كانت المرأة الأربعينيّة لتفضّل المنديل بدلاً من جمّة الشعر تلك، غير أنّها في غنى عن كلّ نظرات الشفقة التي قد تُوجَّه إليها.. التي سوف تُوجَّه إليها من دون شكّ. وتحاول مداراة هؤلاء، غرباء كانوا أم أبعدين أم أقربين. هؤلاء سوف يتحسّرون على حالها ويتهامسون "حرام، بعدها صبيّة!".

المرأة الخمسينيّة ما زالت "صبيّة" كذلك. تعقص شعرها الذي لم تخسره كلّه بعد، وتُهيّئ لولدَيها زوّادة المدرسة. تشير الساعة إلى السادسة والنصف صباحاً. لا بدّ من أن تسرع. تشعر بأنّ يدَيها لا تعينانها ولا رجلاها. تستند إلى الطاولة التي تتوسّط المطبخ الكبير. توجّه نظرها إلى السقف الذي طُليَ أخيراً بلون عاجيّ فاتح، وتحاول أخذ نفس عميق. يدخل الصغير راكضاً. "صرتُ جاهزاً ماما". تبتسم له قائلة "وأنا جاهزة!".

تستجمع قواها وهي تتوجّه صوب السيّارة. تشغّل المحرّك وتدعو أن يمرّ النهار على خير. صغيراها - رُزقت بهما وهي في أربعينيّاتها - لا يعلمان بحالتها الصحيّة المتأزّمة. لا تريدهما أن يعلما بذلك، فيشعران بقلق ما أو بأيّ إحساس سلبيّ. هما "حياتي.. ما تبقّى من حياتي". وتتحامل على ذلك الوهن الذي يأبى إلا ملازمتها، وتبتسم لهما وهي تودّعهما عند مدخل المدرسة، قبل أن تنطلق إلى المستشفى. مراجعة روتينيّة. طبيبها سوف يبحث معها بروتوكول علاج جديد. الجرعات الكيميائيّة الأخيرة لم تُجدِ نفعاً، ولا استئصال الورم الأوّل من ثديها الأيمن.

***

أكتوبر/ تشرين الأوّل شهر عالميّ للتوعية حول سرطان الثدي. هو مناسبة للتنديد بذلك المرض الذي يستهدف المرأة فيهشّم جسدها ونفسها وصورتها. هو مناسبة لتوجيه تحيّة إلى مارييل وريما وسنيورة وعفيفة وسميرة وكارولين وأخريات ناجيات لم يهزمهنّ "هيداك المرض"، أو محاربات ما زلنَ يخضنَ معاركهنّ ضدّ ذلك الخبيث. تحيّة وابتسامات من القلب.. إليكنّ.

المساهمون